Minbar Libya

بقلم جلال سلمي

تتناول هذه الدراسة، جملة القضايا التي ترتبت على مذكرتي التفاهم بين تركيا وليبيا، موضحة دوافع ابرام تركيا للمذكرتين، ومواقف الجهات الفاعلة منها، السيناريوهات المتوقعة في ظل التطورات المتسارعة على الأرض.

الجزء الرابع

حلف الناتو

لم يتطرق البيان الختامي لقمة “الناتو” في لندن، لمذكرتي التفاهم، لكن بحسبان موافقة تركيا على مناورات الحلف في البلطيق أمام التهديد الروسي، يعكس وجود حالة ضمان تركية لعدم تحرك الحلف إلى جانب اليونان ضدها.

ـ الولايات المتحدة الأمريكية

إلى الآن، يكتنف الغموض طبيعة الموقف الأمريكي حيال الأزمة الليبية، غير أن إدارة الصراع بدون الانخراط المباشر فيه، هو السمة الأساسية لهذا الموقف، فمن ناحيةٍ يتواصل أعضاء من الإدارة الأمريكية مع حفتر، ومن ناحيةٍ أخرى تستقبل واشنطن السراج باعتباره الممثل الشرعي لليبيا على الساحة الدولية.

في نيسان/أبريل 2019، أي بالتزامن مع تحرك قوات “الكرامة” تجاه طرابلس، قدمت واشنطن دعماً عسكرياً لحكومة الوفاق بقيمة 500 ألف دولار في صورة مساعدة تعزز قدراتها الأمنية على الحدود البحرية.

وفي نهاية أيلول/سبتمبر 2019 زار السراج واشنطن، في مؤشراتٍ قيّمت على أنها توجه أمريكي لتوجيه دعم أكبر لحكومة الوفاق لإحداث توازن قوى أمام نفوذ موسكو المضطرد لصالح حفتر وحلفائه، لا سيّما بعد دعوة واشنطن المشير خليفة بوقف هجومه على طرابلس بعد زيارة قام بها وفد من حكومة الوفاق الوطني لها في 15 نوفمبر 2019.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن الموقف الأمريكي الذي لم يتضح رسمياً بعد، ينطلق من سياسة “انتظر وراقب حسب الموقف” سعياً لعدم الانخراط المباشر في الصراع، لكن التدخل لحماية المصالح الأمريكية في المتوسط في حال تعرضت لأي مخاطر، وقد يكون هذا الموقف الأمريكي إزاء مذكرتي التفاهم.

ـ إيطاليا

فيما لم تُصرح روما بموقفها الفعلي تجاه مذكرتي التفاهم بين أنقرة وحكومة الوفاق، إلا أن توقيعها مسبقاً لمذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق، وتعاونها مع حكومة الوفاق ضمن محور أنقرة ـ الدوحة، ولقاء رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على هامش قمة حلف “الناتو” في لندن، ودعوته لترامب بلعب دور أكبر في ليبيا، رغبةً في تقوية محور الوفاق أمام محور برلمان طبرق ـ قوات “الكرامة، وعدم تأثير المذكرتين على مصالحها المباشرة، بل تأثيرهما على الدور الفرنسي ـ المنافس الاقتصادي لها، وغيرها من العوامل التي تظهر صب المذكرتين في صالح إصقال دورها في ليبيا، يدفعها نحو عدم الاعتراض عليهما.

ـ بريطانيا

لم تصرح لندن رسمياً بموقفها، غير أن موقفها يشابه الموقف الإيطالي إلى حدٍ كبير، فهي تسعى للحفاظ على نفوذها العسكري التاريخي في حوض المتوسط والذي يتجلّى في قاعدتها العسكرية المتواجدة في قبرص بصفة العنصر الضامن للسلام، وتخشى لندن من اتساع مستوى النفوذ الفرنسي في حوض المتوسط وعموم أفريقيا على نحوٍ أكبر مما هي عليه في حال استطاعت توقيع اتفاقيات لاستخراج الطاقة من حقل “نالوت” الليبي، وغيره مع أيٍ من الأطراف الليبية، فضلاً عن رغبتها الواضحة من إعاقة مسار اتساع النفوذ الروسي في حوض المتوسط.

السيناريوهات:

في ظل التطورات المتسارعة حول مذكرتي التفاهم، يمكن توقع السيناريوهات أدناه فيما يتعلق بمستقبلهما:

السيناريو الأول: تحويل المذكرتين لاتفاقية نهائية

يُشير هذا السيناريو إلى تحوّل المذكرتين إلى اتفاقياتٍ نهائية يتم إيداعهما في الأمم المتحدة، وبالتالي تتحول أنقرة، مباشرةً، إلى لاعب بارز في المتوسط، ولاعب أمني وعسكري واضح بالقرب من المياه الإقليمية لليبيا وفي محيط العاصمة طرابلس، بما يضمن لها البدء في تطبيق الخرائط المُشار إليها أعلاه مباشرة، ويمكّنها من انتشار عسكري كبير في ليبيا.

ويقوم هذا السيناريو على ادعاء توجه تركيا نحو ضرب كافة الاعتراضات اليونانية والمصرية والفرنسية بعرض الحائط، والتوجه نحو الإسراع في تطبيق الاتفاقية في المتوسط.

ويُستند في طرح هذا السيناريو إلى العوامل التالية:

1ـ رفع الرئيس أردوغان المذكرتين إلى البرلمان الذي صدق بدوره عليهما كاتفاقيات.

2ـ عدم إصدار “الناتو” قرار سلبي ضد المذكرتين.

3ـ ضعف جوهر العقوبات الأوروبية المفروضة على أنقرة لنشاطها في المتوسط، والتي تقتصر على معاقبة الأفراد والشركات الفاعلة في عملية التنقيب.

4ـ الدعم الإيطالي والبريطاني الضمني لأنقرة في ليبيا وحوض المتوسط.

5ـ حالة الضعف المصري واليوناني أمام تركيا في ظل عدم وجود تحرك جاد من قبل “الناتو” أو الاتحاد الأوروي، وغموض الموقف الأمريكي.

6ـ احترام تركيا لمسار القانون الدولي في صياغة المذكرتين، وبالتالي عكس هوية الفاعل الدولي المُلتزمة بمواثيق الشرعية الدولية.

عوائق تطبيق السيناريو:

(أ) اتفاق “صخيرات” الذي يحول، عبر مادته رقم 8، دون تحوّل مذكرتي التفاهم إلى اتفاقات نهائية بدون تصديق البرلمان الليبي.

(ب) قرار 1970 الصادر عن مجلس الأمن لعام 2011، والذي يحظر السلاح على ليبيا وكافة الأطراف الفاعلة فيها، ما يعني توظيف أنقرة مذكرة التعاون الأمني المُشترك في تنفيذ بعض الإجراءات التي تمنحها اتفاقيات الدفاع المُشترك للدول، كتحقيق انتشار عسكري بحري وجوي كبير والاستفادة من القواعد العسكرية، وغيرها، مخالف تماماً لقرار 1970، وهو ما لا تريد أنقرة السقوط فيه، سعياً لإبقاء حالة التأطير الشرعي قائمة على حالها.

(ج) مرحلة التحكيم القانوني التي تدرك أنقرة أهميتها جيداً في سبيل تثبيت ما قامت به دولياً. لكن تحتاج هذه المرحلة لمراجعات طويلة الأمد في سبيل تحكيم الحالة في حوض المتوسط، غير ذلك لا يقلق أنقرة، في ظل ما أحدثته من حالة صدمة قانونية وجيوبوليتيكية تضمن لها حلولاً قانونيةً دوليةً تصب في صالحها وصالح شمال قبرص.

(د) الدعم المحوري الفرنسي ـ المصري ـ الخليجي لقوات “الكرامة” بقيادة حفتر، والذي قد تزيد قوته في حال حركت فرنسا قبائل جنوب ليبيا الموالية لها تاريخياً أيضاً.

وقد يكتسب تحرك قوات حفتر تعاطفاً دولياً في حال تم تحويل مذكرات التفاهم لاتفاقيات مباشرة، حيث أن البرلمان والقوات قد تدعي تحركها ضد مخالفة صريحة من قبل حكومة الوفاق لاتفاق “الصخيرات”، ما يدفع أنقرة للاتجاه نحو سيناريو المناورة السياسية التدريجي.

السيناريو الثاني: المناورة السياسية للتطبيق الجزئي التدريجي لمذكرتي التفاهم

يُشير هذا السيناريو إلى أن أنقرة أرادت من توقيع المذكرات الحصول على أداة شرعية تُحافظ من خلالها على نصيبها وحق قبرص الشمالية في حوض شرق المتوسط، وتملك من خلالها ذريعة شرعية لإجراء تحركات جزئية في ليبيا.

ومن هذا المنطلق، يستبعد السيناريو المذكور اتجاه أنقرة نحو المناورة السياسية لتطبيق ما يمكن تطبيقه من مواد مذكرتي التفاهم المُوقعتين. ويتبنى فكرة رغبة أنقرة في توقيع مذكرات تفاهم ذات طبيعة مؤقتة في سبيل الركون إليها، كأداة ليس أكثر، في تحقيق مناورات سياسية تصل بها إلى صياغات نهائية مع دول المتوسط.

روافع ومؤشرات السيناريو:

1ـ طبيعة الهدف التركي من مذكرات التفاهم، والذي يقوم على فتح صفحة لإعادة هندسة جيوبولتيك الطاقة في المنطقة ضمن تحركات قانونية تُكسبها المدى الاستراتيجي.

2ـ عوائق سيناريو تحرك تركيا في إطار واسع كما هو مذكور أعلاه.

3ـ تصريح المسؤولين الأتراك بأن الاتفاقية لا تخدم أنقرة فقط، بل طرابلس والقاهرة، في محاولة منهما لإجراء مناورات سياسية تفرض حدوث توجه عام نحو إعادة تحكيم قانوني للمنطقة، وهذا ما قد يتبعه محاولات تركية استراتيجية لاختراق المحور المضاد عبر التنسيق من بعض دوله، كمصر و”إسرائيل” لجذبهما من خلال لعبة الطاقة نحو التعاون معها لنقل مصادرهما لأوروبا عبرها، لا سيّما في ظل وجود مفاوضات واتفاقيات سابقة حول الموضع معهما.

4ـ حالة عدم الاستقرار في ليبيا، والتي لا تضمن لأنقرة فترة طويلة في تحركها في المتوسط والأراضي الليبية من خلال الاتفاقيات النهائية مع حكومة الوفاق.

5ـ إجراء أنقرة مناوراتها السياسية التدريجية من خلال إدراك مدى نطاق حالة الخلاف الأوروبي ـ الأوروبي للاستفادة منها.

6ـ عدم إلمام أنقرة بطبيعة الموقف الأمريكي تجاه ليبيا وحوض المتوسط، وبالتالي اضطرارها لاتباع أسلوب المناورة التدريجية طبقاً لتغيّرات هذا الموقف الذي يُظهر دعمه حتى الآن في سبيل موازنة الدور الروسي، تجنباً لأي عقوبات.

7ـ رغبة أنقرة في الحصول على فرصة الوقاية من العقوبات الأوروبية من خلال التحرك بالتنسيق النسبي التدريجي مع بعض الدول الأوروبية، وهنا قد يُلاحظ تقارب تركي ـ إيطالي، تركي ـ بريطاني.

8ـ ميادين الصراع الأخرى التي قد تتأثر المصالح التركية فيها سلباً، من قبيل نفوذها في إدلب ونطاق تعاونها مع موسكو حوله، وشرق الفرات وتنافسها مع باريس هناك، مسارات خطوط الطاقة مع روسيا والاتحاد الأوروبي، وغيرها.

10ـ تصديق البرلمان التركي على مذكرتي التفاهم كاتفاقيات يأتي في إطار طبيعة القانون التركي الداخلي الذي يوجب شرعنة التحرك خارج الحدود القومية من خلال البرلمان.

خاتمة:

الأمر لا زال في صيغة مذكرات تفاهم لم ترقَ إلى مستوى اتفاقية دولية نهائية مُودعة لدى الأمم المتحدة. ولعل أنقرة قصدت ذلك ربما إدراكاً منها للوضع الشرعي لحكومة الوفاق داخل ليبيا وفقاً لاتفاق “صخيرات” الذي يوجب مصادقة البرلمان على الاتفاقيات، ما يجعلها تتحرك بالمذكرات دون تجاوز القانون الليبي، إلى جانب رغبتها في إرسال عدة رسائل متعددة الاتجاهات، تجس من خلالها نبض الإقليم والساحة الدولية، بما لا يوقعها في مأزق مواجهة شاملة، ما يعني أن تحرك أنقرة في التدرج بتطبيق مواد هذه المذكرات سوف يكون وفقاً نبض ومواقف دول الإقليم والدول الفاعلة في الحوض وليبيا.

***

جلال سلمي ـ باحث فلسطيني، متخصص في اقتصاديات الشرق الأوسط، جامعة غازي التركية

___________

المعهد المصري للدراسات