Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

اختلف المتابعون والمراقبون في قراءة مخرجات مؤتمر “برلين” وفي نصوص النقاط الــ53 التي تضمنها البيان الختامي الصادر بعد جلسات ولقاءات المؤتمر الذي حضره 12 طرفا دوليا وإقليميا.

فما هي القراءة الأولية لمخرجاته وهل هو فعلا “باليرمو2” أو رقما جديدا من أرقام مؤتمرات دولية عُقدت سابقا حول ليبيا وأزمتها منذ 2014 في القاهرة وأبو ظبي وموسكو وباريس بل ومؤتمرات ولقاءات أخرى في عواصم عدة.

ولماذا سارع مجلس الامن والأمم المتحدة في اجراء تحركات سريعة بعد المؤتمر ولماذا بدت تصريحات الأمين العام مفاجئة رغم أنها معلومة للجميع من حيث مضمونها؟

قراءة أولى لمخرجات مؤتمر برلين

يُمكن الجزم من خلال قراءة فعاليات ولقاءات المؤتمر وقراءة مضمون 53 نقطة التي تضمنها البيان الختامي أن “مؤتمر برلين” ما هو إلا “باليرمو2″بصيغ جديدة ومبتكرة راعت المتغيرات والتطورات العسكرية والسياسية وبالتالي يمكن القول أنه ناجح بمقاييس معينة وفاشل بمقاييس أخرى:

لا يمكن لأي متابع إنكار أن المؤتمر توصل الى التأكيد أن الحل في ليبيا لم لن يكون عسكريا، إضافة الى وجود قناعة راسخة وتامة لدى جميع الفاعلين الاقليميين والدوليين وممثلي المنظمات الإقليمية (الاتحاد الافريقي – الجامعة العربية…)، بأن المضي في التجاذبات غير مجد ومعطل لمصالح كل الأطراف، بل أنه للمرة الأولى يقتنع حلفاء حفتر الاقليميين والدوليين بانه لا فائدة في الالتفاف على ابجديات نقاط التفاهم بين الحاضرين.

المؤتمر فشل وفقا لرؤية البعض لأنه “ليس فيه اي جديد ونوعي” وباستثناء النقطة العسكرية والتي تنص على تشكيل لجنة عسكرية والتي هي من اتفاق تركيا وروسيا، لم يصل الى أي نتائج ملموسة بل قام بالترحيل لمجلس الامن والبعثة الأممية وللجان تنفيذية ورقابية ولدور تركي/روسي، وبعض التفصيلات والبعد التنفيذي رُحلت لجنيف (15 فبراير) وللبعثة الأممية من حيث المتابعة والتنفيذ وللجنة 5 زائد 5.

عمليا يُمكن الجزم أن الحاصل الثابت، أن الأمر عاد بكُليته رغم التحفظ الأوروبي والذي قد تتبعه خطوات، الى تركيا وروسيا بإرادة أمريكية (العبارات نُقلت تحديدا عن مراسل قناة الجزيرة في موسكو ورئيس مكتبها هناك)، ومما لا شك فيه أن تم وضع اغلب الدول الأوربية وخاصة فرنسا وإيطاليا في مأزق بحيث ستجد فرنسا نفسها امام خيار الحياد ولا شيء غيره أما إيطاليا فستجد نفسها أمام تحذير الكف عن التردد ومسك العصا من وسطها.

يُعيد البعض سبب عدم وجود شيء قاطع بالمؤتمر هو تحرك امريكا خلف الستار، ذلك أن الإدارة الامريكية وأجهزة الأمن القومي تحديدا لا تُريد لا أوربا ولا روسيا بثقلها في ليبيا، فالأمريكيون سيقبلون بمصالح اقتصادية للروس نعم ولن يمانعوا في ذلك ولكن سياسيا ومناطق نفوذ لن يسمحوا بذلك في أفق الخمس السنوات القادمة.

المؤتمر رغم كل البهرجة أخرج عمليا والى حد ما كل داعمي حفتر من المشهد، وقد نقلت مصادر ديبلوماسية مطلعة أن الأمريكيين قد نقلوا ذلك للإماراتيين، وأما السيسي فقد فهم الرسالة بنفسه منذ أشهر ودليل كل ذلك هو التجاذب الثنائي داخل المحور “المصري/الاماراتي/السعودي” ( “المصري/الاماراتي” من جهة و “السعودي/الاماراتي” من جهة ثانية)، بشان بعض نقاط وتفصيلات، مع أن هذا المحور سيُحاول العرقلة انطلاقا من التفصيل في المسار الاقتصادي وتلغيم مسار توحيد المُؤسسة العسكرية.

ولكن ذلك أمر يبقى غير وارد نتاج طبيعة رؤية كل من الإدارة الامريكية والكرملين والأتراك ومما لا شك فيه أن وحدة المنطقة الغربية ( بالمعنى السياسي لا الجغرافي) سيكون مُحددا ودافع زمنيا وسياسيا إضافة الى مدى فاعلية حكومة الوفاق وديبلوماسيتها وأداء مؤسساتها الأمنية.

يُمكن القول أن دولة تركيا قد كانت أكبر المستفيدين قبل وبعد المؤتمر فهي قد دخلت بمعاهدة رسمية مع حكومة معترف بها ولن تخرج الا بقرار أممي وهذا جد مستبعد حاليا، ولكن ذلك من الوارد أن يتم بعد الخروج المتدرج لحفتر الشخص (لا المشروع).

ومن الوارد جدا ان يتم اخراج الاتراك خلال الأسابيع والأشهر القادمة مقابل إنهاء حفتر، أما الجرنال المتقاعد فهو سيبحث في هوامش ضم أحد أبنائه أو بعضهم في الحل السياسي ذلك ان إيقاف المعارك يعني انقسام تيار الكرامة الذي أسسه في مايو 2015 ولعل ذلك ما حدث اثر نهاية المؤتمر في محوري “الخلاطات” و”صلاح الدين..

حضور الجزائر للمؤتمر كان وسيكون عاملا دافعا للحل السياسي نتاج التوازن الذي مثله مقابل الحضور المصري، كما سيكون عاملا مُشجعا للتونسيين والمغربيين من أجل بلورة رؤية مغاربية في الملف الليبي والدفع نحو مصالحة وطنية في ليبيا تشمل الجميع.

والجميع هم من كانوا ( أنصار النظام الملكي) أو ( أنصار القذافي) أو ( أنصار 17 فبراير 2011)، وذلك من أجل دفن آلام الماضي ومن أجل بناء دولة مدنية قوية وبالتالي تجاوز عقليات وخيارات “سيسي ليبيا” و”قذافي2″ والارتهان والتبعية.

الطرف الأوروبي بدت مواقفه متناقضة ولم يعد بل ولم يكُن يوما وحدة متكاملة في التعاطي مع الملف الليبي، ذلك أن تسريبات نُقلت من داخل اجتماعات الاتحاد الأوروبي وجود أطراف داخله تسعى الى محاولة إيقاف التبادل التجاري بمختلف أنواعه مع ليبيا.

إضافة الى تواصل التردد الإيطالي وعودة فرنسا الى دعم حفتر وان بدرجة أقل من السابق بعد خطوة سابقة في اتجاه الحياد، أما الالمان فقد بدوا أكثر حيادا وحزما وعزما في التعاطي مع الملف بعقلية حيادية ولعل تصريحات ميركل أول أمس الثلاثاء تعبر عن ذلك.

سر التحرك الاممي السريع والمفاجئ وترتيبات مؤتمر جينيف

تتلخص المُخرجات كما أكدنا أعلاه في دور أكبر لمجلس الأمن الدولي وتحديدا للبعثة الأممية ونقل الجزء الأكبر من الملف لمؤتمر جنيف والذي يخشى المتابعون وبعض السياسيين والناشطين الليبيين في ان يلقى مصير المؤتمر الجامع.

ولكن بدت مواقف الأمين العام ورئيس البعثة وتصريحاتهم مفاجئة بعد يومين من مؤتمر برلين، خاصة وأن الأمين العام انتقد الجنرال المتقاعد خليفة حفتر وقواته وحلفائه الإقليميين لأول مرة بتلك الصيغة وهو ما لم يقله حتى عندما هاجمت قواته العاصمة .

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وجه مساء أول أمس الثلاثاء، رسالة علنية للواء الليبي المتقاعد “خليفة حفتر”، عقب انتهاء جلسة مشاورات مغلقة لمجلس الأمن، لمناقشة ملف الأزمة الليبية في مرحلة ما بعد مؤتمر برلين، حيث دعاه إلى “القبول الكامل بمخرجات مؤتمر برلين”، مشددا على أهمية “إظهار القيادة في مثل هذه المواقف، من أجل بقاء ليبيا موحدة وقادرة على أن يحكمها الليبيون في سلام وأمن وتعاون مع جيرانها”.

وطالب “غوتيريش” جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بالالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، لافتا إلى أن “الدول الخمس دائمة العضوية بالمجلس (أمريكا وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا) كانت متواجدة في مؤتمر برلين”.

واستدرك “غوتيريش” قائلا: “لكن كل هذا هو مجرد بداية فحسب، خاصة أن أحد طرفي الصراع (أي حفتر رغم أنه لم يسمه في هذا الجزء من التصريح)، لم يؤكد بشكل علني حتى الآن دعمه لمخرجات مؤتمر برلين (..)، نعم لدينا هدنة تشهد بعض الخروقات (..)، ونحتاج إلى الانتقال لمرحلة وقف إطلاق النار، وبعدها إلى عملية سياسية حقيقية، ونحن لم نصل إلى هذه المرحلة بعد”.

من جهة أخرى قالت الأمم المتحدة، إنها لا تملك القدرة الكافية لمراقبة وقف إطلاق النار بليبيا على نطاق واسع، داعية طرفي النزاع للالتزام بوقف إطلاق النار، وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، “استيفان دوغريك”، إن “الأمم المتحدة لديها بعض القدرة على الإبلاغ بشأن انتهاكات وقف إطلاق النار، لكننا لا نملك قدرة كبيرة تمكننا من المراقبة على نطاق واسع”.

وأضاف “دوغريك”، في مؤتمر صحفي: “نكرر دعوات من شاركوا في مؤتمر برلين إلى ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار، وندعو جميع الدول الأعضاء (في الأمم المتحدة) إلى الضغط على الطرفين، بغية إسكات صوت الأسلحة”.

وتابع: “هناك هدنة هشة في طرابلس، ونحن في البعثة الأممية نقوم بالإبلاغ، لكننا لن نستطيع مراقبة وقف إطلاق النار على نطاق واسع”.

تضمن التقرير الاممي إشارة الى ان النساء في شرق ليبيا تعرضن للخطف هي رسالة مبطنة لحفتر بان الأمم المتحدة تعلم وتتابع كل الانتهاكات لحقوق الانسان وان ذلك الأمر له ما بعده خاصة وان “محمود الورفلي” والمطلوب دوليا نتاج انتهاكاته الفظيعة لحقوق الانسان محميّ من طرف “حفتر” ورجاله.

انتقادات المبعوث الأممي أيضا طالت حلفاء حفتر الإقليميين تصريحا وتلميحا على غرار قوله “سجلنا 6 غارة جوية شنتها طائرات مقاتلة أجنبية داعمة لحفتر منذ اندلاع العدوان”، مضافا لذلك إشارات أخرى معلنة ومبطنة لبقية حلفائه سواء كانوا محليين وأيضا الإقليميين والدوليين.

عمليا بدأت الترتيبات الأممية للقاء جنيف المنتظر عقده يوم 15 فبراير القادم بين الأطراف الليبية رغم الانتقادات حول الترتيبات الفنية وهوية الأطراف المشاركة وتواصل الانتقادات للمبعوث الاممي غسان سلامة والمتهم بعدم الحيادية والتقلب في المواقف وفي تعاطيه مع تفاصيل المشهد.

في الأخير ورغم الرسالة التي حملها مؤتمر برلين للبعثة ومجلس الأمن من خلال النقاط التي تضمنها البيان الختامي ورغم ان تصريحات الأمين العام بدت للبعض عادية الا انها لا يمكن ان تكون كذلك وان لها ما بعدها خلال الأيام والأسابيع القادمة سياسيا وميدانيا وفي تفاصيل المشهد وطبيعة الباقين والمغادرين من لاعبيه السابقين بما في ذلك الرئيسيين فيه.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

______________

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية