Minbar Libya

بقلم عبد الله الكبير

بالتوازي مع اللقاءات والمشاورات السياسية في عدة عواصم يستمر حفتر في هجومه على طرابلس ويواصل في الوقت نفسه جلب المزيد من الأسلحة والمرتزقة.

ذلك تمهيدا للمزيد من التصعيد العسكري، لتحقيق اختراق حقيقي في دفاعات قوات حكومة الوفاق، الصامدة حتى الآن في كل المحاور، رغم دخول أسلحة وتقنيات جديدة لميادين المعارك تحصل عليها حفتر عبر فاغنر الروسية.

وبالمقابل تواصل قوات حكومة الوفاق تعزيز قدراتها الدفاعية لصد الهجوم ومعادلة الأسلحة الجديدة، لكي لا يتغير ميزان القوة لمصلحة حفتر، وسوف يتاح لها بفعل الاتفاق الأمني والعسكري بين حكومة الوفاق والحكومة التركية أن تحصل على الإمكانيات اللازمة لمواصلة الصمود والتحول نحو الهجوم إن أمكن، لإجبار قوات حفتر على التراجع.

نيران الحرب مرشحة لزيادة لهيبها، بسبب تنامي التدخل الروسي الداعم لحفتر بالخبراء والقناصة والطيران، فضلا عن التقنيات المتطورة لإسقاط الطائرات المسيرة لحكومة الوفاق،  ولعل خروج المتحدث باسم قوات حفتر ليعلن عن منطقة حظر جوي فوق طرابلس يؤكد أن القدرات الروسية باتت تسيطر على أجواء طرابلس باستخدام هذه التقنيات.

يعزز هذه الفرضية إسقاط طائرة مسيرة إيطالية ثم طائرة أخرى أمريكية، و هو ما أجبر حكومة الوفاق على إبرام مذكرتي التعاون للحصول على دعم عسكري لمواجهة هذا التطور الطارئ على توازن المعركة.

لا يبدو أن الروس بصدد التراجع عن هذه الخطوات المتقدمة في ليبيا. فتصريحات وزير الخارجية الروسي تشي بذلك، إذ أطلق خلال الأيام الماضية جملة من التصريحات يمكن تفسيرها على النحو الآتي.

الجنود الأمريكان كثر في منطقة المتوسط فلماذا يتم التركيز على الوجود الروسي. جاء ذلك ردا على سؤال عن وجود قوات روسية تشارك في الصراع الدائر بليبيا، لم ينف بشكل واضح وصريح إنما أحال الأمر إلى الوجود الأمريكي، ثم وصف أخبار تنامي الدور العسكري الروسي في ليبيا بالشائعات.

الإنكار ثم الإنكار قبل الاعتراف تسلسل سبق للروس ممارسته في أوكرانيا  وسوريا، وفي الاتجاه نفسه ذهبت تصريحات المتحدث باسم الكرملين ردا على تصريحات مساعد وزير الخارجية الأمريكي (لا يحق للكثير من الدول، اخلاقيا، الحديث عن زعزعة استقرار الأوضاع في ليبيا بعد أن دمروها بأفعالهم التي تنتهك القانون الدولي)

[الناتو أقدم على مغامرة خطيرة في ليبيا] و هو بذلك يؤكد أن التدخل الغربي في ليبيا لحماية المدنيين من بطش القذافي بموافقة روسيا في مجلس الأمن ثم تطور التدخل إلى إسقاط نظام القذافي، يشكل عقدة الخديعة لروسيا، و لا يمل الساسة الروس التذكير به في كل حديث عن الأزمة الليبية.

[فاجأني عدم دعوة الأحزاب الليبية ودول الجوار لمؤتمر برلين، و كذلك الاتحاد الأفريقي، آمل أن نحرز تقدما في المستقبل مع مقاربة أكثر شمولا] هنا يبدو لافروف واضحا جدا في تحفظه على مؤتمر برلين، فهو يعلم أن المؤتمر يسعى إلى التوصل لتوافق بين الدول المنخرطة بشكل مباشر في الصراع قبل الانتقال للأطراف الليبية.

فبدون التزام حقيقي من الدول الفاعلة عسكريا بوقف توريد السلاح والعمل على وقف القتال لن تكون هناك أي تسوية سياسية، والحديث عن مقاربة مستقبلية يعني بوضوح مبكر عدم الاستجابة الروسية لما يتوقع صدوره من برلين.

تزامنت تصريحات لافروف مع استقبال نائبه بوغدانوف لوفد من وزارة الخارجية بحكومة الثني غير المعترف بها دوليا، وإجراء مباحثات حول مجمل التطورات الليبية، وهي خطوة أخرى تؤكد أن روسيا ماضية في ترسيخ وجودها كلاعب رئيس في ليبيا ينافس وينازع الوجود الغربي، ولن تثمر أي جهود للتسوية السياسية أو حتى التهدئة لا تأخذ بعين الاهتمام الاشتراطات الروسية.

 ورغم البيانات والتصريحات الأمريكية القلقة من تنامي الدور الروسي في ليبيا، واللقاء المباشر لفريق رفيع المستوى في الإدارة الأمريكية مع حفتر لبحث آفاق وقف الحرب وتحجيم الوجود الروسي، إلا أن ذلك لم يعقبه أي تحرك عملي ملموس لدفع حفتر إلى الاستجابة للموقف الأمريكي باستثناء عدم الاعتراض على توقيع مذكرتي تفاهم وتعاون بين حكومة الوفاق والحكومة التركية، يمكن من خلالها لحكومة الوفاق الحصول على ما يمكنها من صد العدوان وموازنة ما سيحصل عليه حفتر من دعم عسكري روسي.

لم يعد ثمة شك في أن دخول فاغنر الروسية كمقدمة لتدخل روسي أوسع وإعلان تركيا دعمها للحكومة الوفاق بشكل رسمي يعد تحولا خطيرا في الأزمة ، وأن الأدوار المحلية في الصراع تتراجع مفسحة المجال للقوي العظمي والكبرى تتنافس وتتصارع في الساحة الليبية.

إذا اقتربت الأطراف الدولية من التوافق حول حصصها من السلطة والنفوذ وعقود الطاقة وإعادة الإعمار، فإنها ستفرض وقف الحرب والتسوية السياسية عبر قرارات حاسمة من مجلس الأمن، وهذا لن يكون بالأمر السهل مع تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين في ليبيا، وحدة الصراع الدولي في هذه الأوقات المضطربة بالمنطقة العربية.

لنتذكر جملة وردت في حديث المستشارة الألمانية ميركل لما أعلنت عن استضافة برلين لمؤتمر دولي حول ليبيا : نخشى أن يتطور الصراع في ليبيا إلى حرب بالوكالة.

________

تطور العمليات القتالية جنوب العاصمة في ظل الاستقطاب الدولي

   بقلم السنوسي بسيكري

ما تزال الحرب مشتعلة، والكرّ والفرّ هو سيد الموقف، ويضغط حفتر بقوة عله يحقق اختراقا يمكنه من بلوغ مراده بالدخول إلى العاصمة.

هجوم حفتر مؤخرا يركز على محورين متلاصقين، وهما محور الخلاطات، ومحور قصر بن غشير، ويبعدان عن مركز العاصمة مسافة لا تتجاوز الـ25 كم، والغاية هي الوصول إلى حي صلاح الدين، أحد بوابات العاصمة من جهة الجنوب.

نجحت قوات حفتر في التقدم بالسيطرة عل حي الخلاطات، والاقتراب من مدخل حي صلاح الدين، والتفوق لم يكن بفعل المشاة، الذين يعتمدون على إسهام المرتزقة في إحراز التقدم، بل لدور الطيران والمدفعية.

 حفتر يلجأ للجو بعد خسارته البرية

لقد تراجعت قدرات حفتر القتالية بريا بعد أن أسفرت مقاومة عدوانه عن خسائر عظيمة في المقاتلين الليبيين، فلجأ حفتر إلى عمليات التجنيد والتدريب السريع والتي لم تسعفه بما يعوض النقص في قواته، فكان أن اتجه إلى العناصر الأجنبية، خاصة الروس الذين كان لمشاركتهم في المعارك إضافة واضحة، خاصة المدفعية والقنص.

غير أن العامل الأهم في تعزيز قدرات قوات حفتر الهجومية هو سلاح الطيران، فقد تحصل حفتر على المضادات التي مكنته في السيطرة على سماء المعارك، وكثف من غاراته معتمدا على الدعم الفرنسي والإماراتي والروسي بشكل كبير ليمهد لهجوم قواته على الأرض، فتراجعت قوات الوفاق أمام الغارات التي لم تتوقف ليلا أو نهارا.

 ومن تركيز قوات حفتر على محورين متلاصقين تقريبا جنوب العاصمة تفهم أن العامل الأهم في تحقيق انتصار أو حسم سريع، وهو القوة البشرية، أو المشاة، هو الحلقة الأضعف لدى حفتر، وأنه لا يزال يعول على فعل من داخل العاصمة يكون بمثابة طعنة الظهر للقوات المستميتة في صد عدوانه.

وندرك أيضا أن تحييد سلاح الجو بحصول قوات الوفاق على مضادات أرضية فعالة كالتي تحصل عليها حفتر، يمكن أن يغير اتجاه سير العمليات القتالية، وإذا أضفت إليها تحييد مرتزقة الفاغنر أو مكافأة فعلهم القتالي خاصة سلاح المدفعية، فإن انهيارا سريعا سيقع في القوات المهاجمة.

التفاهمات مع تركيا

وزير داخلية حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، كان واثقا جدا في تصريحاته أول من أمس حول سير المعارك، وأن حفتر لن يدخل العاصمة، ولن يكون شريكا في التسوية السياسية، وربما تعود ثقة باشاغا إلى اتصالاته، كونه من أهم حلقات الوصل مع أنقرة وواشنطن.

وما أعرفه أن قوات الوفاق سعت بهمة للحصول على مضادات الطيران، وهناك معلومات حول قرب تفعيل منصات الدفاع الجوي، وكما أشرت فإن تحييد سلاح الجو سيمكن قوات الوفاق من الهجوم بدل الدفاع.

العامل الذي لا يقل أهمية في جعل باشاغا واثقا، هو ما ترتبه الاتفاقية الأمنية والعسكرية مع تركيا من دعم، فما قيمة هكذا اتفاق إن لم يكن لتعزيز قدرات الوفاق لصد العدوان ورده وتحقيق انتصار ولو جزئي. وعليه فإني لا أستبعد أن يقع تطور في إسهام أنقرة العسكري في الأيام القريبة المقبلة.

وإذا صعدت أنقرة، وربما واشنطن القلقة من الدور الروسي الداعم لقوات حفتر، من دعمها لقوات الوفاق، فسيرجِّح بالقطع هذا الدعم كفة الوفاق، لكن يظل رد الفعل الروسي بالتصعيد المماثل متوقعا ومخيفا، ليصبح الانتقال إلى حرب وكالة شرسة هو الأرجح، وهو السيناريو الأخطر والذي ستكون نتائجه وخيمة.
___________