Minbar Libya

في غمارِ معركةٍ شرسةٍ امتدت على مدار ثمانية أشهرٍ دون أن تكون فيها الغلبة لأحدٍ، بدأ للتو الفصل الأشرس من قصة الحرب على طرابلس بغياب الحل السياسي.

وتحوّلت ليبيا إلى ساحة صراع إقليمي على أيدي الدول نفسها التي كانت تدعو بالأمس إلى مبادراتٍ دولية لحل الأزمة.

فبعدما أشيع أن اللواء المتقاعد قلب المعركة لصالحه، وتحقيق انتصاراتٍ عسكرية على الأرض بدعم روسي إماراتي، هرعت حكومة الوفاق المُعترف بها دوليًّا إلى تركيا التي أعلنت استعداداها إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، لتظهر بعدها المدرعات المصرية وهي مرابطة على بُعد عدة كيلو متراتٍ تتربصُ بالعاصمة المُحاصرة.

هذا التقرير يبرز لك تسع دول تتقاتل في ليبيا، بعدما فشل سيناريو التفاوض بين حفتر والسراج.

مصر.. الجارة الذي لا تُخفى عداوتها

رغم ترأسها الاتحاد الأفريقي الذي تمنع مواثيقه دعم الجماعات المُسلحة ضد الحكومات الشرعية؛ يعترف السيسي علانية بدعمه اللواء الليبي المُتقاعد، مُهاجمًا في الوقت نفسه حكومة الوفاق التي أغلقت سفارتها في القاهرة إلى أجلٍ غير مُسمّى، في ظل تصاعد الأحداث بين البلدين.

بعد نحو أسبوعين من إعلان حفتر معركة النفير صوب طرابلس في أبريل (نيسان) الماضي، طار حفتر صوب القاهرة لإطلاع السيسي على آخر المستجدات، وبعدها بعدة أيامٍ ظهرت الذخيرة المصرية والأسلحة الخفيفة في أيدي قوات اللواء الليبي؛

وبينما تتدخل مصر في الأزمة الليبية بذريعة السيطرة على حدودها الغربية التي كانت معبرًا مفتوحًا لتهريب السلاح من المخازن الليبية، إلا أنّ تسريبات المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، والتي نقلها موقع «الجزيرة» من مصادر تكشف وجهًا آخر للتدخل المصري يقوم على توجيه قادة الجيش المصري نصائح لحفتر، لرسم خطط سير المعارك شرقًا وغربًا وصولاً إلى طرابلس.

الدور المصري في ليبيا يتخطى دعم حفتر، وصولًا إلى نزع الشرعية عن حكومة الوفاق عبر تصريح الخارجية المصرية التي اعتبرت أن برلمان طبرق هو الجهة الشرعية الوحيدة.

ومؤخرًا نشر حساب «الإعلام الحربي» التابع لقوات حفتر على موقع «يوتيوب»، تسجيلًا مصورًا تظهر فيه المدرعات المصرية التي أنتجتها مصر حصريًا مع شركة تسليح أمريكية، في إعلان رسمي على مشاركة القاهرة في الحرب الدائرة على طرابلس.

تركيا.. الخصم الذي حوّل مسار المعركة

بعد ساعاتٍ من التسجيل الصوتي الذي بثته قناة «ليبيا الحدث»، والذي طالب فيه حفتر السكان بإلقاء السلاح ورفع الراية البيضاء، وصلت قواته إلى مشارف مدينة غريان – التي تبعد 100 كم جنوب طرابلسفدخلوها بدون قتال بعدما انسحبت القوات الموالية لحكومة الوفاق؛

وبدأ الزحف العسكري بعدها نحو مدينة الزاوية -48 كم غرب طرابلسإلا أنّ المفاجأة أنّ قوات حفتر سُرعان ما انهزمت وخسرت نحو 40 آلية عسكرية، وسقط أكثر من 120 في الأسر.

