Minbar Libya

بالسلاح والمرتزقة والدعم الاستخباراتي

منذ بدء حملته العسكرية المسماة عملية الكرامةببنغازي في مايو/أيار 2014 تواترت الأدلة عن حصول اللواء المتقاعد خليفة حفتر على أسلحة من الإمارات العربية المتحدة ومصر ودول أخرى رغم الحظر الأممي.

.الجزء الرابع

روسيا.. عودة الرهان القديم

منذ زيارته لحاملة الطائرات الروسية الأدميرال كوزنتسوف في البحر الأبيض المتوسط في يناير/كانون الثاني 2017 ومحادثاته مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو (عبر دائرة تلفزيونية)، بدأ حفتر يستفيد بشكل جلي من الدعم الروسي عسكريا ودبلوماسيا، ووقفت موسكو في مجلس الأمن ضد إدانة عمليته العسكرية بطرابلس.

وفي غضون أسابيع من ذلك الاجتماع، بدأت شحنات قطع الغيار لطائرات ميغوسوخوي” –وهي عماد سلاح الجو الليبي في عهد القذافيوكذلك قطع غيار الدبابات والذخائر المختلفة في التدفق إلى قاعدة الأبرق الجوية (شرق مدينة البيضاء مقر الحكمة المؤقتة التي تدعم حفتر).

كما دعمت موسكو حفتر بالمشورة الفنية، وزودته بالخبراء خارج دائرة حظر التسليح المفروض على ليبيا، وأبرمت معه صفقات سلاح تم معظمها على نحو غير مباشر عن طريق مصر أساسا، وبأسلحة قادمة من روسيا البيضاء أو دول أخرى قريبة من موسكو.

في يوليو/تموز 2018، قالت صحيفة واشنطن تايمز الأميركية إن وكالة الاستخبارات الأميركية تراقب عن كثب الأنشطة العسكرية الروسية في ليبيا بحثا عن مؤشرات بشأن نية موسكو إنشاء قاعدة عسكرية في ليبيا.

وأشارت الصحيفة إلى أن حفتر هو من يدفع باتجاه وجود عسكري روسي في ليبيا، ولا سيما أنه أصبح من الزوار المنتظمين لموسكو منذ عام 2016.

وحسب ما أوردته الصحيفة (عدد 11 يوليو/تموز 2018)، فإن القوات الخاصة الروسية موجودة في شرقي ليبيا منذ مارس/آذار 2017، بما في ذلك شركة آر أس بيللاستشارات العسكرية التي نشرت عشرات من المرتزقة المسلحين في مهمات شرقي ليبيا.

وذكرت واشنطن تايمزأن تقارير إخبارية من ليبيا تشير إلى أن عناصر شركة آر أس بييشاركون في أعمال متفق عليها، ويستكشفون مواقع لقاعدة عسكرية روسية في طبرق أو بنغازي، كما تنشط شركة فاغنر وهي أشهر شركة خدمات عسكرية روسيةفي الشرق الليبي.

وتؤكد مصادر ليبية وجود مساعٍ روسية بطلب من حفترلإنشاء قاعدة عسكرية شرق البلاد، وأشارت تقارير إلى وجود خبراء أسلحة روس في قاعدة جمال عبد الناصر الجوية بطبرق.

في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2019 كشف موقع ميدوزاالروسي عن مقتل 35 من المرتزقة الروس من مليشيا فاغنرالخاصة في غارة جوية نفذها طيران حكومة الوفاق في سبتمبر/ أيلول الماضي قرب العاصمة الليبية طرابلس.

ونقلت صحيفة لوبوانالفرنسية في عددها ليوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 2019 عن الموقع أنّ هؤلاء المرتزقة يقاتلون لمصلحة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، مشيرة إلى أن ألكساندر كوزنتسوف أحد أبرز قادة هذه المليشيا والمعروف باسم راتيبورأصيب بجروح خطيرة أثناء المعارك.

من جهتها كشفت وكالة بلومبرغ الأميركية يوم ‏25‏ ‏سبتمبر/أيلول2019‏ أن أكثر من 100 مرتزق روسي من مجموعة فاغنر التي يرأسها يفغيني بريغوزين المقرب من الرئيس فلاديمير بوتينوصلوا إلى شرق ليبيا لدعم قوات حفتر في محاولاتها للسيطرة على طرابلس وقتل بعضهم قتل أثناء المعارك. وأكدت أن عددهم وصل في سبتمبر/ أيلول الماضي، إلى 1400 جندي، بينهم 25 طيارا.

وتتقاطع هذه الأخبار في التوقيت والمكان مع ما أعلنته حكومة الوفاق يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول عن مقتل ثمانية من المرتزقة الروس من قوات حفتر بمعارك طرابلس. كما نشر قام نشطاء ليبيون في مواقع التواصل الاجتماعي صورا لمستندات وخطط عسكرية مكتوبة بخط اليد، وصور شخصية وهواتف نقالة وبطاقات ائتمان مصرفية تعود لعناصر من شركة فاغنر الروسية قتلوا في المعارك.

وأثار توسع نشاط ميليشيات فاغنرفي ليبيا الولايات المتحدة، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2019 اتهم مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر روسيا بشكل مباشر بنشر قوات بأعداد كبيرة لدعم الجنرال الليبي خليفة حفتر، مشيرا إلى أن روسيا تنشر الآن أفرادا يرتدون الزي الرسمي هناك لحسم معركة طرابلس

وتنفي روسيا الاتهامات الأميركية والتقارير التي تؤكد وجود عناصر فاغنر، لكن المتحدث العسكري باسم قوات حفتر أحمد المسماري أكد في تصريح لوسائل إعلام محلية وجود طاقم أو طاقمين من العسكريين الروس مهمتهم فنية، واستجلبوا لغرض صيانة المعدات والآليات العسكرية فقطعلى حد تعبيره.

وعبر حفتر، تسعى موسكو إلى التعويض عن خسائرها عندما وافقت على القرار الأممي رقم 1973 لسنة 2011 بشأن ليبيا، وإعادة إحياء العديد من المشاريع المعطلة معها، ومن ذلك الاتفاق مع النظام السابق الذي يعود إلى عام 2008 لإقامة قاعدة بحرية روسية في بنغازي.

كيف يصل السلاح إلى حفتر؟

بحكم الحظر الأممي على توريد السلاح لأطراف النزاع في ليبيا يصل السلاح إلى حفتر بطرق ملتوية تلتف على القرارات الدولية، وعبر شركات وعملاء ووسطاء، خاصة في أوروبا الشرقية السابقة، حيث يوجد فائض من السلاح السوفياتي القديم (مولدوفيا، تشيكيا، روسيا البيضاء، بلغاريا)، وتكون الإمارات أو أطراف تابعة لها غالبا اللاعب الرئيسي.

ونظرا لسهولة رصد وتتبع حركة السفن المحملة بالأسلحة وإيقافها بحكم القرار الأممي الذي يسمح بتفتيش السفن قبالة السواحل الليبية، لعبت طائرات الشحن الجوي من طراز إليوشينوأنتونوفدورا كبيرا في إيصال السلاح وحتى الأموال لحفتر وقواته باعتبارها الطريقة الأنجع والأسرع.

ويظهر تحليل صور وبيانات أن طائرة الشحن أيل 18- دي” (IL-18D) التي تحمل رقم “ER-ICS” وتملكها شركة مسجلة في مولدافيا وتستأجرها أخرى إماراتية تواجدت في الفترة بين يونيو/حزيران 2016 ويناير/كانون الثاني 2017 أكثر من مرة في مطارات الزنتان والجفرة ونالوت وبنينا (بنغازي) وقاعدة الخادم الجوية (بنغازي)، وكانت تحمل عتادا وجنودا وأحيانا أموالا كما أظهرت صور متطابقة.

كما تؤكد بيانات وصور للأقمار الصناعية حصلت عليها الجزيرةأن طائرات شحن تسيّر رحلات منتظمة بين مصر والأردن وإسرائيل وشرقي ليبيا، اثنتان منها من طراز إليوشين إي أل 76″، وهي طائرات شحن روسية عملاقة.

تواتر وصول الطائرتين إلى مطار بنينا وقاعدتي الخادم الجوية (بنغازي) والجفرة (جنوبي البلاد) في شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان 2019 (قبيل هجوم حفتر على طرابلس يوم 4 أبريل/نيسان)، لتفريغ شحنات مجهولة يرجح أنها أسلحة، وغالبا ما تقوم معظم الطائرات الواصلة إلى مناطق سيطرة حفتر بإغلاق جهاز التتبع الخاص بها للتعتيم على مسارها ووجهتها.

وتثبت بيانات مواقع الشحن العالمية أن الطائرتين مسجلتان في كزاخستان لشركة أير ألمانياثم شركة سيغما للطيرانالتي تعد شركة ريم ترافلالإماراتية وكيلها التجاري وتمتلك نسبة 49% فيها، وقد ظهرت الطائرتان مرات عدة في مطارات الإمارات وفق مواقع رصد الطائرات العالمية.

ووفق مواقع رصد الطائرات العالمية، هبطت طائرتان عسكريتان من طراز توبوليف تو– 154 أم” (Tupolev Tu-154m) تتبعان القوات الجو فضائية الروسية في قاعدة الخادم يومي 17 و22 أكتوبر/تشرين الأول 2018 قادمتين من الخرطوم، وغادرتا إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية غربي سوريا.

كما أقلعت طائرة نقل من طراز إيل 79 (Il-76) في الرابع من الشهر نفسه من قاعدة حميميم التي تديرها روسيا في محافظة اللاذقية السورية عبر جزيرة كريت القريبة من السواحل الليبية، وأغلقت أجهزة التتبع الخاصة بها، ويرجح أنها وصلت إلى مطار الخادم.

هذا التدفق الكبير في الأسلحة بطرق التفافية وغير مشروعة في القانون الدولي مكن حفتر من اكتساب آلة حربية عززت طموحاته العسكرية والسياسية في ضرب أسس الحل السلمي في ليبيا القائم على اتفاقات دولية، ومحاولة السيطرة على كل الأرضي الليبية.

وتنظر الإمارات ومصر وكذلك فرنسا وروسيا إلى حفتر كمشروع رجل مدجج بالسلاحلتحقيق مصالح جيوسياسية واقتصادية في ليبيا والمنطقة، لكن هذا الرهان يصطدم بالواقع الليبي ورفض مكوناته المختلفة عودة الدكتاتورية العسكرية، وهو الآن في اختبار معركة طرابلس التي يتعثر فيها اللواء المتقاعد بما قد ينسف أهدافه العسكرية والسياسية وطموحات من يراهن عليه.

__________