Minbar Libya

بقلم المبروك الهريش

لم يشهد الرأي العام التركي والروسي حديثا عن الأزمة في ليبيا كهذه الأيام. فخلال مطالعتي الأيام الفائتة لعناوين أبرز الصحف والمواقع التركية “يني شفق، صباح، ستار، ميلليت”، كان الملف الليبي هو الفائز بالخط العريض على الصفحة الأولى لهذه الصحف،

الأمر لا يختلف كثيرا عن روسيا، فالأيام الماضية كانت (سبوتنيك) مليئة بتصريحات المسؤولين الروس عن تطورات الوضع الليبي وسبل الوصول إلى حل للأزمة.

بلا شك، فإن هذا التعاطي الإعلامي المكثف بشأن ليبيا يعكس اهتماما سياسيا لم يتوقف عند الحكومتين ووزيري الخارجية فحسب، بل كان على مستوى الرؤساء بعد أن ظلت تصريحات البلدين تتراوح بين المطالبات بالحل السياسي والقلق من تصاعد العنف، أو في أحسن الأحوال المشاركة كـ”صف ثان” في أي اجتماعات حول ليبيا.

لكن السؤال – وموقف البلدين قد تغير، هل يسهم هذا التغير في الدفع بحل القضية الليبية؟ أم أن الأزمة ستزداد تعقيدا؟

قبل الإجابة عن السؤال، يجدر التنبيه إلى اختلاف دوافع البلدين إلى هذا التغير، ففي حين أخذ الموقف التركي في التطور بعد أن تعاملت الحكومة الليبية المعترف بها دوليا بشكل جدي مع الحكومة التركية، كذلك المصالح التي سيجنيها الأتراك في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية ما سيمنحهم مجالا للتنقيب عن غاز شرق المتوسط دون الإضرار بالمصالح الليبية، بعد اكتشاف احتياطات كبيرة من الغاز والبترول في المنطقة التي أصبحت ذات أهمية جيوسياسية.

أما الموقف الروسي فيأتي للضغط على الولايات المتحدة في عديد من الملفات أبرزها الملف السوري، ودخول روسيا على خط الأزمة الليبية يأتي للمقايضة أكثر من أي أمر آخر، ولا يضير بعدها من تحقيق بعض المكاسب خاصة الاقتصادية التي ستجعل لها موطئ قدم في المياه الدافئة في حوض المتوسط.

يتزامن هذا الاهتمام الروسي التركي بالقضية الليبية مع إهمال أوروبي واضح وفاضح، وفي أحايين قليلة تدخل سلبي يدعم طرف على طرف؛ تذكية للصراع وتعقيدا للأزمة.

يتجلى ذلك في فرنسا وإيطاليا، فالدولتان تظهران اعترافا بحكومة الوفاق وتدعوان إلى الحل السياسي، وتبطنان صراعا اقتصاديا على حصة شركات النفط لكل منهما؛ ما جعل فرنسا تزيد من دعمها لحفتر فيما لم تقدم إيطاليا دعما يذكر للوفاق.

الصراع الفرنسي الإيطالي على الكعكة الليبية لم يسهم في تعقيد الأزمة الليبية فحسب، بل ألقى بظلاله على الاتحاد الأوروبي وخلق توترا داخله مع ما يعانيه من تصدع، ودخول ألمانيا على خط الأزمة الليبية من خلال دعوتها لمؤتمر برلين حول ليبيا يأتي لتخفيف الصراع بين فرنسا وإيطاليا أكثر من الرغبة في حل الأزمة في ليبيا.

كل هذا الحراك الأوروبي لم يسهم في حل الأزمة الليبية، بل ربما زادها تعقيدا، ورغم إرهاصات التفاهم الليبي التركي والتوقعات بدخول قوي لأنقرة في الملف الليبي، فإن هذا الموقف كان مفاجئا للأوروبيين بخلافاتهم؛

وهو ما جعلهم يتعجّلون الحل السياسي وجعل من وزراء خارجياتهم يعتزمون الحج إلى طرابلس محاولين إغراء السراج بالتراجع عن طلب الدعم التركي، ومتوقع أن تكثف الدول الأوربية حراكها لتسريع الحل السياسي وزيادة الزخم لمؤتمر برلين المنتظر؛

وهو ما سيسرع من وتيرة الوصول إليه، رغم خذلان إيطاليا لحكومة الوفاق وتورط فرنسا في دعم التمرد الذي يقوده حفتر على طرابلس.

يعزّز هذا الرأي سعي مصر الحليف الأول لحفتر في عدوانه على العاصمة طرابلس، والتي تضع كافة رهاناتها عليه في نقل تجربة الحكم العسكري الشمولي إلى ليبيا، وذلك من خلال مطالبتها هي الأخرى على لسان رئيسها عبد الفتاح السيسي بضرورة حل سياسي سريع للأزمة الليبية.

هذه المطالبة تأتي بعد أيام فقط من تصريح للسيسي يقول إن حكومة الوفاق الليبية مرتهنة للميلشيات.

إضافة إلى ذلك؛ فإن التدخل التركي جاء لدعم وتعزيز قدرات الحكومة الشرعية في صد العدوان وإحداث توازن في المعادلة العسكرية لضمان العودة للمسار السياسي المقرر قبل 4 أبريل الماضي برعاية أممية، وما فتئ المسؤولون الأتراك يتحدثون عن ضرورة الحل السياسي حتى بعد دخول الاتفاقية الموقعة حيّز التنفيذ.

وبصرف النظر عن بعض الأصوات التي تتحدث عن “الاستعمار العثماني”، أو “انتهاك السيادة”؛ فإن الاتفاقية التركية الليبية ستعزز من حضور ليبيا في حوض المتوسط خاصة وأن الاتفاقيات الموقعة بين مصر، قبرص اليونانية، اليونان والاحتلال الإسرائيلي بخصوص تحديد المنطقة الاقتصادية لكل دولة، تستثني ليبيا وتركيا وقبرص التركية.

هذا بالإضافة كما ذكرتإلى تسريع حل الأزمة سياسيا بعد قناعة محور الاستبداد باستحالة سيطرة حليفهم، وربما توفير نقطة بداية لمشروع دولة مدنية تراعي مصالح دول المنطقة، وقبل هذا وذاك تراعي مصلحة الليبيين جميعا.

***

المبروك الهريش ـ كاتب ليبي

___________