Minbar Libya

بقلم منصور لخضاري

تحولت ليبيا إلى ساحة صراع وتنافس إقليمي ودولي، تتجاوز طبيعته وأهدافه الحسابات التكتيكية والرهانات الظرفية، إلى أخرى استراتيجية  وجيواستراتيجية بعيدة المدى. فما هي رؤية الجارتين تونس والجزائر إلى الأزمة الليبية؟

.الجزء الثالث

حدود إمكانية تأثير المقاربتين، الجزائرية والتونسية، على الأزمة الليبية

يتزامن التصعيد الذي تشهده الأزمة الليبية مع تغييرات سياسية مسَّت أعلى هرم المسؤوليات في الدولة بكل من تونس والجزائر، اللتين شهدتا انتخابات رئاسية أسفرت عن تولي السيد قيس سعيد رئاسة الجمهورية التونسية، بتاريخ 23 أكتوبر 2019، وتولي السيد عبد المجيد تبون رئاسة الجزائر، بتاريخ 19 ديسمبر 2019؛ ما يضع الرئيسين، التونسي والجزائري، أمام أول امتحان دبلوماسي لهما على الصعيد الإقليمي.

لئن أعطت زيارة الرئيس التركي لتونس، بتاريخ 25 ديسمبر 2019، الفرصة للرئيس التونسي للتأكيد على رفض تونس لخيارات التدخل العسكري الأجنبي، والابتعاد عن الاصطفاف إلى جانب أي من أطراف الأزمة، حسب ما جاء في البيان الرئاسي الصادر في اليوم الموالي للزيارة: “تونس لن تقبل بأن تكون عضوًا في أي تحالف أو اصطفاف على الإطلاق، ولن تقبل أبدًا بأن يكون أي شبر من ترابها إلا تحت السيادة التونسية وحدها“.

فبدوره، لم يتأخر الرئيس الجزائري عن التفاعل مع الأزمة الليبية منذ لحظة توليه الرئاسة؛ فكان أن أفرد جانبًا من أول خطاب له، تقدم به خلال مراسم أداء اليمين الدستورية للأزمة الليبية بقوله: “إن الجزائر أول وأكبر المعنيين باستقرار ليبيا، أَحَبَّ من أَحَبَّ وكَرِهَ مَنْ كَرِهلن نقبل أبدًا بإبعاد الجزائر عن الحلول المقترحة للملف الليبي…”، ليعقد بعد أسبوعين من استلامه الرئاسة اجتماعًا للمجلس الأعلى للأمن خصص جانبًا من جدول أعماله لبحث مستجدات الأزمة الليبية كما ورد في برقية وكالة الأنباء الجزائرية التي تضمنت: “درس الأوضاع في المنطقة وبوجه الخصوص على الحدود الجزائرية مع ليبيا وماليقرر في هذا الإطار جملة من التدابير يتعين اتخاذها لحماية حدودنا وإقليمنا الوطنيين، وكذا إعادة تفعيل وتنشيط دور الجزائر على الصعيد الدولي، خاصة فيما يتعلق بهذين الملفين، وبصفة عامة في منطقة الساحل والصحراء وفي إفريقيا“.

فتوجُّهُ الأوضاع في ليبيا نحو سيناريو الاقتتال، واحتمالية سقوط طرابلس بين فكي الحرب الأهلية يمثل هاجسا أمنيا يؤرق الجزائر التي تعتبر طرابلس خطا أحمرَ كما عبر عليه بيان الرئاسة الصادر عقب استقبال رئيس الجمهورية لرئيس حكومة الوفاق الوطني بتاريخ 06 يناير 2020، وهو التوجس الذي يلخص الأستاذ الدكتور امحند برقوق الخبير في الشؤون الاستراتيجية والجيوسياسية، بيانَ أهم أوجه انعكاساته على الأمن بمستوييه الوطني والإقليمي فيما يلي:

  • ظهور موجات لجوء غير مسبوقة نحو تونس بالدرجة الأولى، وبدرجة أقل حدة نحو الجزائر.

  • تحويل ليبيا إلى حاضنة حقيقية لإرهاب عالمي جديد.

  • مضاعفة أعمال التدخل الأجنبي في ليبيا وفي كامل المنطقة.

بعيدًا عن المخاطر والتهديدات الأمنية التي يمكن لمآلات الأزمة الليبية أن تفرزها على الجزائر وتونس، فإن هذا الظرف بما اجتمع له من ظروف سياسية مواتية وأخطار أمنية جادة، يمكن أن يمثِّل فرصة لقيادتي البلدين للقيام بأدوار فعالة في حلحلة الأزمة، وفق ما يحملانه من تصورات مبنية على وعيهما بحدة المخاطر والتهديدات، أكثر من استنادهما إلى الحسابات الظرفية، والرهانات المناسباتية. وهو الدور المنتظر من البلدين القيام به، ولاسيما الجزائر لما تتمتع به من ثقل سياسي، وموقع جغرافي، ومواقف دولية وإقليمية ثابتة وصادقة النوايا.

بالعودة لتصريحات الرئيس الجزائري، تُلتمس الإرادة في جعل الأزمة الليبية مدخلًا ومنطلقًا لعودة الجزائر إلى الفعل والتأثير الدولي والإقليمي، بعد فترة من التواري والتراجع الدبلوماسي نتيجة جملة من الظروف السياسية الداخلية التي مرَّت بها البلاد.

من بوادر انعكاس دخول الجزائر على خط الأزمة الليبية، تلقيها دعوة رسمية من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بتاريخ 06 يناير 2020 لحضور مؤتمر برلين المنتظر عقده لبحث الأزمة الليبية، بعد أن سبق استبعادها من المشاركة فيه.

ومن مؤشراته كثافة النشاط الدبلوماسي ذي الصلة بالأزمة الليبية الذي ترجمه الإنزال الدبلوماسي لعدد من الوفود الأجنبية ذات الصلة المباشرة بالملف الليبي، تمثلت بالأساس في:

  • زيارة رئيس حكومة الوفاق الوطني بتاريخ 06 يناير 2020 الذي لم يخف ثقة حكومته في المجهودات الجزائرية المبذولة للتخفيف من حدة التصعيد ودعم الحل السياسي. وقد تباحث مع الرئيس الجزائري حول آليات تفعيل الاتفاق الأمني المشترك بين الجزائر وليبيا الموقع خلال العام 2012 أثناء انعقاد الدورة الثانية للجنة الأمنية المشتركة والقاضي بتأمين الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

  • وهو الاتفاق الذي يختلف الطرفان في قراءة فحواه، حيث لا ترى الجزائر إمكانية تدخلها عسكريا خارج حدود سيادتها الإقليمية، في حين يسعى الجانب الليبي إلى توظيف الاتفاق للحصول على دعم عسكري لصد عدوان قوات اللواء المتقاعد حفتر على العاصمة طرابلس، بصفتها مجموعات مسلحة تعمل خارج شرعية الدولة.

  • زيارة وزير الخارجية التركي بتاريخ 07 يناير 2020 الذي أكد على ضرورة انخراط الجزائر في مبادرات البحث عن الحلول للأزمة الليبية انطلاقا مما لها من دور محوري لا يمكن تجاوزه، لتتكلل زيارته باتفاق الطرفين على تجنب أي إجراء عملي يزيد في تعكير الأجواء، وبذل كل الجهود لوقف إطلاق النار.

  • زيارة وزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي بتاريخ 08 يناير 2020، الذي عبر عن تطابق وجهة نظر بلاده مع الطرح الجزائري الخاص بسبل حلحلة الأزمة الليبية.

  • زيارة وزير الخارجية المصري بتاريخ 09 يناير 2020 لتباحث سبل حلحلة الأزمة، مع ما لذلك من دلالات نظرا للاصطفاف المصري المعلن إلى طرف اللواء الليبي المتقاعد حفتر.

وبالإضافة إلى هذا النشاط الدبلوماسي البالغ التأثير تم: توجيه دعوة رسمية لرئيس الجمهورية التركية لزيارة الجزائر، فضلا عن توجيه دعوة رسمية لرئيس الجمهورية التونسية لزيارة الجزائر.

يمكن استخلاص دلالتين أساسيتين من هذه الحركية الدبلوماسية المكثفة:

  1.  لا يعني الموقف الجزائري الموصوف بالحياد، الحيادَ عن الأزمة الليبية. بل هو حياد عن الاصطفاف مع أطرافها. فالجزائر لم تخف إعلان موقفها الرسمي والعملي من الأزمة، المتمثل في رفض التدخل العسكري الأجنبي مهما كانت أطرافه ومبرراته، والعمل على توفير الظروف السياسية الداخلية والخارجية بما يتناسب وتمكين الليبيين من الوصول إلى حل ينهي أزمتهم، ويطوي صفحة الخلاف بينهم.

  2.  تأثير التحرك الدبلوماسي الجزائري على مجرى الأحداث، حيث ساهم الموقف الجزائري بفعالية في تريث الأطراف الفاعلة عن الاندفاع نحو خيار الحسم العسكري، وهو ما يدل على الثقل الوازن للجزائر في الملف الليبي.

الرهان الأصعب الذي على الجزائر تحقيقه في الأزمة الليبية على ضوء ما يلفها من مستجدات أبرزها إعلان تركيا عن بداية إيفاد أولى طلائع قواتها العسكرية لليبيا، هو مدى قدرة الدبلوماسية الجزائرية على التمكن من حقن الدماء الليبية، والحفاظ على الحد الأدنى والمخدوش من الشرعية في ليبيا، مع المحافظة على ثوابت سياستها الخارجية وعقيدتها العسكرية. خاصة في ظل وجود محاولات عديدة لجرِّ الجزائر للتدخل العسكري في ليبيا؛ الأمر الذي ترفضه الجزائر ليس فقط للاعتبارات السابق بيانها، بل لإدراكها أن التدخل العسكري الأجنبي لم يُثبت يومًا نجاعته في حلحلة الأزمات الداخلية والإقليمية؛

فهو لن يزيد إلا من زرع بذور الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وإتاحة هوامش جديدة لتحرك الجماعات الإرهابية والإجرامية. وهو ما تجب الاستعاضة عنه بالدعوة للحوار والسلم والعمل على توفير شروطهما، وتنشيط دبلوماسية الشبكات، وتفعيل العمل الإنساني الذي من أوجهه إرسال الجزائر عن طريق مؤسسة الهلال الأحمر الجزائريبتاريخ 2 يناير/كانون الثاني 2020، مساعدات إنسانية للشعب الليبي تمثلت في أدوية ومواد غذائية، وغيرها من الوسائل الضرورية لمواجهة قسوة الأزمة.

من الأوراق الرابحة التي يمكن للجزائر بمعيَّة تونس القيام بها في هذا الظرف وفي ظل هذه الظروف، الالتفات إلى ضرورة إعادة بعث المسار المغاربي المتعطل، بصفته الفضاء الإقليمي المؤسساتي الأقرب والأنسب لبحث الأزمة الليبية، خاصة في ظل توافق رؤية الدول المغاربية على نفس التصور في رفض التدخل العسكري الأجنبي والبحث عن الحلول السلمية بين الإخوة الفرقاء.

فضلًا عن ذلك، على الدبلوماسية الجزائرية التحرك على مستوى الفضاء المتوسطي الذي يبقى من أكبر الفضاءات المؤهَّلة للتأثر المباشر بانعكاسات سيناريو التصعيد العسكري المدعوم بقوات عسكرية أجنبية، وهو ما لا يبدو أنه يخدم مصالح دول الضفة الشمالية للمتوسط التي وإن ترغب في استدامة الأزمة الليبية، فإنها تحرص على عدم تجاوزها حدود الانعكاس على ما يحمل التهديد الجدي لأمن أوروبا.

خاتمة

تتوجه مؤشرات التصعيد في ليبيا بالأزمة نحو درجات أعلى من التعقيد، وتسير بها تجاه اتساع الهوة أكثر بين الإخوة الفرقاء. وبقدر ما سيحققه الوجود العسكري التركي الداعم لحكومة الوفاق الوطني من فرص موازنة القوة المختلة بين أطراف الأزمة على الأرض، فإنه يطرح مخاوف جادة من المآلات التي سينتهي إليها خيار التدخل العسكري الأجنبي المباشر وغير المباشر، في ظل التخوف من احتمالية إعادة إنتاج السيناريو السوري مع كل ما يحمله من أخطار الدعشنة، وتعميق الاصطفاف الأيديولوجي والقبلي والمناطقي بين الليبيين.

فتطورات الأزمة الليبية لا يمكن عزلها عن سياق الصراع الدولي والإقليمي، الساعي إلى إعادة ترتيب وتوزيع موازين القوة بين الفاعلين التقليديين (الولايات المتحدة الأميركية، والدول الأوروبية الاستعمارية…)، وغرمائهم من القوى الصاعدة الطامحة إلى لعب أدوار ريادية في العلاقات الدولية (روسيا، والصين، وتركيا…)؛ ما يجعل من ليبيا ساحة صراع وتنافس إقليمي ودولي، تتجاوز طبيعته وأهدافه الحسابات التكتيكية والرهانات الظرفية، إلى أخرى استراتيجية وجيواستراتيجية بعيدة المدى.

في المقابل، أظهرت تطورات الأزمة الليبية الدور المحوري الذي يمكن للجزائر القيام به في حلحلة وخفض درجات التوتر بين أطراف الأزمة على الرغم من أنها ليست طرفًا ولا سببًا فيها. وهي السانحة التي تسعى الجزائر لحسن الاستثمار فيها، سعيًا منها لاسترجاع مكانتها ودورها على الساحتين الإقليمية والدولية، بعد غياب دام لأكثر من عقد من الزمن.

يدل الموقف الجزائري من الأزمة على وفاء الجزائر لمقاربتها الثابتة في تصورها لحلحلة الأزمة، والقائمة على رباعية:

  • الحفاظ على السيادة والوحدة الترابية لليبيا.

  • رفض التدخل العسكري الأجنبي المباشر وغير المباشر، ومن أي طرف كان.

  • رفض القيام بأي عمل أو دور عسكري خارجي، وأن يكون مجال سيادتها منطَلَقًا أو مَعْبَرًا لعمليات عسكرية أجنبية موجهة ضد ليبيا والشعب الليبي.

  • الدعوة إلى اعتماد الأساليب السلمية والحوار بين الليبيين لبحث الحلول الممكنة لحلحلة الأزمة، ودعوة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في تحقيق السلم والأمن بليبيا.

وهو التصور الذي تشاركها فيه تونس؛ ما يمكن له أن يزيد من تعزيز قوة الموقف والطرح الجزائري على الساحتين الإقليمية والدولية. غير أن الواقع سيجعل الجزائر في مواجهة أطراف إقليمية ودولية، قد لا يخدمها بالضرورة تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا والمنطقة؛ إذ يبقى من أسباب المعضلة الليبية خروج القرار الليبي من أيدي الليبيين، وتجاوزهم إلى أطراف خارجية يدفعها الطموح وتحركها المصالح.

وهو ما يستوجب من الجزائر حسن الاستثمار فيه بالعمل على إقناع الفرقاء الليبيين أن الحل الأوحد للأزمة بين أيديهم، وأن عليهم تجاوزَ الوصاية والأطماع الخارجية التي تسعى إلى جعل ليبيا مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين الخصوم الإقليميين، وفرصة لتحقيق مكاسب إضافية في سباق النفوذ بينهم.

***

منصور لخضاري ـ أستاذ باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مهتم بالشؤون الاستراتيجية والأمنية.

__________