Minbar Libya

أصبحت ليبيا بؤرة الصراع الجديد في المنطقة، ففي مواجهة تدفق المرتزقة الروس لدعم الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، لمّحت تركيا إلى إمكانية تعزيز دعمها لحكومة الوفاق المعترف بها دولياً، فكيف ستتعامل تركيا مع التدخل الروسي لمساعدة حفتر؟

وأصبحت معركة السيطرة على ليبيا عُرضةً لمزيدٍ من التصعيد في الأسبوع الجاري وسط تلويح تركي بالتدخُّل لإيقاف القوات المدعومة من روسيا التي تقترب الآن من العاصمة الليبية طرابلس، حسبما ورد في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

ففي تصريحاتٍ أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى قنوات تلفزيونية تركية مساء الإثنين 9 ديسمبر/كانون الأول والثلاثاء 10 ديسمبر/كانون الأول، تحدث عن احتمالية إرسال قواتٍ تركية لمواجهة القوات الروسية إذا طلبت حكومة الوفاق الوطني الليبية التي يقع مقرها في طرابلس والتي تعترف بها الأمم المتحدةذلك رسمياً.

وقال أردوغان يوم الإثنين: «في حال تلقِّي طلبٍ كهذا، ستقرر تركيا بنفسها نوع الإجراءات التي ستتخذها». وأشار صراحةً في اليومين الماضيين إلى إمكانية «إرسال جنود» أو «أفراد» أتراك إلى هناك.

من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أمس الأربعاء، إن الاتفاق الأمني بين بلاده وليبيا «لا يشمل بنداً بخصوص نشر تركيا قوات هناك»، موضحاً أن «الاتفاق الجديد يركز أساساً على التدريب».

وأوضح جاويش أوغلو أن «الاتفاق الأمني لا يتضمن أي بنود بخصوص إرسال قوات. سبق أن وقعنا اتفاقات مماثلة من قبل، وهذا مجرد اتفاق محدث. ليس هناك انتشار للقوات». وأضاف: «ومع ذلك قال رئيسنا إنه يمكننا أن نُقي ّم ذلك إذا تلقينا طلباً بهذا الخصوص».

ولأسباب تجارية وسياسية، يَبرُز أردوغان على أنَّه الراعي المهم الأخير لحكومة طرابلس المُحاصَرة. وقد أكَّد حديثه الحاد عن احتمالية تدخُّل عسكري جديد خطورة الوضع الذي تواجهه الآن حكومة طرابلس، التي تتعرض لحصار مشدد من قوات روسية تدعم الجنرال خليفة حفتر قائد ما يُعرَف بالجيش الوطني الليبي.

لماذا يتصارع الجميع على ليبيا؟

ومن جانبهم قال مسؤولو حكومة الوفاق الوطني في طرابلس إنهم يرحبون بأي مساعدة تُعين الحكومة على تأدية مهمتها، إذ قال محمد علي عبدالله، مستشار الشؤون الأمريكية في حكومة الوفاق الوطني، في رسالةٍ نصية: «حكومة الوفاق الوطني تُرحِّب بجميع أشكال الدعم الدولي». 

وتجدر الإشارة إلى أنَّ ليبيا تعد كنزاً استراتيجياً بفضل احتياطياتها النفطية الضخمة وساحلها الشمالي الطويل المُطِل على البحر المتوسط.

ولكن بعد ثماني سنوات من تدخُّل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في البلاد وتقديمه المساعدة في إطاحة القذافي في ثورة الربيع العربي، ما زالت البلاد غارقة في الفوضى. إذ حوَّلت الاضطرابات سواحل البلاد إلى نقطة انطلاق لعشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين المتجهين إلى أوروبا، وحوَّلت صحاريها إلى ملاذٍ لعصابات من المتطرفين المتشددين.

روسيا قلبت موازين المعركة

وعلى مرِّ الأشهر الثلاثة الماضية، قلبت روسيا موازين القوى في الحرب الأهلية الضروس في البلاد بنشر أعداد كبيرة من المقاتلين في دعمٍ واضح يهدف إلى مساعدة حفتر على الاستيلاء على العاصمة الليبية.

ويُذكَر أنَّ حفتر (76 عاماً) يخوض معركة كرِّ وفر للاستيلاء على طرابلس منذ أكثر من خمس سنوات بلا جدوى. حتى إنَّ حملته الهجومية الأخيرة، التي أطلقها في 4 أبريل/نيسان، تركت قواته متوقفةً دون تقدُّم طوال أكثرمن خمسة أشهر على المشارفالجنوبية للمدينة.

غير أنَّ الدعم الروسي المُكثَّف في الوقت الراهن مكَّن قوات حفتر من استئناف تقدمها نحو المدينة. وتمكَّنت القوات في نهاية الأسبوع الماضي تُحقِيق مكسب هو الأكبر لها منذ شهور

حرب شوارع وهجرات جديدة

وفي هذا الصدد، قال فريدريك ويري، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي الذي عاد مؤخراً من زيارة إلى جبهة المعركة في طرابلس: «لقد تحوَّلت موازين الزخم بالتأكيد». وأشار إلى أنَّه رأى علامات استنزاف بين بعض المدافعين عن المدينة.

وقال ويري: «إذا انهارت الروح المعنوية، سيكون الوضع مروعاً. ومن يعرف متى ستنهار؟». 

ومن المرجح أن يسفر انهيار الحكومة عن فترةٍ طويلة من القتال الدامي في الشوارع داخل المدينة، مع سنواتٍ من التمرد الذي ستُطلقه الميليشيات الإقليمية التي تعارض حفتر وتواجه الآن خطر الانتقام. فيما يقول محللون ودبلوماسيون إنَّ الاضطرابات ستؤدي بالتأكيد إلى موجةٍ جديدة من فرار مهاجرين داخليين وخارجيين.

كيف سلم الأمريكيون ليبيا للروس؟

وقال ويري إنَّه بالنسبة لواشنطن، فالسماح للقوات الروسية بتأسيس هيمنةٍ في ليبيا، كما فعلت في سوريا بالفعل، سيؤدي كذلك إلى «إلحاق أضرار جسيمة بأي موثوقية أمريكية متبقية في الشرق الأوسط».

وأضاف: «روسيا في الأساس تحاول الضغط على بابٍ مفتوح يُصدِر صريراً منذ فترة». وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الولايات المتحدة انسحبت إلى حدٍّ كبير من ليبيا في حين أنَّ القوى الأوروبية منقسمة حول كيفية التعامل معها.

ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة الانسحاب بعد تدخُّل حلف شمال الأطلسي في البلاد في عام 2011، قفزت مجموعة من القوى الإقليمية وجميعها دولٌ شريكة لأمريكا تحظى بتسليحٍ غربيلملء الفراغ، حيث وفرت الأسلحة والدعم للأطراف التي تُفضِّلها في المعركة القائمة بينها.

مصر والإمارات راهنتا على نهج حفتر السلطوي

إذ انحازت الإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية وفرنسا في نهاية المطاف إلى دعم حفتر، مُراهنِةً على أنَّ نهجه السلطوي يمكن أن يعيد الاستقرار. بينما أصبحت تركيا الداعم العسكري الوحيد المهم لحكومة طرابلس، ويرجع أحد أسباب ذلك إلى تنافسها مع التكتل الإماراتي المصري السعودي في حرب باردة إقليمية.

وكذلك فالولايات المتحدة، إلى جانب القوى الغربية الأخرى، تدعم حكومة طرابلس وعملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية في تصريحاتها العلنية، لكنَّ تركيا فقط هي التي تقدم دعماً عسكرياً.

وواشنطن تقوم بتصرفات متناقضة حتى بعد إسقاط الروس لطائرة أمريكية

بل إنَّ واشنطن، في الواقع، تبعث برسائل مختلطة.

إذ وصف بعض المسؤولين الأمريكيين، الذين يقولون إنَّ القوات الروسية الموجودة في ليبيا الآن تتضمَّن قوات نظامية ومرتزقة، وجود هذه القوات بأنَّه «يزعزع الاستقرار بدرجةٍ كارثية» وحذَّروا من «شبح سقوط ضحايا على نطاقٍ واسع بين السكان المدنيين».

لكنَّ فيكتوريا كوتس، مسؤولة مجلس الأمن القومي الأمريكي التي تشرف على الملف الليبي، التقت بحفتر منذ أسبوعين لمناقشة محادثات السلام، ومنحته بذلك مستوى جديداً من اعتراف البيت الأبيض به.

وكذلك فحين بدأ حفتر تقدمه نحو طرابلس في أبريل/نيسان الماضي، أصدر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بياناً أدان فيه الهجوم على طرابلس، لكنَّ البيت الأبيض أصدر بياناً بعد ذلك بأيام قال فيه إنَّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصل بحفتر ليُثنيه عن معركته ضد «الإرهاب». 

وفي الأسبوع الجاري، قال مسؤولون عسكريون أمريكيون إنَّهم يعتقدون أن منظومةً دفاعية جوية روسية منصوبة في ليبيا قد أسقطت طائرة استطلاع أمريكية بدون طيار. وقال الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، في بيان يوم الإثنين إنَّ القوات التي أسقطت الطائرة لم تكن تعرف أنَّها أمريكية.

وأضاف: «لكنهم صاروا يعرفون الآن هوية أصحاب الطائرة بالتأكيد، ويرفضون إعادتها. يقولون إنهم لا يعرفون مكانها، لكنني غير مقتنع». 

الروس أنقذوا حفتر 

يُذكَر أنَّ النزاع الليبي كان في الأساس حرباً خفيفة تتأجَّج ببطء قبل التدخل الروسي في خريف العام الجاري 2019.

إذ كان هناك بضع مئات من المقاتلين غير المدربين يشتبكون مع بعضهم بعضاً في أي وقت في حفنةٍ من المناطق المهجورة على حافة طرابلس، بينما كانت بعض الطائرات المسلحة بلا طيار تُطلق النيران من الجو

وكانت قوات حفتر تستخدم طائرات صينية بدون طيار زوَّدتها بها دولة الإمارات العربية المتحدة، فيما كانت قوات طرابلس تواجهها بطائرات تركية بدون طيار.

لكنَّ كل ذلك بدأ يتغير مع تدخُّل القوات الروسية في وقتٍ سابق من الخريف الجاري.

فبحلول شهر أكتوبر/تشرين الأول، وصل حوالي مئتي مرتزق روسي إلى البلاد، وفي غضون أسابيع، ارتفع العدد إلى أكثر من ألف. وأحضروا معهم قوةً جوية أكثر تقدماً، ودعماً جوياً أفضل تنسيقاً لمساندة القوات البرية، ومدفعية موجَّهة، بالإضافة إلى قناصة مُدرَّبين.

وبفضل مساعدتهم، تسيطر قوات حفتر الآن على المجال الجوي. إذ يبدو أن الطائرات التركية بدون طيار التي كانت حكومة طرابلس تستخدمها قد اختفت من السماء، ومن المحتمل أنَّها تعرَّضت للتلف أو التدمير على يد حلفاء حفتر.

أردوغان قال إنه سيبحث المسألة الليبية مع بوتين فهو لا يريد سوريا جديدة

وفي هذا الصدد، قال فولفرام لاخر الباحث المتخصص في الشأن الليبي بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية: «قوات طرابلس ليس لديها أي شيء في الجو الآن. الجميع ينتظر وصول المعدات التركية الجديدة». 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ أردوغان يتحدث منذ سنوات عن تجنُّب الصراعات في المنطقة. لكنَّ حديثه الأخير عن التدخل في ليبيا يأتي بعد توغل تركي في شمال سوريا قبل شهرين، حيث تحركت القوات التركية ضد الميليشيات المدعومة من الولايات المتحدة والخاضعة لقيادة الأكراد هناك، وكيفت وضعها مع القوات الروسية التي تنشط في البلاد.

وفي مقابلة تلفزيونية مساء يوم الإثنين، تعهد أردوغان بأنَّ يبحث المسألة الليبية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً في اجتماع مرتقب بينهما في يناير/كانون الثاني المقبل.

وقال أردوغان، واصفاً حفتر بأنه «خارج عن القانون»: «بالنسبة لمسألة حفتر، لا أريد أن تُسفِر عن سوريا جديدة في العلاقات».

وأضاف: «أعتقد أن روسيا كذلك ستراجع موقفها الحالي تجاه حفتر».

غير أنَّ أردوغان لديه أشياء أخرى غير الاستقرار في ليبيا معرضَّة للخطر هناك.

إذ تأتي تصريحاته حول تدخل عسكري محتمل بعد أيام قليلة من توقيع أنقرة اتفاقاً مع حكومة طرابلس يمنح تركيا حقوق عمليات تنقيب عن النفط وإنشاء خطوط أنابيب وحقوقاً بحرية أخرى في جزء شاسع من البحر الأبيض المتوسط ​​بين البلدين. وقد أثار ذلك غضب اليونان وأوروبا

وقال فولفرام لاشر إنَّ تصريحات أردوغان «تشير إلى أنَّ هذا الاتفاق في غاية الأهمية للأتراك لدرجة أنهم على استعداد لفعل أي شيء  لمنع حفتر من السيطرة«.

__________

المصدر الأصلي: نيويورك تايمز (ترجمة عرب بوست)