Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

هوس اعلامي في بلدان المنطقة الشمال افريقية مُساند ودعائي للواء المتقاعد “خليفة حفتر” وقواته من طرف أنصار الثورات المضادة.

ففي نفس الوقت الذي تعقّد فيه وضعه الصحي واطلاق تسجيل له مُركب مساء 12 ديسمبر الحالي، أطلقت مواقع وقنوات ومُقربين سابقا من المخلوعين “بن علي” و”مبارك” سهامهم تجاه أنصار ومساندي حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

وبالتوازي مع ذلك تعقد الوضع الاجتماعي في الشرق الليبي وخاصة بعد حملات الاعتقالات التي قادها ميليشيات حفتر وابناؤه، فما هي مستجدات الوضع الليبي الراهن؟

وما هي حقيقة الأوضاع العسكرية على الأرض في مختلف المحاور خاصة في ظل حديث عن قرب دخول قوات مصرية وأخرى تركية خلال الأيام القادمة وتبين الجميع أن عمليات استنزاف كبيرة جارية وأن لا حل سياسي نهائي الا في أبريل القادم؟

ارتسمت منذ أسبوعين فكرة لدى كل المتابعين روج لها الاعلام المصري والإماراتي وصحيفة “العرب” اللندنية وتوابعها في تونس ومصر والخليج مفادها أن المرتزقة الروس سيقتحمون طرابلس ويحسمون الأمور لصالح قوات حفتر.

ولكن تبين للجميع أن قوات الوفاق قد سفّهت كل ذلك خلال الأيام الماضية، ذلك أنه وفي ليلة إطلاق حفتر لتسجيله المركب بلباس صيفي (درجة الحرارة في مدينة بنغازي تتراوح بين 14و19 درجة ليلة بث “الفيديو”)، وعوض ان تتقدم قواته كما برمج حلفاؤه خسرت محور اليرموك بل وتكبدت خسائر كبيرة وتمت فرقعة مواقع لأفراد الشركة الروسية “فاغنر” والتي قتل من أعضائها أكثر من 35 فرد في حد أدنى خلال الأسابيع الثلاث الماضية.

تبين لكل المتابعين أن سيطرة قوات وأتباع حفتر على العاصمة طرابلس، ما هو إلا وهم وأضغاث أحلام في ظل الواقع الميداني على الأرض على الأقل راهنا.

وتبين أن تلك الدعايات أصبحت خطابا ممجوجا منذ 4 أبريل الماضي، وما هو إلا كلام مخابرين تنقله يوميات عربية على غرار “الشروق” التونسية و”العرب” اللندنية ويتمناه بعض ساسة ومحللي بعض القنوات على غرار فضائية “التاسعة(يُدير ويؤثث بعض برامجها المدعو “برهان بسيس” الذي كان نهاية العقد الماضي يُبرر جرائم الرئيس المخلوع “زين العابدين بن علي”).

سيكفينا الدعم اللوجستي، وفقاً للاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وفي أمور محدودة.

كان ذلك هو تعليق المتحدث باسم قوات الوفاق في سؤال له حول تصريحات الرئيس التركي “رجب طيب اردوغان” المؤكدة على الاستعداد للتدخل لصالح حكومة الوفاق، ومعلوم أن أنقرة وطرابلس قد وقعتا في نوفمبر الماضي اتفاقاً للتعاون الأمني والعسكري، ومذكرة تفاهم بشأن ترسيم الحدود في البحر المتوسط.

ميدانيا من الواضح أن الأوضاع ما زالت لصالح قوات الوفاق، ولكن الاشكال الحقيقي هو أن المدنيين في العاصمة يعانون كثيرا بسبب القصف الجوي من الطيران الداعم لقوات حفتر (والثابت أنه طيران اماراتي في حد أدنى)، حتى أن تصريحات عسكريّي الوفاق تؤكد أنه قد “ارتُكبت في طرابلس وضواحيها مجازر عديدة بحق المدنيين، في الأشهر الأخيرة، وراحت عائلات بأكملها تحت الغارات الجوية الآثمة.

عمليا قلّص الطيران الإماراتي المُسيّر نشاطه في ليبيا، ويرجح البعض أن ذلك تم عقب لقاء وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” مع نظيره الإماراتي “عبد الله بن زايد آل نهيان” بواشنطن في نوفمبر الماضي.

ولكن من المنظور العسكري يمكن الجزم أن الطيران الأجنبي كان يتدخل عندما تكون قوات حفتر في وضع سيئ، حيث تدخّل طيران الإمارات في أكثر من مناسبة وأنقذ قوات حفتر من هزائم ماحقة، وعزّز عمليا أنشطته منذ الضربة القاصمة في “غريان”.

يتمركز الروس في منطقة “قصر بن غشير” (25 كلم جنوب طرابلس)، وهي أقرب إلى ترهونة (90 كم جنوب شرق طرابلس) منها إلى طرابلس، ويعتقد أن المئات منهم وصلوا إلى ضواحي طرابلس، ولا تزال أعداد أخرى في مناطق الهلال النفطي وقاعدة الجفرة (وسط) وبنغازي.

والثابت أن حفتر، وحلفاؤه استعانوا بمرتزقة الجنجويد (قوات الدعم السريع السودانية)، حين عجز عن تجنيد الليبيين ودخل “الجنجويد” إلى ليبيا بالآلاف قبل “فاغنر” (وهو أمر منظور أمام المحاكم السودانية)، ولم تقتصر جنسيات المرتزقة على السودان، ولدى قوات الوفاق أسرى من تشاد والنيجر.

