Minbar Libya

لا يمكن أن نرضى بإقامة دولة في ليبيا للمليشيات والجماعات المسلحة المتطرفة“. بهذه العبارة أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفضه ما أسماه السيطرة على ليبيا، بعد أيام من تلويح الرئيس التركي بإرسال قواته لدعم حكومة الوفاق ضد قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي تدعمه القاهرة.

وقال السيسي في تصريحات للصحف المصرية نُشِرت في 17 كانون الأول/ ديسمبر: “لن نسمح لأحد أن يعتقد أنه يستطيع السيطرة على ليبيا والسودان، ولن نسمح لأحد بالسيطرة عليهما، وأشار إلى أن الأمر يتعلّق بالأمن القومي المصري، لأن البلدين دول جوارلمصر.

وقال السيسي في تصريحات للصحف المصرية نُشِرت في 17 كانون الأول/ ديسمبر: “لن نسمح لأحد أن يعتقد أنه يستطيع السيطرة على ليبيا والسودان، ولن نسمح لأحد بالسيطرة عليهما، وأشار إلى أن الأمر يتعلّق بالأمن القومي المصري، لأن البلدين دول جوارلمصر.

وفيما أعلن رفضه دولة جماعات مسلّحة، شدّد السيسي على أن بلاده لن تتخلى عن الجيش الوطني الليبيالتابع لحفتر، الذي أعلن ما أسماه المعركة الحاسمةللسيطرة على طرابلس مقر حكومة الوفاق المُعترف بها دولياً.

وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 18 كانون الأول/ ديسمبر، في سياق ما أسماه تسريع التعاون التركي الليبي، استعداده لدعم حكومة الوفاق الوطني ضد قوات شرق ليبيا التي يقودها حفتر، أحد قادة المعارضة التي أطاحت بالرئيس الليبي السابق معمّر القذافي عام 2011.

ماذا تريد مصر وتركيا مِن ليبيا؟

مصرأهداف متعددة

من منطق الأمن القومي، يهدد انعدام الأمن داخل ليبيا بشكل مباشر الأمن في مصر باعتبارها دولة مجاورة، وهو ما لفت إليه السيسي في تصريحاته الأخيرة، بقوله إن ما يحدث في ليبيا يهدد الأمن القومي المصري، وهذا ما يعني أن القاهرة تفضّلأن تكون جارتها الغربية مستقرة بحكومة قريبة منها.

ولكن الواقع يضع مصر أمام مفارقة أمنية تسهم في إطالة انعدام الاستقرار في ليبيا لأنه يهدّد مصالح القاهرة أمنياً واقتصادياً. يقول الموقع البريطاني إي انترناشيونال ريلايشنز “E-IR” المختص بالعلاقات الدولية إن هذه المفارقة الأمنية تشير إلى المواقف التي تتعارض فيها الإجراءات الفورية مع النتيجة المرتجاة على المدى الطويل“.

وتُجبَر دولة ما، حسب ورقة بحثية نشرها إي انترناشيونال رولايشنز في نيسان/ أبريل الماضي على التصرف بطريقة معينة لضمان توفير الأمن فترة قصيرة والحماية من التهديدات الفورية، لكنها بالتالي تلد وضعاً سلبياً لنفسها، وهو الوضع ذاته الذي قد تعيشه مصر من خلال تعزيزها لما أسماه الموقع ميليشيات وعناصر سياسية محددة مثل الجنرال خليفة حفتر“.

وتدعم مصر قوات شرق ليبيا بقيادة اللواء المتقاعد، منذ سنوات، وبالتالي تعوق تشكيل الدولة الليبية، في حين أن أفضل حل طويل الأجل لمصر سيكون دولة قومية مستقرة في ليبيا من أجل توفير الحماية الحدودية الممكنة وزيادة التجارة، حسب الورقة البحثية التي نشرها الموقع.

وينشط في ليبيا منذ عام 2016 معسكران رئيسيان لكل منهما حكومة، وحتى تتضح الصورة أكثر بشأن طرفي النزاع نستعرض كلّ حكومة وخلفيّاتها والجهات التي تدعمها.

فحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة ومقرها طرابلس، تحظى بدعم الكتلة التي كانت تعارض نظام القذافي في المدن الغربية، والإسلاميين في أحياء طرابلس والقبائل الجنوبية بمن فيهم الإخوان المسلمون، فضلاً عن المجتمع الدولي بصفتها الحكومة الرسمية.

من جهة أخرى، يقول حفتر إن إدارته العسكرية في شرق ليبيا هي الحكومة المؤقتة والشرعية، ويحظى بدعم أجزاء واسعة من الجيش والقبائل الشرقية وجماعات مسلحة في الجنوب. ويُعلن القتال ضد جماعة الإخوان المسلمين، وهو الهدف الإيديولوجي الذي يلتقي فيه مع داعمتيه الخارجيّتين مصر والإمارات.

في هذا الصدد، يرى تقرير إي انترناشيونال ريلايشنزأن سياسة مصر تجاه ليبيا مدفوعة بمصالح متعددة تمتد من الاهتمامات الأمنية الملحة إلى الاعتبارات الاقتصادية إلى الأهداف الإيديولوجية ومكافحة الإسلام السياسي، وبهذا تكون من أصحاب المصالح الرئيسيّين في البلاد.

ويضيف الموقع البريطاني أن من أبرز اهتمامات مصر في ليبيا هو مشروعها الإيديولوجي للقضاء على الإسلام السياسي، لأن الهدف الرئيسي للقاهرة، حسب المصدر، هو تحجيم جماعة الإخوان المسلمين في الداخل والخارج، وهذا ما يشمل التصدي لتأثيرها في ليبيا.

من هذا المنطلق، إن الهدف المتمثل في قيام ليبيا مستقرة من أجل تعاون أمني واقتصادي أفضل مع مصر، تتم عرقلته بعرقلة فرص التسوية بين الأطراف الليبية المتحاربة. وما دامت ليبيا غير مستقرة وهناك قوى خارجية أخرى تتدخل في الجهة المُقابلة مثل قطر وتركيا، فإن مصر ستستمر في دعم حفتر لتأمين مصالحها الخاصة برغم إطالة أمد الصراع.

في سياق متصل، كانت مجلة جون أفريك الفرنسية قد بيّنت في شباط/ فبراير الماضي أن الأمن والجماعات الإسلامية ليسا الشاغل الوحيد للسيسي، إذ نُقِل العديد من الأسلحة المتطورة المستوردة من روسيا والتي كانت مخزّنة من قبل القذافي إلى مصر، وأصبح تهريب الأسلحة، يضيف تقرير المجلة، عذر السيسي ليبرر تدخله في شرق ليبيا، كما ساعده ذلك على تحويل الانتباه عن مشكلته الرئيسية والمتمثلة في سيناء“.

وأوضحت المجلة الفرنسية  أن علاقات اقتصادية متينة كانت تربط بين البلدين في الماضي، إذ بلغت صادرات مصر إلى ليبيا نحو 1.5 مليار دولار أمريكي سنة 2012، في حين لم تُحقّق سوى 400 مليون دولار خلال سنة 2017.

كما كان حوالي 1.5 مليون عامل مصري يقيمون في ليبيا خلال فترة حكم القذافي، وهذا ما ولّد تحويلات مالية تصل إلى 33 مليون دولار أمريكي سنوياً. لكن عدد هؤلاء العاملين انخفض بحلول 2015 إلى النصف، وتالياً انخفضت تحويلاتهم إلى بلدهم.

ومما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الاقتصادية لمصر أمل القاهرة في تأمين مواردها في مجال الطاقة في ليبيا، فهي مستورد صافٍ للطاقة، وتراكمت ديونها حتى باتت ثلاثة مليارات دولار مع شركات الطاقة الأجنبية، لذا يمكن لغِنى ليبيا بالنفط والغاز أن يسمح لها باستيراد مصادر الطاقة من ليبيا بأسعار منخفضة.

تركيا ومطامح الغاز

وقّع رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج وتركيا، في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، اتفاقيتين بشأن التعاون الأمني وتحديد مناطق النفوذ في المجال البحري، في لقاء جدد خلاله الجانب التركي استمرار دعمه لحكومة الوفاق المعترف بها دولياً.

