Minbar Libya

بقلم جلال سلمي

تتناول هذه الدراسة، جملة القضايا التي ترتبت على مذكرتي التفاهم بين تركيا وليبيا، موضحة دوافع ابرام تركيا للمذكرتين، ومواقف الجهات الفاعلة منها، السيناريوهات المتوقعة في ظل التطورات المتسارعة على الأرض.

.الجزء الثالث

:مواقف الجهات الفاعلة الأخرى

ـ اليونان

تناغم الموقف اليوناني مع الموقف المصري، من خلال رفض أثينا لإعلان أنقرة توقيع المذكرتين، معتبرةً إياهما “بالأمر المنافي للعقل من الناحية الجغرافية، لأنه يتجاهل وجود جزيرة كريت بين الساحلين التركي والليبي”.

وقد ظهر التناغم المذكور في موافقة وزير الخارجية اليوناني على بيان وزارة الخارجية المصرية، مع زيارته إلى القاهرة في 3 كانون الأول/ديسمبر الجاري.

وأدانت أثينا الاتفاق، مستدعيةً السفير التركي لديها، منوّهةً إلى أنه “لا يمكن انتهاك سيادة دولة ثالثة عبر أي اتفاقية، ما يجعل الأمر انتهاك صارخ لاتفاقية البحار الدولي، ولا يتماشى مع مبدأ حسن الجوار”.

ويبدو أن تخوف أثينا من تلويح أنقرة بتوظيف ورقة الحاجز البحري الاقتصادي المُشار إليه أعلاه في وجهها، وعزلها عن المتوسط بسحب مساحات واسعة من مناطقها الاقتصادية الخالصة لصالح تركيا وليبيا، هما السببان الأساسيان والأهم لتحركها على هذا النحو الذي تحاول من خلاله المحافظة على ذاتها غير منعزلة في حوض شرق البحر المتوسط، وبالتالي المحافظة على دورها في استخراج ورعاية ثروات الجزء الجنوبي لجزيرة قبرص.

وهذا ما حمل أثينا لرفع القضية إلى قمة “الناتو” في لندن، وعاد عليها بالدعم “الإسرائيلي” الدبلوماسي، حيث هناك تفاوضات بين “إسرائيل” واليونان وقبرص لنقل الغاز “الإسرائيلي” نحو أوروبا عبر المتوسط.

وفي إطار تخوفها من الوقوع عرضة لحصار أنقرة البحري، تُطالب اليونان بالإبقاء على الخريطة أدناه:

لكن وفقاً لهذه الخريطة فإن ما مساحته 39 ألف كم2 من المياه الاقتصادية الخالصة لليبيا ستكون ضمن حدود اليونان البحرية، ووفقاً لمذكرة التفاهم الجديدة، تفقد اليونان هذه المساحة، وهذا ما يدفعها للتحرك بغضب، وباتهام أنقرة بالاعتداء على حقها السيادي.

وفي إطار القانون الدولي، قد تركن تركيا إلى البند الثاني من المادة 13، والذي يُشير إلى أن الجزر التي تقع في مسافة تتجاوز بحر العرض الإقليمي من البر، لا يكون له بحر إقليمي خاص به.”

في هذا الإطار، قد تناور تركيا في المتوسط، بعد توقيع مذكرة ترسيم الحدود، وفقاً لطبيعة العقوبات التي قد يفرضها الاتحاد الأوروبي عليها، إذ يُذكر أن الاتحاد الأوروبي اتخذ في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 قراراً بفرض عقوبات على تركيا نتيجة تنقيبها عن الطاقة في حوض المتوسط.

ـ فرنسا

لا يكاد يوجد تصريح فرنسي رسمي تجاه مذكرتي التفاهم، غير أن احتدام التصريحات بين الرئيسي الفرنسي، ماكرون، والتركي، رجب طيب أردوغان، بالإضافة إلى إعلان وزيرة الجيوش الفرنسية، العدول عن تسليم ستة مراكب إلى حكومة الوفاق الليبية، لتعزيز مراقبة الوضع البحري، يعكسان طبيعة الموقف الفرنسي الرافض للاتفاقيات.

وتُعقد مذكرتا التفاهم إمكانية رجوع فرنسا لتوقيع عقد استثمار الغاز في حوض “نالوت” الليبي، والذي وقعته عام 2010، غير أنه لم يكتمل بعد تراجع طرابلس عن التوقيع بسبب جدل قانوني، وبالتالي تصب في صالح منافسيها الأوروبيين، وبالأخص إيطاليا، عوضاً عن تأثير ذلك على نفوذها في حوض شرق المتوسط، وهنا تكمّن طبيعة الموقف الليبي.

ـ روسيا

لقد عكست الخارجية الروسية دوراً مُتزناً تجاه المُذكرتين، حيث دعّت أنقرة وحكومة الوفاق إلى “تجنب خطوات تزيد من التوتر في ليبيا والبحر المتوسط”، غير أن المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، قالت إن “الاتفاقية تخترق القرار الأممي حول حظر تزويد الأطراف الليبية بالأسلحة”.

وفيما يعود، على الأرجح، اتزان الموقف الروسي تجاه مذكرتي التفاهم إلى تقاطع سياساتها مع تركيا في القضية السورية ومجال التعاون في نقل الطاقة الروسية إلى أوروبا بخطوط تمر بالأراضي التركية، بالإضافة إلى عدم رغبتها إلى الإفصاح عن دورها المباشر في ليبيا في الوقت الحالي، وبالتالي الدخول في مواجهة صراع مباشر مع تركيا وبعض الدول الأوروبية، بريطانيا وإيطاليا، هي ليست بحاجة لها في الوقت الحالي.

لكن لا ينفي ذلك تأثير المذكرتين على الاستراتيجية الروسية في هندسة جيوبوليتيك الطاقة في المتوسط، من خلال تحقيق وصول للمياه الدافئة الزاخرة بمصادر الطاقة، للسيطرة عليها أو الاتفاق مع أكبر قدر ممكن من الدول المالكة لها، سعياً للبقاء على التحكم بكميات ومصادر الطاقة المُتجهة نحو الدول المُستهلكة، لا سيّما الاتحاد الأوروبي.

ـ المملكة العربية السعودية

وجه برلمان طبرق خطابه للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية المطالب بإلغاء الاعتراف بحكومة الوفاق، من الرياض، ما يعكس جزءً واضحاً من رفض الرياض للمذكرات.

وقد تكون الرياض هي من طلبت من البرلمان المطالبة بسحب الاعتراف بحكومة الوفاق، رغبةً في خلط الأوراق، وبالتالي تعطيل مجريات مؤتمر برلين، وبالأخص في ظل إشارة قناة ليبيا الأحرار، نقلاً عن مصادر خاصة، بأن زيارة رئيس البرلمان، عقيلة صالح، إلى الرياض جاءت باستدعاء منها، مشيرةً إلى احتمال حدوث جديد لحفتر على طرابلس بدعم سعوديٍ إماراتيٍ جديد.

وفيما يتعلق بنقطة سحب الاعتراف من حكومة الوفاق، يمكن أن يتحول لواقع جزئي يشمل بعض الدول، في حال لم تتحرك الحكومة لإجراء مناورات دبلوماسية وقائية فاعلة.

لا شك أن مذكرتي التفاهم تعطي أنقرة نفوذاً واسعاً في المنطقة ككل، ما يجعلها صاحبة دور دبلوماسي فاعل في مسار العملية السياسية، وهذا ما يؤثر على طموح السعودية في الحفاظ على موقعها في المنطقة، فضلاً عن حالة التوتر المستمرة بين الطرفين منذ اندلاع قضية خاشقجي، وما سبقها من تقارب تركي ـ سوداني، وآخر تركي ـ صومالي.

ـ الإمارات العربية المتحدة

لم يصدر، حتى تاريخ نشر التقدير، أي موقف رسمي من أبوظبي حول مذكرتي التفاهم، لكن باعتبار الدعم الدبلوماسي والمادي المُقدمة منها لحفتر، وبالنظر إلى تغطية إعلامها للحدث، يُستنبط موقفها الرافض للاتفاقية.

وفي ذات السياق، يُتوقع أن تساير الإمارات الموقف السعودي في حال تم توجيه دعم دبلوماسي وعسكري واضح لصالح برلمان طبرق وقوات “الكرامة” بقيادة حفتر.

من المنطقي اعتبار التدخل الإماراتي في الشأن الليبي ليس له علاقة مباشرة بجيوبوليتيك الطاقة، لكنه يتعلق بتنافس المحاور ـ المحور القطري ـ التركي ضد المحور الإماراتي ـ السعودي ـ المصري، فضلاً عن الرغبة الإماراتية في لعب دور يرفع من مستوى تعاونها مع الدول الأوروبية، وخصوصاً فرنسا التي تملك قاعدتها العسكرية الوحيدة في بلاد الخليج على أرض الإمارات.

يتبع في الجزء التالي

***

جلال سلمي ـ باحث فلسطيني، متخصص في اقتصاديات الشرق الأوسط، جامعة غازي التركية

___________

المعهد المصري للدراسات