Minbar Libya

تدخُّلها سيقلب الموازين بليبيا؟

هل تدعم الجزائر حكومة الوفاق عسكرياً؟ وهل ينضم الجيش الجزائري إلى العملية العسكرية التركية المحتملة في ليبيا؟

الجزء الثاني

 حساسية مصر وانتخابات الإمارات تفرض أيضاً دعم «الوفاق»

على الرغم من تحسُّن العلاقات الدبلوماسية الجزائريةالمصرية في السنوات الأخيرة، فإن الحساسية بين البلدين لا تزال قائمة، فكلا البلدين يتنافس على زعامة شمال إفريقيا وليبيا التي تقع بين مشرق ومغرب عربيَّين، ساحة طبيعية لهذا التنافس.

«فالملف الليبي يعد الفيصل في هذه الزعامة بين البلدين، خاصة في ضوء أنَّ تحرُّك السلطات المصرية لتسليح حفتر أصبح شبه معلن، بتمويل إماراتي وبمباركة سعودية»، بحسب إسماعيل لامع.

ويضيف لامع: «كل ما سبق يجعل من الطبيعي أن تكون الجزائر الداعم الأكبر لحكومة الوفاق الشرعية، في مواجهة رغبة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في فرض زعامته على شمال إفريقيا، وعملاً كذلك بالعرف الجزائري التاريخي بدعم  الحكومات الشرعية المعترف بها دولياً».

وهو ما يذهب إليه الإعلامي الجزائري خير الدين روبة، الذي قال لـ «عربي بوست»: «إن الدور الجزائري في ليبيا سيكون قوياً هذه المرَّة، وسيسعى إلى كسر الهيمنة المصرية على الملف الليبي، ودعم حكومة الوفاق الشرعية».

المحلل السياسي مراد سراي يعود إلى الحراك الجزائري قبيل إجراء انتخابات 12 ديسمبر/كانون الأول 2019، عندما رفع شعارات وهتافات ترفض إجراء ما وُصف بانتخابات الإمارات، في إشارة إلى علاقة محتملة بين قائد الأركان الراحل قايد صالح والإمارات.

ويقول «سراي»: «ومن ثم أي تحرُّك جزائري معاكس لدعم حكومة الوفاق سيكون وقعه لدى الجزائريين سيئاً، وسيبدو خدمةً للأجندة الإماراتية في ليبيا، التي تدعم المشير خليفة حفتر، الذي يريد السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس».

«الجيش الجزائري لم يعد كما كان».. وهذا هو شكل تدخُّله المحتمل في ليبيا

المتغيرات الطارئة في الداخل الجزائري، بانتخاب رئيس جديد للبلاد وتعيين قائد جديد لأركان الجيش، بعد حراكٍ دامَ 11 شهراً كاملاً، سيكون لها تأثير واضح على استراتيجية الجزائر سياسياً وعسكرياً.

ويرى المحلل الأمني الجزائري باقي بن سلام، أن الجيش الجزائري سيلعب دوراً في الميدان الليبي، لأن الأوضاع هناك تختلف تماماً عما كانت عليه من قبل، بعد تدخُّل صريح من الإمارات ومصر بدعم قوات حفتر، وكذا التحرك التركي عسكرياً نحو ليبيا لدعم «الوفاق».

ويستبعد «بن سلام» إعلان الجزائر الدعم العسكري، أو التدخل ميدانياً في ليبيا بشكل صريح، لكنها لن تختفي عن المشهد في الميدان، لأن الفوضى وسقوط ليبيا تهديد مباشر للجزائر، حسبما قال  لـ «عربي بوست».

ويرى الإعلامي الجزائري خير الدين روبة، أن «الجيش الجزائري سيخرج من سُباته ويلعب دوره الإقليمي حتى وان لم يتدخل بصفة مباشرة خارج الحدود، بدليل اجتماع المجلس الأعلى للأمن مؤخراً والذي فيه رسائل ودلالات قوية بأن الجزائر حاضرة؛ بل عائدة بقوة لتلعب دورها كدولة كبرى ومحورية في المنطقة».

وفي هذه النقطة يقول الناشط والسياسي عبدالحليم العيدودي: «أعتقد أن دور الجيش الجزائري في ليبيا سيكون ميدانياً بحكم الجوار».

«لا، هناك سيناريو مختلف».. الجزائر لن تتدخل عسكرياً وستلجأ إلى خيار آخر

في المقابل، يستبعد بعض المتابعين أن يكون للجزائر أو بالأحرى الجيش الجزائريدور  في الميدان الليبي، باعتبار أن الجزائر تدعم الحل الليبيالليبي للأزمة، وتعتبر القضية سيادة ليبية.

ومهما بلغت درجة التطورات الميدانية بليبيا في نظر الإعلامي الجزائري عبدالنور جحنين، فإن الجزائر ستبقى بصف الدول الراغبة في إيجاد حل دبلوماسي سياسي بليبيا، عملاً بمبدأ أن الجزائر لا تتدخل في شؤون الدول.

ويقول جحنين لـ «عربي بوست»: «الجزائر تدعم الاستقرار في ليبيا، وكانت تدعو إلى الحوار بين الفرقاء، ولا تزال ولن تتغير طبيعة الدبلوماسية المعهودة الرافضة لأي تدخُّل أجنبي، باعتبار أن العقيدة السياسية والعسكرية الجزائرية لن تغير موقفها باحترام سيادة الدول والثبات على الخيارات السلمية».