لقيت الاتفاقيتان تنديداً شديداً من قِبل القاهرة ونيقوسيا وأثينا، واستمر الجدل حولهما ثلاثة أسابيع قبل تجدد اللقاء بين أنقرة وطرابلس، مطلع الأسبوع الجاري، في إسطنبول لمناقشة آليات تفعيل الاتفاقيتين، بعد أيام من تلويح أردوغان بإرسال قوات تركية إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق ضد حفتر.

وتسمح مذكرتا التفاهم بإنشاء قواعد عسكرية تركية في ليبيا، والتنقيب عن النفط في البحر الأبيض المتوسط.

يرى الخبير المصري في الشؤون التركية والباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في القاهرة، بشير عبد الفتاح، أن ما يهم تركيا في ليبيا عدة اعتبارات أولها تأمين مصدر للطاقة، فتركيا دولة غير منتجة للطاقة وتستورد 95% من حاجاتها، منها ما يكفلها سنوياً نحو 50 مليار دولار، وتريد وقف هذا النزيف في مجال الطاقة وأن يكون لها منابع نفط وغاز“.

وأضاف عبد الفتاح في مقابلة مع موقع دويتشه فيله الألماني أن تركيا لديها 12 ميلاً بحرياً وفقاً لاتفاقية البحار لعام 1982 كحدود بحرية لا تتوفر فيها أي مصادر للطاقة، لذا تسعى إلى التوسع في الجرف القاري لعلها تجد بغيتها، خصوصاً أن المسح الذي جرى لهذه المنطقة أكد وجود منابع نفط وغاز في المثلث الواقع بين قبرص وإسرائيل واليونان“.

ولفت الخبير في الشؤون التركية إلى أن التموضع العسكري التركي في ليبيا من شأنه أن يضمن لها فرصة في جهود إعادة الإعمار التي قد تحقق جزءاً من التوازن للاقتصاد التركي، فضلاً عن الاستفادة من النفط الليبي.

ويرى خبير الاقتصاد السياسي والصراع الليبي في معهد تشاثام هاوس في لندن، تيم إيتون، أن الاتفاقيتين تأتيان تزامناً مع تصاعد المعارك حول طرابلس، والشكوى المستمرة من حكومة الوفاق بافتقارها للأسلحة الكافية لدعم جهودها، وهو عكس ما يحدث مع جيش حفتر.

ويضيف إيتون في حديث لموقع دويتشه فيله أن تركيا أقل نفوذاً في ليبيا مقارنة بالدعم السياسي الذي يتلقاه الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر من الإمارات ومصر بشكل صريح ومن فرنسا بشكل غير صريح، لذا يرى الجانبان أنهما بحاجة إلى مثل هذا الإعلان لتصبح تركيا رسمياً هي مصدر إمدادات الأسلحة في هذا الوقت المهم من الصراع“.

انقسام داخلي وحرب أجنبية

في وقت أعلن السيسي دعمه للحكومة الليبية بقيادة حفتر وجيشها الذي يقاتل حكومة الوفاق، وهذا ما يعني احتمال إرسال القاهرة قوات عسكرية إلى شرق ليبيا، كشفت صحيفة خبر تركالتركية، نقلاً عن مصادر عسكرية، أن أنقرة ستنشئ قاعدة في العاصمة الليبية طرابلس، وقد يتقدم فايز السراج بطلب لإرسال قوات تركية بحلول العشرين من شباط/ فبراير المقبل، ومن الممكن أن يتغير هذا التاريخ حسب التطورات في ليبيا.

وهذا من شأنه إطالة أمد الصراع داخل البلاد، وتحوّل ليبيا إلى حلبة مصارعة عسكرية للقوى الخارجية المتنافرة دبلوماسياً، مع توقع تصاعد التوتر بشكل يشبه ما شهدته سوريا بعد أن انتقل وضعها من محتضن لمعارك الجماعات المسلحة إلى ساحة حروبٍ بين دولٍ وجيوش عسكرية.

كما من شأن ذلك أن يعرقل، حسب مراقبين، الجهود الأممية في توحيد أطراف النزاع الليبي لتأسيس دولة مستقرة وآمنة.

___________