Minbar Libya

بقلم رمضاني سيف

حفتر هرب“. بهذه العبارة المشينة وصف الرئيس التركي أردوغان ما فعله حفتر المتقاعد في موسكو، مردفا بوعيد شديد له إن هو واصل الهجوم على حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

حفتر الذي أطلق ساعة الصفر أربع مرات من دون أي يحصل شيء مهم في الحرب التي ترعاها أكثر من دولة، فاتسعت الرقعة على الراقع كما يقال، فرمال ليبيا باتت تبتلع كل الحلول الرامية لحل الأزمة.

ففي الوقت الذي قالت فيه وزارة الخارجية الروسية، إن رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج، وقع وثيقة وقف إطلاق النار في موسكو، أشارت موسكو إلى أن خليفة حفتر، غادر دون توقيع، وأنه كان قد طلب وقتا إضافيا لدراستها حتى الثلاثاء 14 يناير.

وفي مؤتمر صحفي عقده وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، الإثنين 13 يناير، مع نظيره التركي، مولود جاويش أوغلو، بعد انتهاء مفاوضات وقف إطلاق النار في ليبيا التي شهدتها موسكو، أشار الوزير الروسي إلى تقدم كبير في المشاورات، في حين أكد أوغلو أن حفتر طلب مهلة حتى صباح الثلاثاء لدراسة الاتفاق.

وأشارت عدة تقارير إعلامية، إلى أن المحادثات التي لم تجمع بين حفتر والسراج في موسكو، لم تنجح في التوصل لاتفاق، وقالت وكالة رويترز للأنباء إن زعيمَي الطرفين المتحاربين في ليبيا، أحرزا بعض التقدم في محادثات السلام غير المباشرة، لكنهما فشلا في التوصل إلى اتفاق، حول هدنة دائمة وغير مشروطة، هذا ما أعلن عنه كأسباب لما فعله حفتر.

يذكّرنا حفتر بمثل شعبي سائر، فعندما سُئلت القطة ما بال أولادك كل واحد بلون، أجابت: أنا خجولة وأبناء عمي كثيرون، وهذا حال الجنرال المتقاعد، فالرجل رهن قراره بأكثر من جهة تتحالف هنا لتعطي شعورا عاما بالاتفاق حول الدعم المطلق له وتتآمر هناك لتخلط حساباته في العديد من القضايا.

فمصر والإمارات والسعودية الذين يمدّون حفتر بكل الدعم، لكل واحد منهم حساباته الخاصة، فمصر تريد الانتهاء من الأزمة الليبية والنار المشتعلة على حدودها قد تحرقها لذلك أوعزت لحفتر بوجوب الجلوس لطاولة الحوار ووضع حسابات التسوية في المقام الأول.

وإن كان الدعم الأخير المصري بالخبراء والسلاح ما هو إلا تحضير لحفتر ليكون في موقع قوة عندما يتفاوض، فبعدما أصبح الرجل والميليشيات التابعة له يسيطرون على ثلاثة أرباع ليبيا، جلس للتفاوض على ما في يد حكومة الوفاق ليس على ما في يده هو.

لكن كان للإمارات رأي آخر، فسفيرها الذي كان لصيقا بحفتر طيلة المحادثات قد ضغط بشدة حسب مصادر، من أجل عدم التوقيع على أمل الحسم العسكري، فقواته التي تتلقى الدعم العسكري اللوجستي والمادي من روسيا وفرنسا ومصر بإمكانها السيطرة على طرابلس خلال أيام، والاتصالات حثيثة مع ميليشيات مصراتة من أجل التخلي عن حكومة الوفاق.

السبب الآخر الذي من أجله رفضت مصر والإمارات الاتفاق، ودول أوروبية أخرى، أن الأتراك سيستفيدون من البترول إضافة للغاز الذي اتفقوا مع حكومة الوفاق على استخراجه، مما يزيد من مواردها الحيوية لتتحول إلى بائع شريك للغاز بعدما كانت ممرا للغاز الروسي.

، هنا يأتي التحول غير المتوقع لحفتر المدين حتى العظم للإمارات التي تدفع الفاتورة الأكبر في تمويل حربه، إذ قال المشري، في مؤتمر صحافي بالعاصمة الليبية طرابلس، إن أطرافا خليجية كانت حاضرة في مفاوضات وقف إطلاق النار بالعاصمة موسكو، ضمن وفد حفتر، من بينهم القائم بأعمال سفارة الإمارات لدى روسيا، الذي كان أحد أسباب عرقلة توقيع الاتفاق في ليبيا“.

السلاح الذي تركه القذافي وراءه متراميا في الصحراء في مخازن السلاح قد أصبح وبالا على الجميع، والميليشيات التي تدعم حفتر الآن لن تقبل هدنة على حسابها، فالنقطة التي أشيع أنها كانت نقطة خلاف شديد مع حكومة الوفاق المتعلقة بحل ميليشيات طرابلس لا تتعلق تماما بالميلشيات التابعة لحكومة الوفاق، بل تتعلق أكثر بميليشيات التي تدعم حفتر.

فقد أعلنت عديد الصفحات والمواقع الإلكترونية الناطقة باسم تلك الميليشيات رفضها القاطع لترك السلاح، وهنا يصبح لزاما على حفتر تأمين خاصرته الأقرب، وعدم تجاهل التهديد المباشر الدي قد يؤدي إلى جبهة داخلية تستنزف جهوده الرامية للاستيلاء على طرابلس.

الذي يعرف طريقة تفكير حفتر يرى بوضوح الطموح الشديد الذي يتلبسه من أجل حكم ليبيا، هذا الطموح لا يمنع عن الرجل وصفه بضيق الأفق الدولي والعجز عن قراءة الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، فالجميع الآن من داعمين ومعادين له لن يسمحوا بوقف دائم لإطلاق النار، وحتى إن كان سيعملون على زعزعته سريعا، من أجل سيل النفط الموجود هناك.

إضافة إلى العامل الشخصي الذي يوليه حفتر جانبا كبيرا في إدارته للأزمة منذ رجوعه لليبيا، فالرجل العنيد (المتهور) قد غادر مبنى الاستقبال التابع لوزارة الخارجية الروسية في موسكو لأنه قد غضب من تجاهل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقائه.

وهذه الجرأة المجنونة على فراره غاضبا من موسكو تذكرنا إلى حد بعيد بما كان يفعله القذافي مع قادة العالم، فقد ترك ليونيد بريجنيف ينتظره أكثر من ساعة احتجاجا على عدم دعم الاتحاد السوفيتي الصريح للعرب ضد إسرائيل.

فلا عجب إذن من تصرف حفتر إذ قال بعض الدبلوماسيين الغربيين والعرب الذين عملوا على حل القضية الليبية طوال سنوات، إنَّهم لم يُفاجَئوا بتصرُّف حفتر.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ حفتر شنَّ هجومه على طرابلس خلال زيارة أجراها الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، وقبل إحدى جولات محادثات السلام المُقرَّرة.

الآن وجب على كل ذي عقل من حلفاء الرجل أو مستعمليه إعادة النظر جديا في جدوى استعمال رجل مزاجي وعنيد ومتهور، ورجل لا يستطيع حساب الوضع بدقة، فلو كان في وقف إطلاق النار ما يجعله يفر لما كان ذهب أصلا، أو أن قائمة مولاته اتسعت فلم يجد من يرضي، هل الروس أم الميليشيات أم مصر والإمارات أم أوهام الزعامة التي تتلبسه.

***

رمضاني سيف ـ كاتب ومدون جزائري

___________