Minbar Libya

بقلم منصور لخضاري

تحولت ليبيا إلى ساحة صراع وتنافس إقليمي ودولي، تتجاوز طبيعته وأهدافه الحسابات التكتيكية والرهانات الظرفية، إلى أخرى استراتيجية وجيواستراتيجية بعيدة المدى. فما هي رؤية الجارتين تونس والجزائر إلى الأزمة الليبية؟

.الجزء الأول

الموقف الجزائري من الأزمة الليبية يقوم على السيادة الليبية وعدم التدخل العسكري واعتماد الأساليب السلمية وهو التصور الذي تشاركه فيها تونس.

والواقع سيجعل الجزائر في مواجهة أطراف عديدة قد لا يخدمها بالضرورة تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا والمنطقة.

في سياق المشاورات حول الأزمة الليبية الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو (الأناضول)

للاعتبارات السابق بيانها، بل لإدراكها أن التدخل العسكري الأجنبي لم يُثبت يومًا نجاعته في حلحلة الأزمات الداخلية والإقليمية؛ فهو لن يزيد إلا من زرع بذور الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وإتاحة هوامش جديدة لتحرك الجماعات الإرهابية والإجرامية.

وهو ما تجب الاستعاضة عنه بالدعوة للحوار والسلم والعمل على توفير شروطهما، وتنشيط دبلوماسية الشبكات، وتفعيل العمل الإنساني الذي من أوجهه إرسال الجزائر عن طريق مؤسسة الهلال الأحمر الجزائريبتاريخ 2 يناير 2020، مساعدات إنسانية للشعب الليبي تمثلت في أدوية ومواد غذائية، وغيرها من الوسائل الضرورية لمواجهة قسوة الأزمة.

من الأوراق الرابحة التي يمكن للجزائر بمعيَّة تونس القيام بها في هذا الظرف وفي ظل هذه الظروف، الالتفات إلى ضرورة إعادة بعث المسار المغاربي المتعطل، بصفته الفضاء الإقليمي المؤسساتي الأقرب والأنسب لبحث الأزمة الليبية، خاصة في ظل توافق رؤية الدول المغاربية على نفس التصور في رفض التدخل العسكري الأجنبي والبحث عن الحلول السلمية بين الإخوة الفرقاء.

فضلًا عن ذلك، على الدبلوماسية الجزائرية التحرك على مستوى الفضاء المتوسطي الذي يبقى من أكبر الفضاءات المؤهَّلة للتأثر المباشر بانعكاسات سيناريو التصعيد العسكري المدعوم بقوات عسكرية أجنبية، وهو ما لا يبدو أنه يخدم مصالح دول الضفة الشمالية للمتوسط التي وإن ترغب في استدامة الأزمة الليبية، فإنها تحرص على عدم تجاوزها حدود الانعكاس على ما يحمل التهديد الجدي لأمن أوروبا.

تأخذ الأزمة الليبية منحى تصاعديًّا يضعها على أبواب الحرب الأهلية، وإن كانت الحرب في الحقيقة لم تضع أوزارها بليبيا منذ اندلاع الثورة التي أطاحت بالقذافي، خريف 2011، غير أن الاتجاه المتسارع للأحداث هذه المرة، يحمل من الخصوصية ما يجعله متميزًا عما سبق من مواجهات قتالية دامية بين الإخوة الفرقاء.

فالوضع اليوم بات أكثر جدية فيما ينذر به من أخطار وتهديدات أمنية، تتجاوز آثارها حدود السيادة الإقليمية الليبية إلى المساس بالعديد من الفضاءات الجيوسياسية التي تمتد عليها ليبيا؛ حيث سيكون للحرب في حال اندلاعها الكثير من الارتدادات والانعكاسات المباشرة وغير المباشرة على الأمن والاستقرار في كامل منطقة المغرب العربي، وشمال إفريقيا، والبحر المتوسط، والساحل الإفريقي.

المميز الأكبر لخصوصية هذا الفصل الذي انتهى إليه مسار الأزمة في ليبيا، هو الدخول العلني والمباشر لقوى إقليمية ودولية على خط التنافس على النفوذ في ليبيا، سعيًا منها لوضع اليد على الاستئثار باستغلال الاستكشافات الجديدة المغرية للاحتياطيات الليبية من النفط والغاز مع ما يمثله ذلك، من تغيير موازين قوى معادلة الخريطة الجيوسياسية للغاز والنفط في العالم.

ما أضفى على الوضع في المنطقة بُعدًا دوليًّا، خرج بالصراع على السلطة بين الليبيين من الإطار الوطني والمحلي، إلى الطابع الإقليمي والدولي. فباتت الأزمة الليبية تبعًا لذلك تترأس جداول أعمال الموائد النقاشية، وتشغل بال دوائر صنَّاع القرار في كبريات العواصم العالمية.

ما نقل السباق حول استلام الحكم وبسط السلطة على العاصمة طرابلس من السياق الليبي إلى التنافس الدولي القائم على حسابات التموقع، والمبني على رهانات الربح والخسارة بين خصوم السياسة وأمراء الحرب في ليبيا.

على ما للأزمة الليبية من حضور وشد للاهتمام العالمي؛ فإن تناولها في الجزائر وتونس، يبقى على جانب من الخصوصية يميزه عن غيره من أوجه الاهتمام الإقليمي والدولي بها.

