Minbar Libya

بقلم جلال سلمي

تتناول هذه الدراسة، جملة القضايا التي ترتبت على مذكرتي التفاهم بين تركيا وليبيا، موضحة دوافع ابرام تركيا للمذكرتين، ومواقف الجهات الفاعلة منها، السيناريوهات المتوقعة في ظل التطورات المتسارعة على الأرض.

.الجزء الأول

مُقدمة:

شكّل تاريخ 30 يناير 2017، يوماً تاريخياً في مسار التعاون بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج، حيث أعادت أنقرة فتح سفارتها المُغلقة في طرابلس منذ عام 2014 نتيجة انقلاب اللواء خليفة حفتر.

ولم تكد أنقرة تفتح سفارتها حتى وجهت دعوة إلى رئيس حكومة الوفاق المُنبثقة عن اتفاق “صخيرات”، فايز السراج الذي زارها في 7 فبراير من ذات العام، لتؤكّد بذلك على مسعاها في إعادة ثقلها المتراجع في ليبيا، بعد انشغالها لفترة في سوريا وانشغالها بترتيبات الأوضاع الداخلية بعد انقلاب 2016.

وقد تحقق ذلك فعلاً، حيث شهدت العلاقات بين أنقرة وحكومة الوفاق تطوراً ملحوظاً في عددٍ واسع من المجالات التي كان آخرها الوصول لمرحلة توقيع مذكرات تفاهم تتعلق بترسيم الحدود والتعاون الأمني والعسكري المُشترك.

وفي سياق ذلك، لم تلبث أنقرة وحكومة الوفاق ـ المعترف بها دولياً ـ أن وقعتا، في 30 نوفمبر 2019، مذكرات التفاهم بخصوص ترسيم الحدود والتعاون الأمني والعسكري المشترك، حتى أدانت عدد من الدول، وعلى رأسها اليونان ومصر، هذه التطورات التي وصفتها “بغير القانونية”.

وفيما برر وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إبرام المذكرتين بالإشارة إلى السعي لحماية حقوق البلدين النابعة من القانون الدولي بشأن السيادة في المناطق البحرية، اعتبرت كلٍ من القاهرة وأثينا القرار بمثابة “الاعتداء السافر” على حدودهما البحرية، وقد مضت أثينا قُدماً في خطواتها التصعيدية ضد أنقرة، من خلال مطالبة حلف “الناتو” بمُساندتها في حوض البحر المتوسط.

وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن توقيع أنقرة لمذكرات التفاهم، يأتي في إطار المناورة القانونية، حيث إنّ أنقرة لم تُوقع اتفاقية نهائية مع حكومة الوفاق، انطلاقاً من إدراكها لضرورة تصديق الاتفاقيات النهائية في البرلمان، ورغبتها في جس نبض مواقف الدول الفاعلة في الحوض، وتفعيل هذه المذكرات، وبالتالي التحرك في الحوض وليبيا وفقاً لهذه المواقف.

وفي ضوء هذه المُعادلة التي تُظهر اتجاه مشهد جيوبوليتيك الطاقة في حوض شرق البحر المتوسط، نحو المزيد من التعقيد، يسعى هذا التقدير إلى الإجابة على التساؤلات التالية:

ما هي الأهداف الأساسية لإبرام مذكرات التفاهم؟

كيف يمكن تقييمها في إطار النزاعات الجيوسياسية ذات الصبغة الاقتصادية في حوض البحر المتوسط؟

دوافع تحرك تركيا نحو إبرام المذكرتين

أولاً: مقدرات البحر الأبيض المتوسط

تُقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، في تقريرها لعام 2010، بأن حوض شرق البحر المتوسط يحتوي على احتياطي غاز بمقدار 122 تريليون متر مكعب، في مقابل 107 مليارات برميل من النفط الخام.

وفي ضوء هذه الثروات الهائلة، تسعى تركيا لأخذ نصيبها مع الحفاظ على حق الجزء الشمالي التركي من جزيرة قبرص في هذه الثروات، وبالأخص في ظل سوء علاقاتها مع أغلب دول الحوض؛ اليونان، سوريا، مصر، “إسرائيل”.

ولعل تحرك تركيا على هذا النحو الذي يحمل نوعاً من المخاطرة، يأتي في إطارٍ حيويٍ بالنسبة لها، حيث إنها تغطي ما نسبته 75% من النفط، و99% من الغاز الطبيعي من احتياجاتها من الخارج.

وفي عام 2013، أبرمت قبرص ومصر اتفاقية جديدة بخصوص ترسيم الحدود البحرية المشتركة، والتي أكّدت على اتفاقية تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة المُوقعة عام 2003، وأشارت إلى التوافق على تبادل مشاريع التنمية على تقاطع خط المنتصف.

في حينها، استنكرت أنقرة الاتفاقية معتبرةً أنها غير قانونية، ومنوّهةً بأنها ستعمل على التنقيب عن حقوقها والجزء الشمالي التركي، حيث إن الاتفاقية تؤسس لتعاون يحاصر جغرافياً المساحة الممكن لأنقرة التنقيب فيها، ويُفند قانونياً تحركات تركيا في عمليات التنقيب في محيط جزيرة قبرص.

وعلى الرغم من إعلان تركيا عام 2014 قواعد اشتباك تحذر من التنقيب عن مصادر الطاقة في محيط قبرص، بدون الرجوع إليها، إلا أن الأمر لم يفِ بالغرض بحسبان تحرك قبرص مع شركة “أوبل إنيرجي” الأمريكية، أي أن قبرص أدركت مسبقاً مخاطر التحرك التركي، فاتجهت منذ بداية اكتشاف مقدرات الحوض نحو تحصين تحركاتها بالتعاون مع شركة أمريكية.

ومع ضمان أنقرة جزءاً جيداً من مصالحها الأمنية والسياسية في سوريا، والتي تجلّت في مسار آستانة وتحوّلها لدولة ضامنة، بالإضافة إلى سيطرتها المباشرة على بعض المناطق في الشمال السوري، رأت أنقرة الوقت مناسباً للعودة بثقلها إلى ليبيا التي تطل على حوض شرق البحر المتوسط في الجهة المقابل للجغرافيا التركية، تلك الجغرافيا التي اضطرت تركيا للنزول للساحة بكل ما تملك من قوة لمواجهة منافسيها في الحوض، لا سيّما اليونان ومصر.

وهنا تكمّن كلمة السر في تعزيز أنقرة لوجودها في ليبيا، حيث تسعى لحفظ مصالحها في حوض شرق المتوسط أمام الدول المنافسة والفاعلة في الحوض وليبيا على حدٍ سواء.

وقد عكست أنقرة خطوة قطع انعزالها الدبلوماسي ورفع مستوى مناوراتها الدبلوماسية ودعمها الأمني والعسكري لحكومة الوفاق من خلال إعادة فتح سفارتها المُغلقة في 30 يناير 2017.

وبتوقيعها مذكرة التفاهم حول ترسيم الحدود، تواجه أنقرة اتفاقية مصر ـ قبرص، باتفاقية مع ليبيا تُطلق لها العنان لإجراء تحركات استكشافية في مساحاتٍ جيدة من البحر المتوسط بدون العوائق الجغرافية والسياسية المذكورة، كما يمكّنها من امتلاك ورقة توازن قوى فاعلة ضد تحالف مصر ـ قبرص ـ اليونان ـ إسرائيل السياسي والاقتصادي، في محيط المتوسط الذي يُشكّل نموذجاً مثالياً لصراع جيوبوليتيك الطاقة في حوض شرق المتوسط.

فمذكرة التفاهم تشكّل حاجزاً أمنياً ـ اقتصادياً بحرياً أمام تحركات اليونان، وتحديداً، تجاه قبرص، فالحاجز المذكور لا يقف على قدر إعاقة تحركات اليونان في المتوسط، بل يصنع تداخلاً معقداً مع منطقتها الاقتصادية الخالصة، مما يجعلها أمام مشهد معقد يُضعف قدراتها على التحرك خارج حدودها البحرية بالقرب من قبرص اليونانية، ويُجبرها للتحول لدولة تسعى للدفاع عن سيادتها البحرية في مواجهة دولة ـ تركيا ـ لا تعترف باتفاقية البحار حتى الآن، فضلاً عن خلط المذكرتين للمسار التاريخي الخاص بترسيم الحدود بين اليونان ومصر وليبيا، حيث يُرجع مصر وليبيا، إن لم يكن الآن، إلى التنقيب عن حقوقهما البحرية في ظل المذكرة البحرية الجديدة.

عبر المذكرة البحرية سوف يكون لأنقرة قدرة أكبر على التفاوض فيما يتعلق بمقدرات قبرص وحوض المتوسط، أمام مصر واليونان على حدٍ سواء.

ولكن أمام الخصم التاريخي اليونان على وجه خصوص، حيث يمكن ذلك من خلال التلويح بتوظيف ورقة الحاجز البحري الاقتصادي بينها وبين ليبيا أمام اليونان التي ستصبح، في حال تحولت مذكرة التفاهم لاتفاقية فاعلة، منعزلةً عن حوض شرق البحر المتوسط إلى حدٍ كبير.

وبالتالي ستضحى خاضعةً لورقة ضغط تركية للتفاوض التوافقي مع أنقرة فيما يتعلق بثروات قبرص.

وتكاد هذه النقطة تُشكّل السبب الأساسي لاندفاع اليونان نحو مطالبة “الناتو” لمساندتها في خلافها مع تركيا.

وتوضح الخريطة آلية امتداد حدود تركيا في المتوسط وفقاً لمذكرة التفاهم البحرية، ما يجعل حدودها البحرية محاذية للمياه الإقليمية الخاصة بالجزء الشمالي لقبرص، وبالتالي يكسب تحركها هناك شرعية، لكنه يؤثر سلباً على نفوذ اليونان وقبرص الجنوبية.

وبذلك يتضح أن تحرك أنقرة تجاه الأراضي الليبية دافعه جيوبوليتيك الطاقة والمصالح الاقتصادية. جيوبوليتيك الطاقة الذي يعني توظيف قراراتها في السياسة الخارجية لصالح الاستفادة من مصادر الطاقة الموجودة في الجغرافيا المحيطة بها.

يتبع في الجزء التالي

***

جلال سلمي ـ باحث فلسطيني، متخصص في اقتصاديات الشرق الأوسط، جامعة غازي التركية

___________

المعهد المصري للدراسات