Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

يتساءل الرأي العام التونسي عن حقيقة الأوضاع في ليبيا ومدى حقيقة ما يُقال وما يُنشر هنا وهناك وقصة التضخيم في هذا الاتجاه وتغييب مُعطيات في اتجاهات أخرى.

نُحاول في هذا التقرير الخبري والتحليلي رصد آخر التطورات الميدانية والتذكير بمجمل التطورات خلال الأسابيع الماضية وطبيعة الصراع والمسارات التي تسير وفقا الأزمة الليبية إضافة الى بسط الخلاصات الرئيسية لفهم آفاق ومآلات الأوضاع في بلد عمر المختار…

ملاحظات رئيسية لفهم ما يحدث في ليبيا قبل فهم آخر التطورات الميدانية

أولا: مما لا شك فيه أن الصراع في ليبيا ما هو عمليا إلا حرب بالوكالة بين أطراف محلية ليبية تُوسم بانها ضيقة الأفق الاستراتيجي باعتبار أنها مُشغلة عمليا من طرف أذرع إقليمية خادمة بدورها لقوى دولية وهذه الأخيرة هدفها الرئيسي ماضيا وحاصرا مستقبلا هو نهب ثروات ليبيا الهائلة والنادرة والمرور بيُسر للعمق الافريقي.

ثانيا: لا شك أن فهم ما يجري ميدانيا، يتطلب عمليا الإلمام أن هناك صراع عسكري ميداني في ليبيا كأحد مسارات الصراع، ذلك أن هناك مسارين آخرين وهما المسار السياسي حول تشكيل حكومة وحدة وطنية يقال أن مؤتمر برلين وصفها بـ”الخط الثالث” عبر إبعاد الوجوه الجدلية من الساحة، بينما المسار الثالث هو المسار الدستوري أي بناء على أي أسس دستورية سيتم الخروج من المرحلة الانتقالية الأخيرة في بلد قام أهله بثورة منذ فبراير 2011؟.

ثالثا: الصراع عسكريا وميدانيا هو تواصل للصراعات التي بدأت منذ فبراير 2014 أي تاريخ اعلان أسير الحرب السابق والعسكري المتقاعد “خليفة بلقاسم حفتر” بإعلان انقلابه الأبيض، والذي وُسم يومها بـانقلاب تلفزيوني.

وعمليا بُني الصراع في ليبيا كنتاج لصراع اقليمي احتدم خلال تلك الفترة في المنطقة بعد سُقوط حكم الرئيس “محمد مرسي” في مصر في 03-07-2013، بما يعني أن محور عربي يُريد مواصلة منطق حرق ثورات الربيع العربي مقابل محور ثان يريد دعم الانتقال الديمقراطي بغض النظر عن وجود مصالح اقتصادية واستراتيجية لكلا المحورين (محور مصري – اماراتي مقابل محور قطريتركي).

رابعا: ميدانيا تُقاتل قوات الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” والموسومة بقوات “الكرامة” ضد قوات حكومة الوفاق وهذه الأخيرة تُوسم نفسها بقوات “بركان الغضب”، وعمليا ترفع الأولى لواء “محاربة الإرهاب”، بينما تُؤكد الثانية أنها تدافع عن مدنية الدولة الليبية متهمة الأولى بأنها ساعية لإنتاج منظومة نظام القذافي” أو بالعمل على استنساخ “سيسيليبيا” …

خامسا:  تفاقم الصراع عمليا منذ صائفة 2015 بعد رفض “حفتر” وحلفائه مُصادقة مجلس النواب يومها على حكومة السراج والتي بقيت شرعية نتاج اعتراف المجتمع الدولي بها وبناء على أنها نتجت على حوار وتحديدا على “اتفاق الصخيرات”.

وتحول الصراع عمليا الى صراع دام بناء على دعم مصري واماراتي وسعودي قوي لحفتر لا سياسيا فقط بل بالعتاد والأموال ودعم شركات العلاقات العامة في الغرب بتمويل اماراتي أكثر من سخي.

سادسا: بعد دخول “الجزائر” في وضع داخلي وأزمة سياسية منذ فبراير الماضي، استغل حفتر وحلفاؤه ذلك ليذهب للجنوب ويعقد اتفاقات قبلية مع شركاء قبليين ضد قبائل ومدن أخرى، ثم وظف استقالة بوتفليقة وتخاذل حكومة الوفاق في تقدير مآلات ما بعد فشل أبو ظبي.

واعتزمت قوات حفتر القدوم للعاصمة لمحاولة السيطرة عليها بعد السيطرة على مدينة غريان يوم 4 ابريل الماضي ليفشل في دخولها في الأخير في أكثر من ست مناسبات رغم الضوء الأخضر الإقليمي والاصفر الغربي، حيث حاول في 6 ابريل ثم 21 ابريل ثم 20 رمضان (15مايو) ثم 18 يونيو (كان سيستقبل من حيث ترتيبه من طرف ترامب وهو منتصر) ثم 9 أغسطس ( ذكرى تأسيس الجيش الليبي) بعد أن خسر مدينة غريان الاستراتيجية يوم 27-06-2019 ثم حاول أيام عيد الأضحى.

سابعا: تلك الفرص والمناسبات أعطيت لحفتر من طرف حلفائه المحليين والدوليين، ورغم الفشل المتكرر، حاول خلال الأسابيع الماضية قبل جولتي مؤتمر برلين الخاصة بالخبراء، ولكن بدون نتيجة رغم استنجاده بسودانيين وتشاديين ثم بالمرتزقة الروس منذ منتصف سبتمبر الماضي.

ورغم الدعم الجوي المصري والإماراتي غير المسبوق فقد فشل ولم يستطع ان يحرز أي تقدم يُذكر.

حقيقة الأوضاع العكسرية خلال آخر أسبوع في ديسمبر 2019

أ: على عكس ما يروجه اعلام “السيسي” وبعض أبواق أردنية وتونسية وأماراتية، فإنه لا صحة للأخبار المتداولة حول دخول قوات حفتر لمعسكر “النقلية”، بل أن الثابت هو أن المعسكر بالكامل تحت سيطرة قوات البركان الغضب، وهو ما اثبتته الصفحات الاجتماعية عبر صور وفيديوهات نشرت عشية اليوم الجمع.

ب عمليا نفى مصدر عسكري تم التواصل معه من طرف اعلاميين تونسيين، الأخبار المتداولة حول سيطرة قوات حفتر على منطقة “الأصفاح” وأكد المصدر الليبي أن تلك المنطقة هي بالكامل تحت سيطرة “قوات بركان الغضب” (أي قوات الوفاق)، إضافة الى سيطرتها أي قوات الوفاق على المنطقة المحيطة والقريبة من “مسجد صلاح الدين” (القريب من كوبري المطار وطريق المطار.

وأشار نفس المصدر إلى أن مرتزقة “فاغنر” الروس حاولت الالتفاف على قوات بركان الغضب بشارع “المطبات” فقامت بالتسلل من طرق زراعية تجاه خزانات النفط وما إن تم رصدهم قامت كتيبة “الحلبوص” بالتعامل معهم ورجعوا مندحرين تجاه “الخلاطات”.

ت أكد نفس المصدر العسكري السابق أن قوات “بركان الغضب” قد تمكنت بالقرب من معسكر “حمزة” من تدمير 3 أليات ودبابة بالكورنيث وقتل آمر الدبابات والمدفعية بقوات الكتيبة 106 التابعة لقوات حفتر.

ث أما فيما يتعلق بمعسكر “التكبالي للتدريب” و”صيدلية موسى” فهي أيضًا حسب مصدر عسكري ثان هي عمليا تحت سيطرة قوات بركان الغضب، وقالت نفس المصادر أن القول بأن قوات “حفتر” هي حاليا بمنطقة السدرة ما هو إلا مٌجرد هرطقات وهمية.

وأشار نفس المصدر إلى هروب قوات حفتر التي حاولت الاقتراب من مدينة “الزاوية” وتم قنص آمر القوة المهاجمة وهو متواجد بالعناية حاليا، هذا وأسرت قوات بركان الغضب 13 عنصرا من مسلحي حفتر في عدد من محاور القتال، وقام سلاح الجو لبركان الغضب بقصف تمركزات مسلحي حفتر في محور اليرموك والمطار.

خلاصات حول الأوضاع العسكرية والميدانية وآفاق تطورها

أ الثابت أن “قوات حفتر” ورغم تقدمها خلال الأيام الماضية عما كانت عليه من حيث تموقعاتها السابقة قبل أسبوع، فإنها عجزت طوال التسع الأشهر الماضية في المضي في تحقيق أي هدف رئيسي وبغض النظر عن الحيثيات والتفاصيل، فان السيطرة على وسط العاصمة أصبحت حلما بعيد المنال خاصة في ظل المعادلات الجديدة على غرار التفاهمات التركية الروسية الجارية واتفاق خبراء برلين على اغلب النقاط الـ53 التي تم طرحها، كما لا يمكن تغييب الوضع الصحي لحفتر والصراع على خلافته بين أبنائه من جهة وبين المقربين منه عسكرية واستشاريا من جهة ثانية.

ب أن ما أنجزته قوات حفتر من تقدم عملي بداية الأسبوع ومثل عمليا خطورة فعلية أي في الاقتراب العملي من وسط وقلب العاصمة، قد تم احباطه منذ مساء الأربعاء 25 ديسمبر بعد أن كانت الخطورة محدقة فعلا بالعاصمة إثر تقدم كبير للمرتزقة الروس وتزايد أعدادهم خلال الأسبوع الماضي وتدعيم قوات حفتر بمرتزقة سودانيين ومقاتلين مصريين من “أولاد عليالمصريين.

ت أن كل تقدمات قوات حفتر كان مبنية على قصف الطيران الاماراتي وخبرة المرتزقة الروس مما أحدث تقدما في محور “صلاح الدين” وهو التقدم الذي تم احباطه خلال يومين بعد وصول دعم قوي وغير عادي لقوات الوفاق من مدينتي “الزاوية” و”مصراتة”.

وعمليا بات حفتر عاجزا عن فتح جبهات جديدة لا في سرت ولا في الزاوية ولا في المعابر الحدودية مع تونس رغم خطف قوات حفتر لقيادي عسكري أمازيغي في الجنوب الليبي .

ث هناك خطة إعلامية كبيرة بعقلية استخباراتية في القنوات ووسائل الاعلام المصرية والاماراتية وحتى التونسية أيضا وخاصة تلك المصطفة مع الثورات المضادة وهي خطة داعمة لحفتر عبر غرف عمليات الكترونية وإعلامية تنشر الأكاذيب وتُروج للشائعات وتتحدث عن تدخل أجنبي لصالح الوفاق بينما نسيت تلك القنوات والمواقع والصفحات واليوميات أن هُناك مُقاتلين مصريين واماراتيين وسودانيين وتشاديين ومن النيجر، والسؤال “هل هؤلاء ليبيون أم أجانب؟”.

ج الثابت أن هناك تغاض عن طبيعة الأوضاع الاجتماعية في الشرق الليبي وأيضا يتم تغييب الاعتقالات في الشرق الليبي وعملية المُداهمات التي يقوم بها المجرم “محمود الورفلي” وأبناء حفتر حتى لمناصرين سابقين لحفتر ولعملية الكرامة.

ح هناك ثلاث تواريخ مهمة جدا خلال المرحلة المقبلة وهي:

8 يناير (القمة الروسيةالتركية حول ليبيا)

30 يناير (مؤتمر برلين على مستوى القادة بحضور 5 زائد 5 مع إمكانية حضور تونس والجزائر ورما المغرب كملاحظين)

15 فبراير، وهو لمناقشة خطة سلامة ومقترحات المنظمة الأممية وتقييم عملها في ليبيا، وما ينتج عن مؤتمر برلين وربما سيتم مناقشة ذهاب سلامة من عدمه.

خ ستحمل الأيام القادمة مفاجآت كبرى في ليبيا في كل الاتجاهات وفي كل الحالات يبقى الامر قابلا لكل الخيارات ولكن الأمور تنحصر في ثلاث سيناريوهات ممكنة وهي:

السيناريو الأول: تواصل الكر والفر والحرب الباردة والمعارك الإعلامية بين طرفي الصراع

السيناريو الثاني: وهو تطور الأمور الى حرب إقليمية (مصر ضد تركيا كمثال للذكر لا الحصر)، وذلك بهدف حسم الأمور لصالح أحد الوكلاء المحليين، ومعلوم أن هناك خلافات كبيرة داخل المحور السعودي/المصري/الاماراتي ثنائية في الاتجاهات الثلاث.

السيناريو الثالث: وهو تمكن الأطراف الإقليمية والدولية من داخل برلين أو من خارجه التوصل لبناء عملية سياسية عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية يقبل بها طرفي الصراع، والمشكل في هذه الحالية هو في التفاصيل.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

_____________

المصدر: موقع باب نات