وفي المنحى نفسه يقول الإعلامي التونسي عائد عميرة، لـ «عربي بوست»: «من الصعب جداً أن نشاهد دعماً تونسياًجزائرياً مباشراً في ليبيا، لعدة أسباب.

منها أن ميثاق الجيش الجزائري مثلاً يمنعه من العمل خارج البلاد مهما كانت مبررات ذلك، كما أن الجيش التونسي لم يسبق أن شارك في أي حرب خارجية باستثناء مشاركته ضمن البعثات الأممية، ويُستبعد أن يشارك في حرب قادمة».

«حتى الدعم العسكري غير المباشر يصعب حدوثه»، حسب عميرة.

لكنه يستدرك قائلاً: «يمكن أن نرى دعماً دبلوماسياً، وذلك من خلال تأكيد البلدين دعمهما حكومة الوفاق الوطني التي يقودها السراج، واحتضان الاجتماعات واللقاءات الداعمة لها».

هذا الأمر يتطلب وجود الجزائر وتونس في لقاء برلين، فلا يُعقل أن يجتمع الغرب لبحث حلول لأزمة ليبيا دون أن يحضر الجانبان التونسي والجزائري، فللبلدَين أهمية كبرى لإيجاد حل سلمي لليبيا، حسب عميرة.

ويقول عميرة إنَّ «دعم الجزائر وتونس لحكومة الوفاق في وجه حفتر من شأنه أن يعطي دفعاً كبيراً لقوات الوفاق التي تقاتل للدفاع عن العاصمة طرابلس، فكما تحتاج حكومة الوفاق دعماً عسكرياً، فهي تحتاج أيضاً دعماً دبلوماسياً».

تجدر الإشارة إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، طالب بمشاركة الجزائر وتونس وقطر في مؤتمر برلين المزمع عقده، لإيجاد حل للأزمة الليبية

هذا هو موقف الجزائر من التدخل التركي

يعتبر المحلل السياسي الجزائري مراد سراي، أن الجزائر وبحكم مبادئها القائمة على احترام الشرعية والسيادة الداخلية للدول، لا يمكنها أيضاً أن تتدخل في دول الجوار، وترى ذلك شأناً يعني تلك الدول.

 «وبما أن الجزائر قالت مراراً وتكراراً، إنها مع سلطة الوفاق الوطني في ليبيا، وهي المُمثِّل الأوحد للشعب الليبي، ومعترف بها أممياًفإنها لن تعارض أي صفقة، أو تعاون بين حكومة الوفاق وأي دولة كانت»، حسب «سراي».

 وهو ما يؤكده أيضاً الناشط والسياسي عبدالحليم العيدودي، الذي قال لـ «عربي بوست»: «الاتفاق الليبيالتركي شأن ليبي داخلي، ولا يمكن أن تعارض الجزائر أو أي دولة ذلك، لأن ما قامت به (الوفاق) في ليبيا جاء من حكومة اعترفت بها هيئة الأمم المتحدة كمتحدث شرعي باسم ليبيا».

ولهذا فإن الجزائر لا يمكنها التدخل في هذا الاتفاق والصفقة، رغم أن الأهداف متباينة، فتركيا تبحث عن الغاز والبترول والهيمنة الاقتصادية، والجزائر تبحث عن أمنها وأمن الشعب الليبي، حسب العيدودي.

 لكن «هل استشارت أنقرة الجزائر قبل التدخل»؟

ترجّح الآراء أن الوضع الطبيعي أن تركيا قد تكون استشارت الجزائر بشأن مسألة تدخُّلها العسكري المحتمل في ليبيا؛ نظراً إلى حجم العلاقات بين البلدين، وبحكم الجوار مع ليبيا ودور الجزائر الكبير هناك.

ويرى الإعلامي الجزائري خير الدين روبة أن «تركيا لا يمكنها التدخل في ليبيا دون المرور على الجارة الكبرى الجزائر، لأن أنقرة تدرك أهمية قبول الجزائر مثل هذه الخطوة».

ولا يستبعد روبة «وجود تواصل مستمر بين أردوغان والرئيس الجزائري الجديد عبدالمجيد تبون؛ لبحث الأوضاع بليبيا، رغم أن الأمور لم تخرج إلى العلن، عكس ما حدث في تونس عبر زيارة رسمية لأردوغان».

وفي هذا الشأن يقول المحلل السياسي مراد سراي لـ «عربي بوست»: «الكل يعلم أن العلاقات التركيةالجزائرية تحسَّنت كثيراً مؤخراً، حيث وصلت المبادلات التجارية بين البلدين إلى 4مليارات دولار سنوياً».

وأردف «سراي» قائلاً: «كما أن تركيا والجزائر مؤخراً تحملان عداءً مشتركاً ضد سياسة فرنسا الحالية، التي تقاتل إلى جانب قوات حفتر؛ ومن ثم فمشاورات الشأن الليبي بين الطرفين تكون قد تمت ولو بشكل غير معلن».

ولا يستبعد كل من روبة خير الدين ومراد سراي، الاتفاق على لقاء قريب بين الرئيسين التركي والجزائري.

_____________