Minbar Libya

بقلم محمود سمير الرنتيسي

تتناول هذه الورقة خلفية تطورات العلاقات التركيةالليبية وصولًا إلى توقيع الرئيس التركي ورئيس حكومة الوفاق، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، اتفاقين أحدهما أمني والآخر في المجال البحري.

الجزء الثاني

الاتفاق الأمني والبحري

من الجيِّد أن نشير إلى أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا التي تم توقيعها بين أردوغان والسراج، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التي اكتسبت أهمية كبيرة حتى على الاتفاق الأمني الموقَّع معها مع أن الاتفاقين متزامنان ويكمل كل منهما الآخرهي فكرة قديمة ولكنها تحمل بُعدًا جديدًا.

قد أصبحت الفكرة عملية بعد أن أعلنت ليبيا المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها في 2009 مما جعلها منفتحة على الاتفاقيات الدولية، والجديد فيها يأتي من أن المتداول هو رسم المناطق البحرية من خلال خطوط رأسية ويتفق مع هذا ترسيم الحدود المحتمل مع قبرص ومصر.

ولكن الأدميرال البحري السابق والخبير في القانون البحري، جهاد يايجي، قد استحضر فكرة رسم الخطوط القُطرية لتحديد المناطق البحرية لتركيا منذ سنوات عديدة حيث بنى فكرته على: “أن موقع تركيا المائل جغرافيًّا ينص على حقها في رسم خطوط قُطرية لتحديد مناطقها البحرية وتوقيع اتفاقيات ترسيم الحدود مع ليبيا وإسرائيل ولبنان“.

وأضاف يايجي أن اعتبار ساحل درنة وطبرق وبوردية في ليبيا وفتحية ومرمريس وكاش في تركيا بمنزلة سواحل متقابلة متصلة يتماشى مع القانون الدولي والمصالح المطلقة للبلدية.

وقد ذكرت بعض المصادر أن تركيا حاولت التوصل لاتفاق مع ليبيا قبل عام 2011 وأن أردوغان حمل الخرائط بنفسه في زيارة لليبيا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2010، لكن وقوع الثورة حال دون التوصل للاتفاق.

وبعد الثورة، حاولت تركيا مجددًا، كما ذكرت مصادر تركية أن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، قام خلال زيارة له لليبيا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، من أجل تفاهمات أمنية، بإعادة فتح ملف المباحثات حول اتفاقية السيادة البحرية مما أكسب المباحثات سرعة أكبر.

وتربط هذه المصادر هذا التطور بما حدث بعد ذلك من قيام الجنرال حفتر، في مطلع أبريل/نيسان 2019، بشن حملة عسكرية على طرابلس.

وقد حدثت عدة تطورات دفعت تركيا للسعي بقوة للتوصل للاتفاق مرة أخرى، وهي:

1- التوترات المتزايدة المتعلقة باكتشافات الطاقة الكبيرة شرق المتوسط وتفاهمات خط شرق المتوسط للغاز بين إسرائيل وقبرص واليونان.

2- إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، والذي استُبعدت تركيا منه على الرغم من أنها جزء مهم من إقليم شرق المتوسط.

3- الحملة العسكرية، المدعومة من أطراف إقليمية، بقيادة الجنرال حفتر، ضد حكومة الوفاق، على طرابلس.

4- الموقف الأميركي المستاء من الدعم الروسي لحفتر.

5- وجود تحركات لحفتر للترتيب مع اليونان لخطة إعادة إعمار بنغازي.

ومن المهم الإشارة إلى أن الاتفاقية الأمنية والبحرية بين ليبيا وتركيا التي استغرق التوصل لها أشهرًا من المباحثات الفنية، تعتبر الخطوة الثالثة التي أقدمت عليها تركيا بعد إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط؛ حيث كانت الخطوة الأولى نشر قوات بحرية عبر استعراض للقوة في المتوسط، ثم البدء بأنشطة الحفر قبالة سواحل قبرص.

يعتبر هذا الاتفاق مع ليبيا اتفاقًا تاريخيًّا لأنه يمثل أول صفقة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا مع دولة ساحلية باستثناء قبرص التركية.

ويعتقد أنه سيزيد الجرف القاري لتركيا في المنطقة المذكورة بحوالي 30 بالمئة، والأهم أنه يوفر لتركيا مجموعة من المزايا التي قد تغيِّر قواعد اللعبة شرق المتوسط. ووفقًا لتقييم أنقرة، فإن الاتفاقية البحرية تقدم عددًا من المزايا لتركيا:

1- توفير أساس سياسي وقانوني لمحاولات تركيا المستقبلية في شرق المتوسط ويعطيها الحق في حماية حقوقها جرَّاء الاتفاقية وخاصة أعمال سفنها التي تقوم بالحفر والتنقيب.

2- منع اليونان من ترسيم الحدود البحرية مع مصر قبرص اليونانية عبر جزر كريت وميس. وكانت اليونان قد نشرت خرائط تقصر المنطقة التركية على خليج أنطاليا فحسب والذي يغطي مساحة 41 ألف كيلومتر مربع. ومن المستغرب أن تعارض حكومة السيسي هذه الاتفاقية رغم أنها تنسجم مع المصالح المصرية، وستكون طرفًا مستفيدًا من اتفاقية ترسيم الحدود البحرية

3- إحباط خطط عزل تركيا والقبارصة الأتراك وزيادة تأثير تركيا على الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط.

4- تعتبر الاتفاقية بطاقة قوة بيد تركيا في أي حوار قادم يتعلق بحقوقها وبمستقبل ليبيا أيضًا.

5- إعادة تذكير الدول المكتشِفة لموارد الطاقة والدول المستقبِلة بأن المرور عبر تركيا هو الخيار الأكثر منطقية اقتصاديًّا وأمنيًّا في ظل محاولة حرمانها من ربط حقول غاز شرق البحر المتوسط بالأسواق الأوروبية.

التعاون في مجال الغاز شرق المتوسط

وفيما صادق البرلمان التركي على مذكرة التفاهم مع الجانب الليبي الذي اعتبر الاتفاق منسجمًا مع القانون الدولي فإن برلمان طبرق الذي يعارض الاتفاق اعتبر الاتفاق غير مشروع واتخذ خطوات لنزع الشرعية عن الحكومة وهو أمر تحتج به الدول المعارضة للتشكيك بقانونية الاتفاق وهو الأمر الذي يعد نقطة ضعف للاتفاق.

ومن جانبها أعلنت تركيا أنها ستُخطر الأمم المتحدة بالاتفاقية وإحداثيات المناطق الاقتصادية الخالصة لتركيا (EEZ) التي تم التأكيد عليها بموجب الاتفاقية مع حكومة ليبيا المعترف بها من الأمم المتحدة.

أما فيما يتعلق بالاتفاق الأمني، والذي لم يتضح بعد كامل تفاصيله، فهو امتداد لاتفاقيات سابقة ولكن تشير بعض الجهات الليبية إلى أنه يشمل السماح لتركيا باستخدام الأجواء الليبية وإقامة قواعد عسكرية والدخول للمياه الإقليمية الليبية فإن تركيا معنية بإعادة التوازن بين قوات حكومة الوفاق وقوات حفتر التي تتلقى الدعم من عدة جهات إقليمية، ومعنية بالحفاظ على بقاء الحكومة بالدرجة الأولى والتي ترتبط مصالح تركيا مع ليبيا ببقائها.

كما أن رغبة تركيا تتعدى حفاظ حكومة الوفاق على طرابلس إلى بسط قوتها على مناطق أخرى، ويضيف الاتفاق لتركيا شرعية في تزويد حكومة الوفاق بالأسلحة في ظل تلقي حفتر لدعم عسكري كبير من مجموعة من الدول.

تثبيت الحقائق قبل مؤتمر برلين حول ليبيا

بعد أكثر من محاولة فاشلة لمباحثات الحوار الوطني الليبي مثل مبادرة الحوار الليبي في باريس، في مايو/أيار 2018، وباليرمو، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، طرحت ألمانيا، في سبتمبر/أيلول 2019، استضافة الحوار الليبي بالرغم من عدم وجود مؤشرات على النجاح وفي ظل توصيات بضرورة التوصل لتفاهم مع الدول المنخرطة في ليبيا من أجل نجاح المؤتمر المقرر عقد اجتماع تحضيري له في 10 ديسمبر/كانون الأول 2019.

وفي حين كان يدور حديث عن عدم الرغبة في حضور دول مهمة مثل تركيا والجزائر لمؤتمر برلين، جاء توقيع الاتفاقيتين بين تركيا وليبيا قبل أسبوعين من عقد الاجتماع التحضيري في برلين داعمًا لموقف حكومة السراج ومُربكًا للدول التي تدعم حفتر والتي كانت على تماسٍّ مستمر معه.

وعلى سبيل المثال كان حفتر موجودًا في الأردن في زيارة لم يتم الإعلان عن أجندتها أثناء وجود السراج في تركيا، كما توجه وفد برئاسة علي الهبري، رئيس البنك المركزي في الشرق غير المعترف به دوليًّا، إلى اليونان، بهدف الإعداد لخطة إعادة إعمار بنغازي.

وقد عبَّرت كل من مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وبرلمان طبرق عن رفضها للاتفاقيات بين تركيا وحكومة السراج وقامت اليونان بطرد السفير الليبي وزار وزير خارجيتها القاهرة لإجراء محادثات مع نظيره المصري لتسريع المناقشات بين اليونان ومصر حول تعيين حدود المناطق الاقتصادية الخالصة بين البلدين كما قدمت إسرائيل دعمها لليونان.

وكان مركز أبحاث الأمن القوميالإسرائيلي قد دعا، في أغسطس/آب 2019، لمراقبة الدور التركي في ليبيا، على اعتبار أن أنقرة ترى في تكريس نفوذها هناك وسيلة لمواجهة التعاون الإسرائيليالمصرياليونانيالقبرصي في مجال استخراج الغاز واقتصاديات الطاقة، وأن التحولات التي قد تشهدها ليبيا يمكن أن تؤثِّر سلبًا على مصالح تل أبيب الاستراتيجية.

أما عن تأثير الاتفاقية على مؤتمر برلين القادم، فقد كان المبعوث الأممي إلى ليبيا، غسان سلامة، أول من عبَّر عن خشيته من تشكيل ردود الفعل حول الاتفاق الذي وقَّعه السراج مع تركيا، خطرًا يمكن أن يعقِّد الوضع خلال الاجتماع التحضيري لمؤتمر برلين، في 10 من ديسمبر/كانون الأول.

وعلى كل الأحوال، كانت الآمال بحدوث اختراقات ضعيفة جدًّا وربما تصبح أكثر صعوبة الآن.

ولا يقتصر الأمر على الأطراف الإقليمية فهناك تدخل روسي وفرنسي وإيطالي في الساحة الليبية كما أن هناك خلافات في وجهات النظر الفرنسية والإيطالية.

وفيما هناك انسداد ميداني بعد محاولة حفتر الفاشلة تحاول الدول الأوروبية الحفاظ على مصالحها من خلال إدارتها للحوار السياسي بين الأطراف المتصارعة كما تحاول كل الدول المعنية أن ترسم حقائق على الأرض للاستفادة منها عند المفاوضات.

وفي هذا السياق، فقد فتح التحول في الموقف الأميركي بابًا مهمًّا لتركيا حيث كان يُعتقد أن ترامب مؤيد تمامًا لموقف حفتر ثم لم يخف استياءه من إعطاء حفتر الفرصة لروسيا للتدخل واستغلال هشاشة الوضع لمصالحها وبالتالي طالبت واشنطن حفتر بوقف عملياته ضد طرابلس، وعلى الأغلب استفادت تركيا من هذا الاستياء الأميركي في لعب الدور الموازِن للقوى الأخرى الداعمة لحفتر.

ومن الجدير بالذكر أن الاتفاقية التركيةالليبية جاءت أيضًا قبل قمة الناتو في لندن وفي ظل توتر فرنسيتركي حول عدة ملفات. ومع كل هذا السياق يبدو أن تركيا مصممة على العمل استنادًا على الاتفاقيات التي وقَّعتها مع حكومة الوفاق وعلى المرونة الأميركية الحالية.

خاتمة

من الواضح أن العلاقات التركيةالليبية دخلت مرحلة جديدة مع توقيع الاتفاقين الأخيرين وأن تركيا مصممة على تكريس دعمها لحكومة الوفاق استنادًا على الأساس القانوني للاتفاقيات وعدم الاكتفاء بمنع حفتر من السيطرة على طرابلس بل وبسط نفوذها على مزيد من المناطق خاصة أن المناطق التي تشملها الاتفاقية البحرية مع تركيا لا تقع تحت سيطرة حكومة الوفاق.

وتدور حاليًّا معارك على الأرض وفي الجو تتعرض فيها قوات حفتر لعدد كبير من الخسائر.

كما أن تركيا التي لا تشاركها حكومات المنطقة باستثناء قطر التي وقَّعت معها سبع اتفاقيات في نفس الشهررؤيتها لمستقبل الشرق الأوسط تجد في حكومة الوفاق شريكًا آخر في ظل حالة العزلة أمام عدة فاعلين شرق المتوسط.

وفي حال نجاح تركيا مع ليبيا فإنها قد تفتح خطوطًا للتنسيق مع سوريا ولبنان، وهما البلدان الآخران اللذان ليسا أعضاء في منتدى غاز شرق المتوسط.

ومن المتوقع أيضًا في ظل استراتيجية تركيا تجاه المنطقة بشكل عام أن تزيد تركيا من توثيق علاقاتها الأمنية والعسكرية مع طرابلس خاصة مع سماح الاتفاقيات بوجود تركي مكثف في الموانئ الليبية وتتقدم للدفاع عنها دبلوماسيًّا في المحافل الدولية.

وفي هذا السياق، أعلن برلمان شرق ليبيا بيانًا قال فيه: إن الصفقة ترقى إلى اتفاقية دفاع، بزعم أنها ستمنح أنقرة حق استخدام المجال الجوي الليبي والمياه الإقليمية، مما يسمح لتركيا ببناء القواعد العسكرية على الأراضي الليبية.

بالرغم من أن الاتفاقيات التركيةالليبية الأخيرة تبدو في مصلحة الطرفين إلا أنه بالنظر للأطراف الدولية والإقليمية المعارضة فإنها تخلق تحديًا ومخاطرة كبيرة لتركيا خاصة مع احتمالات الدخول في صراع مباشر في ظل الإعلان عن خطوة بدء السفن التركية التنقيب عن الطاقة على السواحل الليبية.

ومن المتوقع أن تحدث ردَّات فعل من قبل الدول المتنافسة مع تركيا ليس أقلها تقديم مزيد من الدعم لحفتر وخاصة من مصر والإمارات.

كما أن تركيا من الممكن أن تكون عرضة لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بسبب الدفع بهذا الاتجاه من قبرص واليونان والدول الأوروبية التي تمتلك شركات الطاقة مثل فرنسا وإيطاليا. ولكن التعقيد الأكبر في وجه تركيا هو حدوث تحول سلبي جديد في موقف الإدارة الأميركية.

أخيرًا، يمكن القول: إن احتياطيات الطاقة المكتشفة شرق المتوسط ودعم جهات معارضة لتركيا لحفتر في ليبيا ضاعفت من أهمية ليبيا في استراتيجية تركيا لتحقيق المكانة والنفوذ كقوة إقليمية طامحة وخاصة في المجال البحري في البحر المتوسط.

وقد قامت تركيا من خلال الاتفاقيات الأخيرة بتثبيت حقائق جديدة تتناسب مع سعيها لمزيد من التأثير والمكاسب والحقوق السيادية واستطاعت على قاعدة الربح للجميع تثبيت واقع بحري جديد في شرق المتوسط مقابل تأمين الجانب الدفاعي والأمني لحكومة الوفاق

***

محمود سمير الرنتيسي، باحث متخصص في الشأن التركي

_____________