انطلق رئيس مجلس الدولة الليبي خالد المشري، في زيارةٍ عاجلةٍ صوب أنقرة التي أعلنت دعمها غير المشروط لحكومة الوفاق، لتظهر بعدها المقاتلات التركية في شوراع طرابلس إلى جانب الطائرات المُسيرة التي استغلت بُعد القواعد الجوية التابعة لحفتر عن مواقع الاشتباكات، وبدأت في قصف الخطوط الخلفية بدقة، ومنعت قوات الجنرال الليبي من التقدم.

استعانة الوفاق بحليفها القوي، وأجبر غريمها على خوض الحرب حتى النفس الأخير، رغم فشله في إحراز أي انتصارات فارقة.

وفي منتصف المعارك؛ وجه الجنرال الليبي قواته للمحافظة على الذخيرة، وهو ما كشف تعرضه لأزمة مالية لتمويل حربه.

وعلى المستوى السياسي الذي أحدثته تركيا، أعلن رئيس الحكومة الموازية في الشرق، عبد الله الثني، استعداد الجيش لوقف إطلاق النار دون شروط، وهي الدعوة التي حظيت بمباركة مصرية فرنسية لإنقاذ حليفهما، إلا أنّ حكومة الوفاق اشترطت استبعاد حفتر من المفاوضات الدولية والعملية السياسية؛ وهو ما أزعج الإمارات التي تدخلت هي الأخرى لإنقاذ حليفها.

الإمارات.. أكبر جيوش حفتر

دفعت الإمارات حليفها لخوض معركة الحسم بعد نحو ثلاثة أشهر من المعارك، وهو ما كشفته صحيفة روسية بشأن حصول حفتر على منظومة دفاع جوي متطورة من طراز «بانتسير إس1 – إس آي 22» روسية الصنع، تُنقل على عربة «مان إس إكس 45» ألمانية الصنع.

وبحسب الصحيفة، فإن الإمارات هي الدولة العربية التي تمتلك 50 قطعة عاملة من هذه المنظومة.

حصول حفتر تحديدًا على منظومة دفاع جوي متطورة، جاء نتيجة حصول حكومة الوفاق على الطائرات المسيرة من طراز «بايراكتار تي بي ، التركية الصنع، والتي حوّلت مسار الحرب متفوقة على الطائرات الإماراتية والليبية التابعة لحفتر، والتي اتهمتها «منظمة العفو الدولية» بالقصف العشوائي للمدنيين والمناطق السكنية، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية.

وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، أسست الإمارات منشأة للطائرات بدون طيار في قاعدة «الخروبة الجوية» في برقة عام 2016، كما ظهرت أرتال العربات المدرعة الإماراتية من نوع «تايجر»، إضافة إلى صاوريخ «بانتسير إس ، واللافت أنّ دور أبوظبي في دعم حفتر امتد إلى السودان الذي شهد ثورة أطاحت حليفًا مهمًّا.

السودان.. مرتزقة حميدتي تحت الطلب

نشر موقع «الجزيرة» القطري، صورًا لوثائق مسربة من السفارة الإماراتية في الخرطوم إلى الخارجية السودانية، تكشف – إن صحتاستخدام الإمارات للأجواء السودانية في نقل مئات المرتزقة، الذين جندهم محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس المجلس العسكري بالسودان من القبائل العربية بدارفور وبعض الدول الأفريقية المجاورة، إلى ليبيا واليمن عبر إريتريا.

وتظهر الوثائق طلب الإمارات الحصول على تصريح دبلوماسي لطائرتي شحن تابعتين للقوات المسلحة الإماراتية للعبور والهبوط بمطار الخرطوم، خلال عبورها لنقل «ركاب وحمولات متفرقة» من الخرطوم إلى مطار الخروبة في ليبيا.

وتتفق التسريبات، مع تقرير الاتهامات الذي وجّهته الأمم المتحدة إلى حميدتي، لقيامه بإرسال ألف جندي سوداني من قوات الدعم السريع إلى الشرق الليبي، بعد ثلاثة أشهرٍ من معركة طرابلس.

أرسل حميدتي تلك القوة لحماية بنغازي ضد أية تمردات، ولتمكين قوات حفتر من الهجوم على طرابلس، كما تمركزت تلك القوات بمنطقة الجفرة جنوب ليبيا.

وبحسب ما نشرته صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، فإنّ حميدتي أيضًا تعاقد مع شركة علاقات عامة كندية «ديكنز أند ماديسون»، وبموجب العقد، تتعهد الشركة بالحصول حفتر على أموال للمجلس الانتقالي السوداني مقابل مساعدات عسكرية لـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر.

السعودية.. صاحبة الضوء الأخضر في معركة طرابلس

قبل نحو 10 أيامٍ من عقد المُلتقى الوطني الجامع الذي ترعاه الأمم المتحدة لبحث تشكيل حكومة وطنية، أطلق حفتر النفير العام للسيطرة على طرابلس، وهو ما دفع وزير الداخلية في حكومة الوفاق إلى القول بأن قوات حفتر تلقت ضوءً أخضر من دولة عربية لدخول طرابلس.

وكانت تلك إشارة إلى زيارة حفتر للسعودية التي ترأست القمة العربية في تونس، في الأسبوع نفسه الذي تحركت فيه قوات حفتر، ما اعتُبِر ضمنيًّا اعترافًا عربيًّا بشرعية حفتر وتحركاته العسكرية.

تبدو السعودية دومًا حاضرةً في كل مخططات اللواء الليبي لإسقاط طرابلس؛ ففي فبراير (شباط) عام 2014، أعلن انقلابًا فاشلًا عبر شريط مصور – بثته قناة «العربية» السعودية حصريًّا – قرر بموجبه تجميد عمل المؤتمر الوطني (البرلمان المؤقت) وإلغاء البيان الدستوري وعزل الحكومة.

صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية نقلت عن مسئول سعودي لم تُسمه، أنّ بلاده قدمت مساعدات بملايين الدولارات لحفتر من أجل إسقاط حكومة الوفاق التي تسيطر عليها ميليشيات تناصب الرياض وأبوظبي العداء.

على جانبٍ آخر، عقد الجنرال الليبي صفقة مع جماعة المدخلية السلفية المدعومة من السعودية، وجنّد أتباعها لبسط سيطرته على شرق ليبيا وجنوبها، حتى إنها تشارك حاليًا في المعارك الدائرة لإسقاط طرابلس، باعتبارهم العدو اللدود لجماعات الاسلام السياسي.

وجدير بالذكر أن شيخ التيار المدخلي، الشيخ السعودي ربيع المدخلي الذي سبق وأن حرّم الثورات العربية بجميع أشكالها، قد أفتى بضرورة القتال في صفوف قوات حفتر، بصفته قائد قوات مجلس النواب الشرعي، وحاكمًا متغلبًا، وولي شرعيًّا للأمر لا يجوز الخروج عليه.

الأردن.. الممر الآمن لتهريب الأسلحة وتدريب الجنود

بعد نحو عامٍ من إطلاق حفتر عملية «الكرامة» في 2014 بدعوى محاربة الإرهاب في ليبيا، سافر اللواء الليبي إلى الأردن في زيارةٍ رسمية لبحث ملف هيكلة الجيش الليبي من قبل القوات المسلحة الأردنية، ويبرز الدور الأردني بشكل لافت في لائحة الاتهام التي أعدها مجلس الأمن بخصوص الدول التي خرقت قرار تصدير السلاح إلى ليبيا.

وبحسب تقرير الأمم المتحدة، فالأردن تزود حفتر بالأسلحة بشكل روتيني، وأحيانا بشكل صارخ مع القليل من الجهد لإخفاء المصدر، إضافة إلى الدور القديم الممتد بتدريب الجنود، كما يتضمن تقديم الاستشارات العسكرية والتدريب لقوات حفتر، فضلًا عن الدعم الاستخباراتي والمعلوماتي.

وخلال المعارك الدائرة، ظهرت قوات حفتر وهي مجهزة بعتاد وسلاح إماراتي، وأردني، بالإضافة إلى مدرعات من طراز «الوحش» الأردنية الصنع.

روسيا.. اللاعب الأكثر جرأة في العلن

لا تخفي روسيا دعمها لأمير الحرب الليبي حتى في اجتماعات الأمم المتحدة، وسبق لحكومة الوفاق أن اتهمت موسكو بتوفير غطاء دولي لحفتر بعدم إصدار قرار من مجلس الأمن بتوقف القتال إلا بعد إحراز اللواء الليبي تقدمًا ميدانيًّا يجعله شريكًا في العملية السياسية المقبلة.

وكالة «بلومبرج» الأمريكية نقلت عن مصادر ليبية، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أرسل مرتزقة إلى ليبيا لدعم المشير خليفة حفتر في حربه على حكومة الوفاق عبر إرسال نحو 100 رجل من المرتزقة التابعين لشركة «فاجنر» الروسية التي يرأسها أحد المقربين من بوتين، كما توجد نقاط تمركز للقوات الروسية في طبرق وبنغازي، شرق ليبيا.

وتستخدم موسكو هذه المجموعة الغامضة في تزويد قوات المشير حفتر في ليبيا بقطع مدفعية، ودبابات وطائرات بلا طيار وذخائر، كما نقلت الوكالة عن قائد مرتزق روسي قوله إن المتعاقدين مع فيغنر يقاتلون في ليبيا وأن بعضهم قُتلوا أثناء المعارك.

ووفق مواقع رصد الطائرات العالمية، فروسيا أرسلت طائرات شحن عملاقة تسير في رحلات منتظمة بين مصر والأردن وإسرائيل وشرقي ليبيا، وتستخدم في نقل السلاح والذخائر والمعدات العسكرية.

فرنسا.. صديق في الخفاء ومحايد في العلن

تظهر فرنسا على الساحة بوصفها لاعبًا محايدًا في الأحداث، عبر طرح مبادرات سياسية للخروج من الأزمة، لكنّ الوفاق نفسها تتهم باريس بالانحياز لحفتر.

وقبل شهرين أعلن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، أن فرقة عسكرية فرنسية داعمة لقوات حفتر، جهّزت محطة للتحكم بالطائرات المسيرة وتركيبها في مطار ميناء السدرة النفطي شمالي البلاد وتوجيهها لاستهداف الكلية والقاعدة الجوية بمدينة مصراتة، ومواقع تابعة لطرابلس.

وبخلاف الاتهامات، فقد سبق لفرنسا أن تورطت في عدة فضائح بدأت بقضية صواريخ «جافلين» المضادة للدروع التي أعطتها واشنطن لفرنسا عام 2010، ثم ظهرت بعدها في معقل قوات حفتر بمدينة غريان، والوفاق تتهم فرنسا بتزويد البحرية التابعة لحفتر على عدد من الزوارق السريعة وأسلحتها وذخائرها.

وبينما نفت باريس ما ذكره تقرير صحيفة «لوموند» الفرنسية عن وجود قوات خاصة فرنسية تساعد قوات حفتر، إلى جانب الطائرات التي تجمع معلومات عن ليبيا، لم تمض أسابيع حتى تحطمت مروحية فرنسية في ليبيا على متنها ضباط فرنسيون، والضربة الكبرى تمثلت في ضبط تونس ضباط مخابرات فرنسيين.

إيطاليا.. خُطة الساعات الأخيرة

تنحاز إيطاليا إلى معسكر الوفاق ضد الأجندة الفرنسية الداعمة لأمير الحرب الليبي، وبحسب ما نشرته صحيفة «أريبوبليكا» الإيطالية حول مستجدات المعارك الدائرة على تخوم طرابلس، فإن الحكومة الإيطالية باتت تدرك أنّ الحل في ليبيا لم يعد سياسيًّا وإنما بات عسكريًّا خالصًا.

ونقلت الصحيفة عن مصادر في وزارة الدفاع الإيطالية وضع خطط إجلاء طارئة؛ ليس فقط للعاملين في السفارة الإيطالية بطرابلس؛ بل حتى لرئيس الوزراء الليبي نفسه ولأهم المسؤولين بحكومة الوفاق الوطني، الذين قد يتعرضون للخطر هناك، في حال سقطت طرابلس.

وتتضمن الخطة إشراك القوات الجوية الإيطالية عبر خطط جاهزة، تقوم على مراقبة ليبيا عبر الطائرات المُسيرة للوقوف على مدى تقدم قوات حفتر المدعومة من سبع دول تساهم بشكل مباشر في دعمه عسكريًّا.

_____________