يحضى محور منطقة «الخلاطات» (جنوب طرابلس) بأهمية عسكرية كبيرة، وهو يضم «معسكر حمزة»، وهو قريب من منطقة “صلاح الدين” المكتظة بالسكان، وقد ركّزت عليه قوات حفتر خلال الفترة الماضية، حيث دفعوا بمرتزقة “فاغنر” للتوغل فيه ظناً منهم أنها ستكون ممرهم إلى وسط طرابلس.

وسبق أن تم تحديد يوم 6 ديسمبر الحالي يوماً للحسم حيث دفعوا بكل ثقلهم في هذا المحور ولكن قوات الوفاق تمكنت بالحد الأدنى العسكري وبأقل خسائر من امتصاص الهجوم وأجبرتهم على التراجع.

وقد أكد “قنونو” (ناطق رسمي لقوات الوفاق) في تصريحاته أخيرا بالقول “اختبرنا قوتهم الضاربة، فإذا هم أضعف حتى مما استعددنا له، وهذا المحور عامة ليس له وضع خاص وهو ضمن خططنا، ولا خوف من ناحيته..”.

كما نفى “قنونو” ما تردد مؤخراً عن سيطرة قوات حفتر على معسكر اليرموك وثلاثة معسكرات أخرى بمنطقة “صلاح الدين” قرب حدود العاصمة، كما قال أيضا “قوات حفتر تسللت إلى هذا الجيب جنوبي طرابلس وتم التصدي لهم وهو محور له وضع خاص، وقد مشطنا معسكر اليرموك، وهم لا يدخلون إليه إلا عندما تنفذ قواتنا بعض التكتيكات بعيداً عنه”.

وأضاف موضحا أن «السيطرة على هذا المعسكر في حسابات المعركة تحصيل حاصل، وليس لها أهمية استراتيجية حالياً، وحين ننفذ خططنا الاستراتيجية، فكل المعسكرات جنوبي طرابلس ستكون تلقائياً خارج الحسابات العسكرية.”

ثبت بالوقائع أن قوات حفتر تعتمد تكتيك الصور للترويج الإعلامي ذلك انها وعندما تدور المعارك في أي محور يُشاغل بعض افرادها قوات الوفاق في محور “الطويشة” لتتسلل مفرزة منها إلى جوار معلم معروف لالتقاط صور ونشرها على أساس السيطرة، ثم تهرب سريعاً.

أما الوضع في “العزيزية” و “الساعدية” في “ورشفانة” ، فالثابت أن “العزيزية” هي تحت سيطرة الوفاق وهي حاليا منطقة آمنة بين طرابلس وغريان، وباقي البلدات هي نقاط تماس واشتباك مع قوات حفتر، وهذه الأخيرة تحشد عناصرها منذ مدة لفتح جبهة الزاوية بالمحور الغربي، بمثابة الدعاية لا أكثر حسب تأكيدات “قنونو”.

ومن الواضح أن قوات حفتر عندما تواجه أزمات مثل هروب مجنديها أو تلقيها خسارة مذلّة أو صراعات داخلية بين مكوناتها ويؤثّر ذلك على معنوياتهم، فإنهم يهرعون إلى تحويل الأنظار إلى ناحية أخرى، وبشكل تهريجي أحياناً.

كشف عسكريّون في طرابلس أن خلافات كبرى داخل صفوف القوات الموالية لحفتر في مدينة “ترهونة” وتحديداً بين ميليشيات “الكانيات” والقوات الأخرى التابعة لهم.

والحقيقة أن الصراع داخل المعسكر الموالي لحفتر ليس جديداً، فمنذ البداية كانت هناك خلافات، وهو أمر طبيعي بين ميليشيات غير متجانسة فولاء بعضها للقبيلة، وبعضها تهدف للسلب والنهب، وبعضها تبحث عن زعامات وأمجاد شخصية، وولاء بعضها للنظام السابق (القذافي) حيث يبحثون عن ثأر ورد اعتبار.

ويمكن التأكيد هنا أن الخليط عندما يمتزج بالمرتزقة من مختلف الجنسيات دون وجود قيادة ميدانية، يصبح صراعهم حتمياً، والثابت أيضا أن من يسيطر على ترهونة الآن ليسوا أهلها.

رغم التضارب في التصريحات بين طرفي الصراع بشأن الوضع في قاعدة “الوطية” فان الثابت أن قوات الوفاق تستهدف القاعدة في مناسبات متقطعة ويأتي ذلك بناء على استخدام قوات حفتر للقاعدة في قصف أحياء طرابلس.

كل المعطيات سالفة الذِّكر والتقارير الدبلوماسية تؤكد أنه من ناحية الوضع العسكري لم يحدث تغيير كبير منذ استيلاء قوات حكومة الوفاق على مدينة غريان في 27 يونيو الماضي بعد أن افتكتها القوات الموالية لحفتر في 4 أبريل 2019.

وعمليا تعتمد قوات الوفاق حاليا استراتيجيا تقوم على السيطرة على كافة تراب ليبيا في انتظار مربعات الحل السياسي والذي لن تتوضح معالمه النهائية الا في نهاية شهر ابريل 2020.

وهو أمر يتّبعه أيضا حفتر وحلفائه الإقليميين والدوليين، مما يعني أن عمليات الاستنزاف ستتواصل خلال الأسابيع القادمة هذا إن لم تتحول ليبيا الى ساحة حرب إقليمية وربما دولية أيضا.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مخاص في الشؤون الافريقية

____________

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية