Minbar Libya

بقلم ينس توراو

ما ستتمخض عنه القرارات التي خرجت من مؤتمر برلين حول ليبيا يبقى معلقا بأفق أمل وانتظار، لكن الأمر جدير بمحاولة دولية جادة للوصول إلى حل للصراع في هذا البلد، كما يرى ينس توراو في تعليقه التالي.

منذ سنوات، تجاهد السياسة الألمانية لتأخذ على عاتقها قدراً أكبر من المسؤولية بخصوص قضايا العالم، وبالأحرى فإنها تسعى لتحمل مسؤولية تُنصف دور ألمانيا باعتبارها من القوى الصناعية الرائدة في العالم، ولعلها القوة المركزية في قلب المشهد الأوروبي.

ويبقى موضوع الحديث غامضا في الغالب، هل يتعلق الأمر بالقدرة العسكرية؟ هذا احتمال ضعيف، لأنّ قدرات ألمانيا في هذا الميدان، وموروثها التاريخي تضعان حدوداً ضيقة هنا. إلا أنّ بوسع ألمانيا أن تصبح قوة تدعم الدبلوماسية التقليدية المتوازنة وتجعل منها أداة أكثر فاعلية.

فقد استقبلت المستشارة الألمانية يوم الأحد (19 يناير 2020) في برلين رؤساء روسيا وفرنسا وتركيا ومصر والجزائر، واستقبلت معهم رؤساء حكومات بريطانيا العظمى وإيطاليا، علاوة على وزير الخارجية الأمريكية، وممثلين عن الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

أما ليبيا، وهي البلد الذي تُبذل حوله كل هذه الجهود، فقد مُثلت بالطرفين الرئيسيين الصراع، حكومة فائز السراج المعترف بها دولياً على نطاق واسع، والجنرال خليفة حفتر الذي تسيطر قواته على مناطق واسعة من البلاد. وحقيقة أنّ كلا الرجلين كانا ضيوفاً على اللقاء، ولم يلتقيا مباشرة قط خلاله، تقول الكثير عن الموقف في ليبيا. ومنذ سقوط حاكم البلاد القذافي عام 2011، تعيش ليبيا حروباً تشارك فيها قوى دولية متعددة.

ويتعلق الأمر بالغاز والنفط واللاجئين الذين قد يعبرون من ليبيا نفسها بمساعدة مهربين مجرمين، مخاطرين بحياتهم بعبور البحر الأبيض المتوسط، أو قد يقبعون معانين من أوضاع مزرية مريرة في السجون الليبية. كما يتعلق الأمر بالإرهاب الإسلامي.

هذه الدراما برمتها حظيت على مدى أعوام باهتمام تدنى كثيرا عن الاهتمام بالحرب في سوريا، لكنّ الحرب في ليبيا ما برحت منذ زمن طويل حرباً بالوكالة.

وما يلفت الانتباه حقاً هو أنّ الحكومة الاتحادية (في ألمانيا) قد نجحت في أخذ زمام المبادرة، وجمعت القوى الدولية المعنية في برلين.

ولكن الهدف لم يكن مجرد جمع الأطراف المعنية بالصراع داخل ليبيا ودعوتها إلى الاعتدال، قدر ما كان يتعلق بتحجيم الدور الدولي المُموِّل والمُسلِّح والمستفيد من الصراع في هذا البلد.

ودون المساعدة الدولية، فمن الواضح أنّه لم يكن بوسع الحكومة الرسمية وأمير الحرب الجنرال حفتر أن يتصرفا بالمشهد. أما مسار الدبلوماسية الألمانية فسيبقى صحيحاً بهذا الخصوص.

دور الدبلوماسية بوجه عام، وفي زمن تفشي التعصب القومي على وجه الخصوص، هو أن يجعل مجرد وضع خطة للعثور على حل للوضع في ليبيا تحت مظلة الأمم المتحدة، أمراً جديراً بالملاحظة، خاصة وأنّ كل هذا يجري في وقت بدأ خلاله العالم يتساءل عن لامبالاة الألمان في مواجهة العديد من الحرائق في العالم.

وقد آن الأوان الآن للوصول إلى وقف لإطلاق النار وبإشراف دولي يحتم على الجميع الالتزام بالحظر الدولي الذي ترعاه الأمم المتحدة على واردات السلاح إلى هذا البلد.

وبوسع ألمانيا، خيراً من أطراف أخرى، التعامل مع المشهد الليبي، لأنّها لم تصوت على قرار مجلس الأمن بشأن ليبيا عام 2011، أي، العملية العسكرية التي أطاحت بالقذافي والتي قادتها آنذاك الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، وهي حالة تكررت في أمثلة مشابهة أخرى.

وتعرضت الدبلوماسية الألمانية حينها إلى انتقادات كبيرة، فيما بات الامتناع الألماني عن المشاركة آنذاك، موقفا نافعاً اليوم.

ما حجم التوقعات اليوم بأن تحرز قرارات برلين نجاحاً حقيقياً؟ بالطبع ستبقى رغبة العديد من الدول في غاز ليبيا ونفطها قائمة، لكن، وفوق كل اعتبار، ينبغي على الأوروبيين أن تكون لهم اليد العليا في تفعيل الدبلوماسية في ليبيا.

موجة الهجرة الكبرى الأخيرة قبل أكثر من 4 أعوام، عبر البلقان في حينها، جعلت بلدان الاتحاد الأوروبي على حافة قدرتها في التعامل مع الظاهرة، كما أشاعت القومية الشوفينية والشعبوية. خط هجرة اللاجئين اليوم بين أفريقيا وأوروبا يمر خلال ليبيا.

إذا كانت قرارات برلين جدية، فإنّ مراقبة قوية لإعلان وقف إطلاق النار يجب أن تكون ملموسة ومضمونة في المدى البعيد، بوجود عدد كافٍ من الجنود خاصة مع القوات الأوروبية (التي ستشارك في المراقبة).

وإذا كان الألمان قد أخذوا فعلا زمام المبادرة الدبلوماسية، فلن يعود بوسعهم الوقوف جانبا، حينما يجري نشر قوة المراقبة.

وحتى إجابات المستشارة، اتسمت بالمراوغة بعد المؤتمر. ولكن، بهذا الأسلوب حصراً سيكون بوسع القارة العجوز إثبات جديتها في التعامل مع المشهد الليبي، كاشفة أنها لا تقبل حقاً صراعات جدية على عتبة مداخل القارة، وأنها حريصة حقاً على المساهمة في التهدئة.

وفي ضوء الموقف في ليبيا، يتحدث بعض الخبراء عن واقعية موازيةمحتملة لجهود المفاوضين في مؤتمر برلين.

التأثير الدولي على صفقات السلاح والنفط والمال لم يصل بليبيا إلى نتيجة تذكر، وما زالت قرارات برلين مجرد حبر على ورق، لكنها خيرٌ من لا شيء.

وعلى كل حال، فإنّ الأمر بالنسبة لألمانيا سيبقى محاولة لتعريف ما هو مطلوب بوضوح وهو حرفياً: دور تتحمل فيه ألمانيا المسؤولية بقوة أكبر.

***

ينس توراو ـ محرر في دي دبليو

_____________