وهو ما يعود بالأساس إلى معطى الجوار المتداخل ومتعدد التشابكات الذي يجعل من أمن الجزائر وتونس رهينَ ما يمكن لليبيا أن تحققه من أمن واستقرار.

وهو ما سيكون مرتكز هذه الورقة البحثية التي تبحث في الرؤيتين الجزائرية والتونسية للأزمة الليبية ببيان مواقفهما منها، والوقوف على حدود إمكانية قيامهما بالتأثير بما يفضي إلى حلحلة الأزمة وفق ما يحملانه من تصورات وما يقترحانه من حلول.

طبيعة الجوار الجزائري التونسي مع ليبيا وأوجه تداخلاته

تتجاوز طبيعة الجوار الجزائري والتونسي مع ليبيا، المعطيات الجغرافية التي جعلت من البلدان الثلاثة فضاءً جغرافيًّا وأرضًا مفتوحة وممتدة، لم تفرق بينها إلا الحدود التي وضعها الاستعمار لتقسيم المنطقة.

فالبلدان الثلاثة تقتسم إرثًا حضاريًّا وتاريخيًّا مشتركًا، زاد من تناغمه ولُحمته وحدة الدين واللسان، وتشابه النسيج الاجتماعي الذي استطاع الصمود في وجه كل محاولات الفُرقة والتفريق، حيث لا تزال مجتمعات البلدان الثلاثة تشترك في نفس العادات والتقاليد، وتحتكم إلى نفس القيم والمقومات الاجتماعية. وإن بقي المجتمع الليبي أكثر وفاءً من نظيريه، الجزائري والتونسي، للقبيلة كمؤسسة اجتماعية مسيسة.

جغرافيًّا، تقع الجزائر وتونس غرب ليبيا التي تقتسم معهما شريطًا حدوديًّا بريًّا ممتدًّا على مسافة 1462 كلم؛ حيث تقتسم مع الجزائر شريطًا حدوديًّا بريًّا ممتدًّا على مسافة 982 كلم، يمثل ما نسبته نحو 15.48% من مجموع الحدود البرية للجزائر، وشريطًا حدوديًّا بريًّا ممتدًّا على مسافة 480 كلم مع تونس، يمثل ما نسبته نحو 33.21% من مجموع الحدود البرية التونسية.

الحدود بين الدول الثلاثة هي حدود موروثة عن الحقبة العثمانية في ليبيا، والاستعمارية الفرنسية في كل من الجزائر وتونس.

فقد وقَّع الطرفان، العثماني والفرنسي، اتفاقية تحديد الحدود بين ليبيا وتونس بتاريخ 19 مايو 1910. وهو ما جرى الاحتفاظ والعمل به بعد استقلال تونس حيث اعتُمدت نفس اتفاقية تحديد الحدود في ترسيم وتعيين الحدود البرية بين البلدين، في حين تمت إحالة تحديد حدودهما البحرية إلى محكمة العدل الدولية بعد اختلافهما بشأن ذلك.

أما الحدود الجزائريةالليبية فلم يتم ترسيمها وتعيينها إلى اليوم؛ حيث بقي العمل بين البلدين في مسألة تحديد الحدود بما نصَّت عليه اتفاقية تعيين الحدود الليبيةالجزائرية، التي وُقِّعت في 19 ديسمبر 1956، بين ليبيا وفرنسا، وهو ما يعود إلى اعتماد الجزائر مبدأ الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار في تحديد حدودها الوطنية من جهة، وإلى تعثر أعمال اللجنة المشتركة الجزائريةالليبية لتعيين الحدود ورسمها على الأرض خلال العام 1967، بسبب تملص ليبيا من تقديم الاتفاقية الملحقة بخرائط تعيين الحدود التي سبق ووقَّعتها مع الإدارة الفرنسية سنة 1956، لغرض اعتمادها كأساس مرجعي لمباشرة تحديد الحدود بين البلدين من جهة أخرى.

جيوسياسيًّا، تنتمي الدول الثلاث إلى العديد من الفضاءات والامتدادات الجيوسياسية المشتركة، فهي دول تشترك في انتمائها إلى فضاء المغرب العربي، وإلى الأمتين، العربية والإسلامية، وفي إطلالتها على الضفاف الجنوبية للبحر المتوسط.

يضاف إلى ذلك اشتراك الجزائر وليبيا دون تونس في الانتماء إلى فضاء الساحل الإفريقي الذي يشهد بدوره حركيات أزموية، على درجة من التركيب والتعقيد السياسي والسوسيواقتصادي، والاستقطاب والتنافس الدولي.

أنتجت الطبيعة المتشابكة للجوار الجغرافي والمجتمعي والجيوسياسي لكل من الجزائر وتونس وليبيا الإحساس بالانتماء والمصير المشتركين، وهو ما يبرر المخاوف المتزايدة في الجزائر وتونس من سيناريوهات تدويل الأزمة الليبية، ومن احتمالية تطور الأزمة باتجاه الخيار الحربي بعد تجاوزها لمرحلة المواجهات العسكرية بين الأطراف الليبية المتنازعة حول استلام السلطة والاستئثار بها.

***

منصور لخضاري ـ أستاذ باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مهتم بالشؤون الاستراتيجية والأمنية.

__________

الجزيرة