Minbar Libya

بقلم جازية جبريل محمد

العدالة الانتقالية هي مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

.الجزء الأول

إذا كانت العدالة الانتقالية هي عدالة رسمية تطبق في فترة ما، للانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، بإجراءات خاصة موجهة ضد طرف كان في الماضي قوياً وارتكب حينها ظلماً ممنهجاً، أو مسلحاً، فإنها تستلزم لذلك شروطا كثيرة منها:

  • وجود رغبة شعبية بتطبيقها،

  • وجود إرادة سياسية حقيقية لتطبيقها،

  • الاستقرار السياسي،

  • السيطرة الأمنية لمؤسسات الدولة،

  • إنهاء مرحلة الصراع المسلح.

ولعل أهم شروطها، وجود حكومة ذات صفة شرعية ومعترف بها من كل الأطراف في الدولة، وألا تخشى هذه الحكومة من تطبيق آليات العدالة حيث لم ترتكب أي من تلك الانتهاكات الموجبة للمساءلة القضائية، وهي شروط يصعب الإقرار بتوافرها في ليبيا منذ 2011 وإلى يومنا هذا.

ونفترض في هذا المقال أن مسار العدالة الانتقالية في ليبيا قد تأثر بالسياق السياسي دون غيره من السياقات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الدينية؛

فالطرف السياسي الغالب، والمسيطر على أدوات تطبيق العدالة الانتقالية؛ سواء كانت أدوات تشريعية أو تنفيذية أو قضائية، يتخذ المسار الذي يلائمه بما يتفق مع مصالحه الآنية ورؤاه السياسية.

وأيضا بما يتفق مع ما يراه مناسباً في التعامل مع خصمه المغلوب بشأن محاسبته على ما قام به من انتهاكات في مواجهته، مع الأخذ بالاعتبار عديد العوامل مثل مدى قوته في الداخل والخارج، ومدى سيطرته على كامل ربوع الإقليم الليبي.

وللتدليل على هذه الفرضية، نسوق أمثلة على آليات العدالة في سياقات سياسية ليبية مختلفة لنتبين من خلالها كيف أدير ملف العدالة الانتقالية من قبل القوى السياسية المسيطرة على أدوات تطبيقها.

العدالة بآليات (إنتقامية) قذافية

ولعل هذا ينطبق في ليبيا حتى في فترة النظام السابق الممتدة لما يزيد عن أربعين حولاً؛ حيث يمكن أن تقرأ كل القوانين التي اتخذت بعد 1969 على أنها تشريعات انتقالية متى كان المنظور الذي تقيم من خلاله هو منظور النظام السياسي القائم حينها.

فهناك ثورة شعبية أطاحت بنظام ملكي يوسم بالفساد وبانتهاك حقوق الشعب الليبي وبالمولاة للعدو الأجنبي.

وقد كانت الآلية المتبعة حينها آلية الملاحقة القضائية؛ التي اتسمت بالقسوة الصارمة، فاعتقل، وأعدم، وأبعد، أغلب أنصار النظام الملكي ورجالاته.

كما استخدمت آليات المصادرة، والوضع تحت الحراسة، وتأميم كثير من الأموال والمنشآت والصناعات.

وفيما بعد 2003، تمثلت المصلحة السياسية في الذهاب إلى مرحلة جديدة تمهيداً للقذافي الإبن، وإظهار ليبيا الغد أمام العالم بأنها ديمقراطية وحقوقية وعادلة تريد أن تنفتح على العالم وترحب بالتعاون الدولي، وتنفي عنها تهمة الإرهاب أو الدكتاتورية.

حينها قرر النظام السابق انتهاج مسار مختلف للعدالة الانتقالية، دون تصريح بذلك، اتخذ الآليات التي تناسبه حينها وهي آلية العفو عن بعض المعارضين وتعويض المعتقلين المفرج عنهم بدون الاعتراف بالذنب أو حتى كشف الحقائق، وبدون التفكير في آلية الإصلاح المؤسسي.

العدالة الثورية

أما فترة المجلس الانتقالي بعد 2011 فقد اتسمت الاستراتيجية السياسية في ليبيا بأنها ثورية ضد النظام السابق المتهم بانتهاك حقوق الإنسان وبالتالي اعتمدت آلية الملاحقة القضائية؛ مثل إصدار قانون رقم 37 لسنة 2012 بشأن تجريم تمجيد الطاغية وإهانة الثورة.

وحيث كانت الاستراتيجية السياسية تعتمد على الدعم الدولي في مواجهة النظام السابق، فلم تتوانَ السلطة حينها من استخدام آلية الملاحقة القضائية أمام القضاء الدولي للقذافي وأعوانه، إضافة للقضاء الوطني.

غير أن وقوف التيارات الحقوقية في مواجهة بعض هذه الآليات أبطلها؛ فمثلاً تصدى الحقوقيون لقانون تجريم تمجيد الطاغية بوصفه غير دستوري.

وبالفعل قضت المحكمة العليا بعدم دستورية القانون في يونيو2012.

ولا يمكن إغفال انتهاج المشرع الثوري لنهج التصدي لإدارة أموال وممتلكات بعض الأشخاص من أنصار النظام السابق وذلك في القانون رقم 36 لسنة 2012 والمعدل بالقانون رقم 47 في العام ذاته.

على صعيد دستوري، لم تتم الإشارة إلى العدالة الانتقالية أو أي من آلياتها في الإعلان الدستوري المؤقت.

وبالرغم من أن الإعلان يؤكد على المساواة بين جميع المواطنين وعدم التمييز، إلا أن القسم المفروض على أعضاء المجلس الانتقالي في المادة 19 من الإعلان الدستوري، يلزم بعدم صلاحية كل من لا يؤمن بأهداف ثورة فبراير.

وقد خلت التعديلات الدستورية من العدالة الانتقالية وآلياتها. إلا أنه صدرت مبكراً قوانين العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ومثالها القانون رقم 17 لسنة 2012.

أما عن الفحص المؤسسي فقد فعلت باستبعاد الموالين للنظام السابق في السلطات المختلفة بما فيها القضائية، من خلال قرار إنشاء اللجنة ثم قانون الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية. مثلاً القانون رقم 26 لعام 2012 بشأن تطبيق معايير النزاهة والوطنية.

وفي مايو 2012، شعر المجلس الانتقالي بالاستقرار النسبي للدولة الوليدة. وكانت الأصوات الحقوقية عالية محلياً ودولياً، ولرغبته في ضمّ عديد من الليبيين الموالين للنظام السابق لدمجهم في ليبيا الجديدة، أصدر قانون العفو رقم 35 لسنة 2012 والمعدل بالقانون 51 لسنة 2012.

قد استثنى فقط عائلة القذافي وأعوانه، وهو عفو عن نوع محدد من الجرائم. وقد حصرت الجرائم المعفاة في الاختلاس شرط رد المال، وفي الاحتراب شرط تسليم السلاح وإعلان التوبة، وفي جرائم الدم شرط عفو ولي الدم.

ولعل من الملاحظ أن هذا العفو المبكر قد يكون سبباً في بروز ظاهرة استيفاء الحق بالذات والجنوح إلى ظاهرة الاغتيالات والاعتقالات خارج القانون من بعض من وقعت عليهم انتهاكات في عهد النظام السابق خاصة ممن استولوا على السلاح والعتاد.

ولقد أثار هذا القانون إشكاليات قضائية عند تطبيقه، ففي حين فسرت بعض دوائر الجنايات في محاكم الاستئناف مصطلح أعوان القذافي بحيث شمل أنصاره، رأت المحكمة العليا أن هذا المصطلح وقد قرن بالأبناء والأصهار، فهو لا يسرى إلا على المقربين والذين كان يعتمد عليهم في إدارة نظام البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري ممن تولوا وظائف قيادية وعليا في البلاد.

وقد تقرأ هذه الاختلافات التفسيرية القضائية للنص القانوني من حيث كونها تماشياً مع التغيير الذي طرأ في السياسية العامة بشأن مساءلة أنصار النظام السابق.

فبعدما اتّسمت بالصرامة في العهد الثوري الأول 2012، فهي ما لبثت أن اتسمت بالتسامح إلى حد كبير بعد 2014.

كما أن آلية التعويض قد بدأت في أواخر عهد المجلس الوطني وأهمها قانون رقم 50 لسنة 2012 بشأن تعويض السجناء السياسيين الذي أثار موجة رفض كبيرة على المستوى الحقوقي بوصفه ثمنا للنضال.

وأيضا بوصفه محاباة لفئة ليبية دون غيرها بآلية التعويض لا سيما وأن المبلغ مبالغ فيه (وهو 8000 د.ل) ثمانية آلاف دينار عن كل شهر شاملة لكامل التعويض عن واقعة السجن أبان مرحلة النظام السابق.

***

جازية جبريل محمد ـ أستاذة قانون في جامعة بنغازي

___________

نشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية