Minbar Libya

بقلم منصور لخضاري

تحولت ليبيا إلى ساحة صراع وتنافس إقليمي ودولي، تتجاوز طبيعته وأهدافه الحسابات التكتيكية والرهانات الظرفية، إلى أخرى استراتيجية وجيواستراتيجية بعيدة المدى. فما هي رؤية الجارتين تونس والجزائر إلى الأزمة الليبية؟

.الجزء الثاني

مسارات تطور الأزمة الليبية ومآلاتها

لم تستطع ليبيا تجاوز مرحلة الانتقال والتأسيس الديمقراطي منذ الإطاحة بنظام القذافي سنة 2011، فبعد العديد من المواجهات المسلحة التي أطالت من أمد الحرب الأهلية في البلاد، رست ليبيا على مشهد سياسي وعسكري ميَّزه التفكك والتنازع على امتلاك شرعية التمثيل وأحقيته؛ ما يمكن تلخيص بيان أهم أوجهه فيما يلي:

الانقسام البنيوي للسلطتين التنفيذية والتشريعية:

على مستوى السلطة التنفيذية توجد حكومتان، هما:

  1. حكومة الوفاق الوطني بطرابلس، يقودها فائز السراج، تحظى بالاعتراف الدولي كونها تمثل أحد مخرجات اتفاق الصخيراتالموقَّع عليه بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2015.

  2. الحكومة المؤقتة تتخذ من مدينة البيضاء شرقي ليبيا مقرًّا لها. يقودها عبد الله الثني، وتدَّعي حصولها على الشرعية باعتبارها منبثقة عن مجلس النواب.

وعلى مستوى السلطة التشريعية، يوجد ثلاث جهات تشريعية، هي:

  1.  مجلس النواب المنتخب، بتاريخ 25 يونيو 2014، يتخذ من مدينة طبرق بإقليم برقة شرقي ليبيا مقرًّا له.

  2.  جماعة من أعضاء ذات المجلس الرافضين لنقل مقر البرلمان من طرابلس إلى مدينة طبرق، انضمت إليهم مجموعة أخرى من أعضاء مجلس النواب من طبرق بعد إطلاق اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، لحملته الأخيرة ضد العاصمة طرابلس.

  3.  المجلس الأعلى للدولة الموجود مقره بالعاصمة طرابلس، والمُنشأ بناء على اتفاق الصخيرات.

التعدد الهيكلي للقوات المسلحة: يتحكم في المشهد العسكري الليبي جناحان عسكريان رئيسان، هما:

  1. قوات مختلطة من الجيش الليبي والميليشيات تحت قيادة اللواء المتقاعد حفتر، الذي يتخذ من قرية الرجمة بضواحي مدينة بنغازي شرقي ليبيا مقرًّا لقيادته. ولا تُخفي مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وروسيا دعمها ومساندتها له سياسيًّا ودبلوماسيًّا وعسكريًّا ولوجستيًّا.

  2.  القوات المسلحة الليبية تحت القيادة العامة لفائز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني.

أعاد الإعلان المفاجئ للواء المتقاعد، حفتر، بقرار زحف قواته لتحرير العاصمة طرابلس مما أسماه بالجماعات الإرهابية، بتاريخ 4 أبريل 2019، بعْثَ الحرب الأهلية في ليبيا بعد فترة من الهدوء الحذر كاد يُتوَّج بتحقيق مبادرة المبعوث الأممي، غسان سلامة، بعقد مؤتمر جامع بتاريخ 16 أبريل 2019، تلتقي فيه كل الأطراف الليبية لبحث الآليات الإجرائية والعملية للخروج من أزمة الشرعية في البلاد.

فكانت خطوة حفتر العسكرية بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على مساعي إيجاد الحلول السلمية للأزمة التي اتخذت منعرجًا جديدًا وحاسمًا بعد دخول تركيا على خط الصراع في ليبيا.

باتت تركيا تمثل رقمًا مهمًّا في معادلة الأزمة الليبية؛ فقد وقَّع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع فائز السراج، بتاريخ 27 نوفمبر 2019، مذكرتي تفاهم تتضمن الأولى ترسيم الحدود الملاحية في البحر المتوسط، وتتناول الثانية استعداد تركيا لإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا في حال طلبت حكومة الوفاق ذلك(7)، وهو ما جرى تفعيله بعد مصادقة البرلمان التركي بتاريخ 2 يناير 2020، على مذكرة رئاسية تطلب تفويضا برلمانيا لإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا.

خلَّفت الخطوات التركية المحقَّقة مع الطرف الليبي العديد من ردود الأفعال الإقليمية والداخلية؛ إذ لم تتأخر مصر وقبرص واليونان وإسرائيل عن الإعلان عن رفض المذكرة التركيةالليبية القاضية بترسيم الحدود الملاحية، رغم أن ما قامت به تركيا لا يعد سابقة في المنطقة؛ حيث سبق لمصر وقبرص على سبيل المثال لا الحصرأن وقَّعتا اتفاقًا لترسيم حدودهما البحرية في العام 2013.

وقد تجاوز رد الفعل المصري التصريح الرسمي برفض المذكرة، إلى القيام بخطوات عملية رمزية منها القيام بمناورات عسكرية برمائية على واجهتها البحرية المتوسطية بتاريخ 4 يناير 2020، مع ما لذلك من دلالات في ظل التوتر والتصعيد السياسي بين مصر وتركيا اللتين تدعم كل منهما طرفًا من أطرف الأزمة الليبية.

وتتجاوز خلفيات الخلاف المصريالتركي الارتباط المصلحي بتحقيق النفوذ والاستئثار بالثروات الغازية المستكشفة بمنطقة شرق المتوسط، إلى ما بينهما من خلاف يتغذَّى من خلفية موقف تركيا الرافض لانقلاب الرئيس، عبد الفتاح السيسي، على الرئيس المنتخب عن حزب الحرية والعدالة، محمد مرسي.

على المستوى الداخلي، لم يُخْفِ فريق اللواء المتقاعد، حفتر، وأتباعه رفض الاتفاق، حتى إن المتحدث باسم قواته توعَّد بالتصدي بالقوة العسكرية لمنع اختراق السيادة الليبية، وهو الموقف نفسه الذي اتخذه أعضاء مجلس النواب (جناح طبرق) الذين عبَّروا عن رفضهم المطلق لمذكرة التفاهم، عكس نظرائهم من جناح طرابلس الذين عبَّروا عن دعم وتثمين المذكرة التي يرون أنها تحفظ السيادة والاستقلال لليبيا، وتتوافق مع أحكام القانون الدولي.

المقاربتان، الجزائرية والتونسية، لحلحلة الأزمة الليبية

لا تخرج المقاربة الجزائرية وتصوراتها لحلحلة الأزمة الليبية عن حدود وضوابط ما ترسمه ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية، ومبادئ عقيدتها العسكرية؛ إذ لا تخفي الجزائر وفاءها لهذه الثوابت القائمة بالأساس على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادة الدول ووحدتها وخيارات الشعوب، والعمل على البحث عن الحلول السلمية والخيارات الدبلوماسية لحل الأزمات الدولية بدل اللجوء إلى استعمال القوة والحسم العسكري.

كما لا تتأخر عن التذكير بمبادئ عقيدتها العسكرية التي تقوم على عدم السماح بالزج بالقوات المسلحة الجزائرية في نزاعات مسلحة خارج الحدود الوطنية، وهو ما يتوافق مع طبيعة الأدوار الدستورية المحددة لمهام وصلاحيات الجيش الوطني الشعبي، وما يعبِّر عن احترام الجزائر لسيادة غيرها من الدول.

يفسر التزام الجزائر بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، موقفها المتسم بالثبات على الحياد والوقوف على نفس المسافة من مختلف أطراف النزاع في ليبيا منذ انطلاق الثورة الليبية إلى الآن.

غير أن ذلك لم يكن يعني نأي الجزائر بنفسها بعيدًا عن مراقبة ومسايرة تطورات الأزمة، فقد سعت إلى مسايرة ومرافقة مختلف مراحل ومحطات تطوراتها باقتراح الحلول السلمية، ومحاولة إيجاد أرضية للنقاش وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف.

وهي الجهود التي يمكن تلخيص بيانها في العمل على محورين أساسيين، يتمثلان في سعي الجزائر لجمع الأطراف الليبية للحوار وحثهم على اعتماده كأساس للوصول إلى حل الأزمة من جهة، وفي دعم الجهود الأممية في ليبيا من جهة ثانية.

لا تبتعد المقاربة التونسية عن نظيرتها الجزائرية في تصور سبل حلحلة الأزمة الليبية، فعلى الرغم من إتاحة الفصل 77 من الدستور التونسي للجيش التونسي إمكانية المشاركة في أعمال عسكرية خارج البلاد عكس الوضع في الجزائر فإن التناغم والتقارب يبقى الصفة المميزة لوجهتي نظر البلدين تجاه الأزمة الليبية.

خاصة اقتسامهما نفس الموقف الرافض للتدخل العسكري الأجنبي، وتعبيرهما عن الاستعداد للانخراط في أي عمل سلمي يسعى لتوفير الظروف السياسية للمِّ شمل الفرقاء الليبيين، وجمعهم على طاولة الحوار باعتبارها الحل الأمثل للخروج من الأزمة. ومن ذلك انخراطهما في المبادرة الثلاثية لدول جوار ليبيا رفقة مصر.

***

منصور لخضاري ـ أستاذ باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مهتم بالشؤون الاستراتيجية والأمنية.

__________