اعتبر المحلل السياسي الروسي، أندريه كوريبكو، أن الاتفاقيات الأخيرة التي وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا، خطوة جيوسياسية عبقرية من جانب تركيا تهدف إلى ضمان بقاء أنقرة اللاعب المسيطر في شرق البحر المتوسط في مواجهة جهد متضافر من قبل منافسيها لتقويض نفوذها.

وقال كوريبكو في مقال نشره موقع “عالم واحد ” إن التحالف القبرصي اليوناني الإسرائيلي المدعوم أمريكيا و”الذي يخطط لربط حقول الغاز الإسرائيلية مع هاتين الدولتين الهيلينيتين ومنها إلى دول الاتحاد الاوروبي، كثف تعاونه في الفترة الأخيرة لا سيما في المجال العسكري.”

وأضاف أن استراتيجية هذا التحالف اصطدمت بعقبة مع تواصل تركيا الجريء مع ليبيا في الأسابيع الأخيرة، حيث تستفيد أنقرة من قضاياها البحرية التي لم يتم حلها مع اليونان للمطالبة بمساحة واسعة من المياه الاقتصادية تجعلها، من الناحية النظرية، الجارة البحرية لليبيا وفقًا للاتفاق الذي توصلت إليه مع الحكومة الليبية.

وأشار كوريبكو إلى أن دعم تركيا لأعداء اللواء المتقاعد خليفة حفتر سيؤثر سلبًا في علاقاتها مع موسكو أيضًا، حيث من المتوقع أن يتنافس حتى الشركاء المقربون جدًا من حين لآخر مع بعضهم البعض في النظام العالمي الناشئ متعدد الأقطاب.

وذكر في هذا الصدد أن اليونان في طريقها لتصبح الشريك الإقليمي المفضل للولايات المتحدة “في شرق البحر المتوسط ​​إلى جانب إسرائيل، بعد أن أعادت أثينا تنشيط تحالفها مع الولايات المتحدة بل وإعلانها  أنها مستعدة لاستضافة القوات الأمريكية إذا تم طردها من قاعدة إنجرليك الجوية التركية.”

على طريق الصراع بالوكالة

ورأى المحلل الروسي أن الخطوات التي اتخذتها تركيا مع روسيا مؤخرًا، بالتوازي مع رد الفعل الأمريكي من خلال تعزيز علاقاتها العسكرية مع اليونان ردًا على ذلك، تدفع العلاقات التركية الأمريكية على طريق الصراع بالوكالة، وهو ما قد يندلع في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​بعد أن أدانت أثينا بشدة اتفاقيات أنقرة الأخيرة مع طرابلس بسبب انتهاكها لسلامة أراضيها.

وأردف أن الوضع خطير للغاية على وجه التحديد لأن تركيا واليونان لديهما ما تخسره على المدى الطويل اعتمادًا على نتيجة النزاع الأخير بينهما.

ووفقا لكوريبكو، إذا تركت تركيا دون عائق بالمعنى العسكري، فإن مطالب تركيا الجريئة في منطقة شرق البحر المتوسط ​​الواسعة ستجعل المشروع الإسرائيلي اليوناني القبرصي مستحيلا من دون مشاركتها، مما يؤدي افتراضيًا إلى تحييد كامل نوايا المشروع المعادي لتركيا والتحالف العسكري الثلاثي المدعوم من أمريكا.

ولكن في المقابل فإن مطالب أنقرة يمكن أن تصبح لاغية وباطلة إذا سقطت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في طرابلس في أيدي قوات خليفة حفتر الذي لا يعترف بالاتفاق البحري المتفق عليه مؤخرًا.

ما هو السيناريو المحتمل

باستثناء الحرب بين حليفي الناتو اليونان وتركيا، وهي بالتأكيد ليست مستحيلة، كما يقول كوريبكو، فإن الطريقة الأخرى الوحيدة لحل هذه المشكلة هي أن ينجح حفتر في انتزاع السلطة في المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية الليبية المستمرة.

وهذا يعني أن المصالح الأمنية طويلة الأجل لأنقرة تعتمد بشكل غير مباشر على نتائج الصراع بالوكالة.

وهذا هو السبب في أنها وعدت بتقديم الدعم العسكري إلى جيش حكومة الوفاق، مع عدم استبعاد أن تكون القوات الخاصة التركية نشطة على أرض الواقع وتركها مفتوحة لإمكانية إرسال قوات التقليدية إذا طلب منها.

وشدد كوريبكو على أن “كل شيء سيعتمد في النهاية على ما إذا كان الدعم العسكري التركي يمكن أن يضمن استمرار وجود الجيش الليبي التابع للوفاق، وما إذا كانت أنقرة قادرة على الدفاع عن مطالبها البحرية فعليًا في حالة مقاومة أثينا عسكريًا لها مع دعم محتمل من الولايات المتحدة وإسرائيل.”

وخلص إلى أن الولايات المتحدة تريد تجنب حدوث صراع مفتوح في شرق البحر المتوسط؛ ​​لأن ذلك سيجعل من المستحيل الدخول في أي تقارب مع تركيا في وقت ما في المستقبل، مع رؤية كيف من المحتمل أن تدعم واشنطن أثينا في هذا السيناريو.

أما اليونان فإنها تراهن على أنها تستطيع جذب حليفتها إلى الصراع إذا قررت الدفاع عن مطالبها هناك عسكريًا.

وبالنسبة إلى “إسرائيل وروسيا، فإن أيا منهما لن يرغب في التورط بشكل مباشر، ولكن يمكن القول إن موسكو لديها مصلحة في انتصار أنقرة من أجل تعقيد بناء خط أنابيب الغاز الإسرائيلي إلى اليونان، في حين أن تل أبيب تريد انتصار أثينا.”

_________