Minbar Libya

بقلم خليفة حداد

أعلن خليفة حفتر قائد ميليشيات الكرامة ساعة الصفر، للسيطرة على العاصمة طرابلس وإسقاط المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني والقضاء على القوات التابعة له، أكثر من مرة، منذ أبريل المنقضي.

ولكن المعارك ظلت تراوح مكانها في المحاور التي توقفت عندها القوات المهاجمة في الأيام الأولى من العدوان على طرابلس.

لم تكن ساعة الصفر؛ المعلنة منذ أسبوع، استثناء رغم الترويج الإعلامي المكثف الذي رافقها.

وعلى وقع ساعة الصفريتصاعد التدخل الإقليمي والدولي المباشر في ليبيا، ما يجعل الحديث عن مساع للوصول إلى تسويات بين الفرقاء، وتحقيق الاستقرار، حديثا متعاليا عن مجريات الميدان.

أعلن حفتر، في الـ13 من شهر كانون الأول/ ديسمبر الجاري، ما أسماه ساعة الصفرلاقتحام العاصمة طرابلس والسيطرة عليها.

ودعا حفتر، في كلمة بثتها قنوات فضائية ليبية وعربية، المسلحين الموالين له إلى خوض المعركة الحاسمة والتقدم نحو قلب العاصمة، متوعدا القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني بـاقتحام كاسح واسع“.

ورغم أن إعلان ساعة الصفر تكرر أربع مرات منذ إطلاق الهجوم على العاصمة، مطلع أبريل من هذا العام، إلا أن الإعلان الأخير لقي اهتماما إعلاميا كبيرا مصحوبا بترويج أخبار عن تقدم عسكري كبير لقوات حفتر.

فما الدوافع التي تقف أمام تكرر ساعات الصفر؟

وما حقيقة الوضع الميداني حتى الآن؟

وهل الحسم العسكري ممكن في ظل تصاعد حدة صراع المحاور الإقليمية في ليبيا؟

ساعة الصفر: جديدة أم مكررة؟

وصف حفتر، في كلمته التي أعلن فيها ساعة الصفرلاقتحام العاصمة، حكومة الوفاق الوطني بالـالخيانة والجبنوبيع الوطن والتنازل عن السيادة والشرف، في إشارة ضمنية إلى مذكرة التفاهم التركية الليبية حول السيادة على المناطق البحرية التي وقعت في اسطنبول، في الـ27 من تشرين الثاني/ نوفمبر المنقضي.

ووجه حفتر ما وصفه بـنداء أخير لن يتكررإلى أفراد قوات حكومة الوفاق الوطني إلى أن يعودوا إلى رشدهم ويلزموا بيوتهم حرصا على حياتهم ومستقبلهم ورأفة بأهلهم وذويهم، متعهدا بأن قواته منتصرة لا محالة“.

ورغم الجدل الذي أثارته الهيئة التي ظهر عليها حفتر، حيث ذهب بعض المتابعين إلى أن الكلمة مسجلة منذ مدة، فإن الإشارة الضمنية إلى مذكرة التفاهم التركية الليبية ترجح بأن الكلمة سجلت في الأيام الأخيرة.

بمقارنة الكلمة الأخيرة بما سبقها من الكلمات التي توجه بها حفتر إلى قواته، منذ 4 أبريل المنقضي؛ تاريخ إطلاق الهجوم على العاصمة، يتضح تشابها كبيرا في المعجم المستخدم وفي الرسائل الموجهة إلى أفراد قواته وإلى أفراد قوات حكومة الوفاق الوطني.

فعلى مستوى المعجم تكرر استخدام مصطلح ساعة الصفروالمعركة الحاسمة، كما تكرر وصم الجهة المقابلة بـالإرهابوالخيانةوالعمالة، مقابل نعت المسلحين الموالين له بـالأبطال، ووصف الأعمال العسكرية المطلوب تنفيذها للسيطرة على العاصمة بـالتحرير“.

أما على مستوى الرسائل الموجهة، فقد تكررت دعوة قواته إلى التقدموالاقتحاموفك أسر العاصمةواحترام القانون الدولي الإنساني، مقابل دعوة أفراد قوات حكومة الوفاق إلى أن يلزموا بيوتهم ويعودوا إلى رشدهم“.

وعليه، لا يبدو الأمر جديدا من هذه الزاوية. فهل اختلفت معطيات الميدان عن المواعيد السابقة حتى تكتسب ساعة الصفرالأخيرة جدية تجعل المتابع يتوقع انقلاب المشهد في العاصمة طرابلس، وحسم المعركة التي تراوح مكانها منذ تسعة أشهر؟

بعد أيام قليلة من إعلان حفتر ساعة الصفر الأولىبغرض السيطرة على العاصمة طربلس، مطلع أبريل من هذا العام، تمكنت القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني من تثبيت محاور الاشتباك على التخوم الجنوبية للعاصمة.

وتحولت المعركة إلى عملية مراوحة واستنزاف وكر وفر، لم يحقق فيها أي من الطرفين تقدما ميدانيا مهمّا يذكر، باستثناء استعادة مدينة غريان في هجوم سريع شنته قوات حكومة الوفاق في الـ26 من يونيو المنقضي.

ورغم المحاولات المتكررة التي بذلتها قوات حفتر في محاور وادي الربيع وعين زارة والمطار وقصر بن غشير، وغيرها، للتقدم باتجاه العاصمة، فقد باءت بالفشل، ولم تستطع التحرك سوى لمسافات لا تكاد تذكر؛ وتحسب ببضع عشرات من الأمتار؛ وهو الأمر نفسه بالنسبة لقوات حكومة الوفاق الوطني.

حاولت قوات حفتر، خلال الأشهر الأخيرة، كسر حالة المراوحة والجمود على المحاور الجنوبية للعاصمة، بتكثيف الضربات الجوية والمدفعية والصاروخية التي استهدفت معسكرات ومنشآت مدنية وخدمية وأحياء سكنية، وأدت إلى إحداث دمار واسع ونزوح كبير للمدنيين، وإلحاق أضرار بالغة بالمنشآت؛ على غرار مطار معيتيقة.

كما حاولت تشتيت مجهود مقاتلي قوات الوفاق وفتح جبهات جديدة باستهداف مدن مصراتة والزاوية وزوارة وسرت، غير أن ذلك لم يفتح ثغرات من شأنها تمهيد الطريق إلى وسط العاصمة وإحداث انقلاب في المشهد العسكري والسياسي وحسم المعركة.

وفي السياق ذاته، تواترت الأنباء عن انضمام أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب إلى قوات حفتر وانخراطها في الأعمال القتالية في محاور جنوب العاصمة.

وهو الأمر الذي اعترف الناطق الرسمي باسم قوات حفتر؛ أحمد المسماري، ببعض تفاصيله، فيما أوردت وسائل إعلام؛ غربية وعربية، تقارير متواترة؛ أكثر تفصيلا، عن أعداد كبيرة من المرتزقة الروس؛ المدربين تدريبا عاليا، ومسلحي الجنجويد السودانيين، والخبراء المصريين والإماراتيين والفرنسيين؛ الذين يوفرون الدعم لقوات الكرامةويشاركون في الأعمال القتالية.

وفي هذا السياق، أفادت مصادر من حكومة الوفاق أن قاعدتي الوطية؛ الواقعة جنوب غرب طرابلس، والجفرة؛ القريبة من مدينة هون، تحولتا إلى غرفة عمليات رئيسية لمسلحي شركة فاغنرالروسية.

ويعتقد أن أغلب الطائرات التي تقصف مواقع بطرابلس والمنطقة الغربية، بما فيها الطائرة التي أسقطت، منذ أيام، فوق مدينة الزاوية، وأسر قائدها، تنطلق من قاعدة الوطية.

لاشك أن مواظبة الحلفاء الإقليميين لحفتر على تزويد قواته بشحنات من الأسلحة والذخائر والآليات المتطورة، إضافة إلى تقديم المساعدات الاستشارية، وصولا إلى تأمين أعداد كبيرة من المقاتلين المدربين تدريبا عاليا، عوامل من شأنها، مبدئيا، إحداث تفوق ميداني لصالحه يصعب الجزم بمداه ومآلاته.

كما يصعب استقراء مدى استعداد الحلفاء الإقليميين لمواصلة ضخ المساعدات دون تحقيق نتائج تحسم الموقف لصالحه حسما جذريا.

وتذهب الكثير من المؤشرات بعد إعلان ساعة الصفرإلى أن حظوظها لن تكون مختلفة عن سابقاتها.

فبعد أكثر من أسبوع من الأمر الصادر لقوات حفتر بالتقدم إلى وسط العاصمة، لازالت محاور القتال تراوح مكانها، فيما تمكنت قوات الوفاق من صد هجمات وتحقيق مكاسب طفيفة في البعض منها، كما انخفضت وتيرة القصف الجوي، نسبيا، بعد ظهور أسلحة جديدة لدى تشكيلات الدفاع الجوي بقوات الوفاق.

توسع الصراع الإقليمي، وحظوظ التوازن

في الجهة المقابلة، تبدو حكومة الوفاق الوطني؛ المعترف بها دوليا، عاجزة، هي الأخرى، حتى الآن، على دفع المهاجمين بعيدا عن التخوم الجنوبية للعاصمة، وقاصرة عن تأمين مواقعها العسكرية ومنشآتها المدنية والخدمية.

ويذهب بعض معارضي المجلس الرئاسي من المحسوبين على صف ثوار 17 فبراير إلى أن السياسة التي انتهجها المجلس الرئاسي ورئيسه فايز السراج، منذ توقيع اتفاق الصخيرات، هي التي مهدت الطريق لحفتر للمتدد إلى الهلال النفطي والجفرة والجنوب، وصولا إلى مهاجمة العاصمة.

ويضيف البعض أن السراج تحاشى، طيلة هذه الفترة، الاعتراض على أي خطوة خطاها حفتر، ووفر له فرصة تسويق نفسه رقما أساسيا في المعادلة الليبية، من خلال اللقاءات التي عقدها معه في أبوظبي والقاهرة وباليرمو وباريس.

ويبدو المجلس الرئاسي، اليوم، بما فيه السراج شخصيا، في مواجهة تحد وجودي بعد إعلان حفتر، في أكثر من مناسبة، منذ إطلاق الهجوم على العاصمة، أن حربه تستهدف طي صفحة اتفاق الصخيرات وإلغاء الأجسام السياسية والمؤسساتية المنبثقة عنه، وتطهير العاصمة مما يسميه المجاميع الإرهابية، في إشارة إلى القوات التابعة لحكومة الوفاق.

ولمواجهة هذا التحدي، انطلق السراج، منذ بداية الهجوم، في البحث عن حلفاء إقليميين لمواجهة تكتل القوى الإقليمية خلف حفتر ورفده بالأسلحة والآليات والدعم الاستخباري والاستشاري، حيث توجه إلى اسطنبول، في أكثر من مناسبة، وتلقى وعودا بالمساعدة؛ تم تفعيلها فيما بعد بإرسال دفعات من المدرعات والأسلحة.

وبلغ التعاون بين الطرفين أوجه بتوقيع مذكرة تفاهم بشأن السيادة على المناطق البحرية ومذكرة تفاهم أمني.

قوبل توقيع مذكرة التفاهم التركية الليبية برفض واسع من طرف المعسكر الموالي لحفتر داخليا، ومن دول إقليمية مطلة على شرق المتوسط، على رأسها مصر واليونان وإسرائيل وقبرص.

وفي هذا السياق، شكك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في شرعية المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، مؤكدا أنه لا يمتلك الصلاحيات التي تخوله توقيع معاهدات باسم ليبيا مع أطراف خارجية، وأنه أسير الميليشيات الإرهابية“.

ورد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن بلاده ستحمي حقوق ليبيا وتركيا في شرق المتوسط، مجددا الاستعداد لتقديم الدعم العسكري اللازم لحكومة الوفاق الوطني في حال طلبت ذلك.

يتزامن التجاذب الإقليمي الذي أعقب توقيع مذكرة التفاهم التركية الليبية مع تصاعد التدخل الخارجي المباشر في المعارك الدائرة على الأطراف الجنوبية للعاصمة.

ومن شأن مضي أنقرة في تهديداتها بالدخول طرفا مباشرا في الصراع إلى جانب حلفائها في حكومة الوفاق، أن يؤدي إلى قدر من توازن القوى، ورفع تجاذب المحاور إلى درجات قصوى.

غير أن توازن القوى، في مثل هذه الحال، لا يعني، ضرورة، تراجع حدة العمليات العسكرية، إذ تذهب أغلب المؤشرات الموضوعية إلى أن الاستقرار في ليبيا مازال بعيدا، خاصة في ظل إصرار حفتر على رفض أي تسويات مع الأطراف الأخرى، وفي ظل إعلان معظم مدن المنطقتين الوسطى والغربية، حالة الاستنفار العام، لكسر حالة المراوحة والجمود التي تشهدها محاور جنوب العاصمة.

خاتمة

بعد مرور أسبوع من إعلان خليفة حفتر ساعة صفرجديدة للسيطرة على طرابلس وإسقاط المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني والقضاء على الأجسام السياسية والقوات العسكرية الموالية له، مازالت قواته تراوح مكانها في التخوم الجنوبية للعاصمة دون تسجيل أي تقدم يذكر.

وفي أثناء ذلك يتصاعد الصراع الإقليمي والتدخل الأجنبي المباشر في الساحة الليبية، ما يدفع إلى توقع مزيد من التعقيدات السياسية والعسكرية في قادم الأيام.

***

خليفة حداد ـ باحث تونسي في الشأن الليبي

___________