Minbar Libya

بقلم د. نورة الحفيان

الوضع في ليبيا ومنذ بدء العملية العسكرية لخليفة حفتر في أبريل 2019 يتطلب من مجلس الأمن الإضطلاع بدوره وإحالته إلى المحكمة الجنائية الدولية نتيجة ارتكابه لجرائم حرب ضد الإنسانية.

.الجزء الأول

إن انتشار ظاهرة الجريمة الدولية أصبح يشكل تهديدا خطيرا على استقرار الحياة الدولية. لذلك سعى المجتمع الدولي لاجتناب وقوعها بشتى الطرق والوسائل، وذلك من خلال مؤسسات العدالة الجنائية التي تناولت في اختصاصها الموضوعي أنواع هذه الجرائم، كما حددت الهيئات والهياكل التي تختص بالقبض على مرتكبيها والتحقيق معهم وتقديمهم للعدالة نتيجة تأثيرهم على الأمن والسلم الدوليين.

وتعد جرائم الحرب أخطر الجرائم الدولية وأبشعها على الإطلاق، بحيث أخذت النصيب الأكبر من اهتمام المجتمع الدولي منذ زمن بعيد، جراء ما شهدته الإنسانية من مآس خلال الحربين العالمیین الأولى والثانية وما خلفته هذه الحروب من دمار شامل راح ضحيته الملايين من المدنيين، في خرق وانتهاك خطير لقواعد القانون الدولي.

إذاً، فقد عرفت البشرية عبر مختلف مراحل تطورها حروبا ونزاعات دولية وداخلية ومن أحدثها الحالة الليبية التي شهدت مآس اهتز لها الضمير الإنساني نتيجة ارتكاب مجازر وحشية راح ضحيتها الآلاف من المدنيين الأبرياء من طرف جماعات مسلحة.

ومن أبرزالجماعات المسلحة القوات التابعة لخليفة حفتر، التي ومنذ 2014 وإلى حدود الآن مارست شتى أنواع العنف في حق الليبيين وذلك في انتهاك صارخ للقانون الدولي بشقيه: المتعلق بالقانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني.

ومازالت تلك القوات تستمر إلى غاية الآن وبمعية أطراف إقليمية أبرزها مصر والإمارات والسعودية ودولية أهمها فرنسا؛ فـي قتل مئات المدنيين وقصف العديد من الأماكن الآهلة بالسكان وتدمير مجموعة من المنشآت العامة والخاصة، وهذا مـا يؤكد وبشكل واضح مسؤولية هذه الأطراف عن تلك الجرائم.

 لذلك، فقد بات من الضروري محاكمـة مرتكبيها باعتبار أن مسـاءلة مرتكبي جرائم الحرب جنائيـا يعد مبدأ راسخا في القانون الجنائي الدولي ويشكل قاعدة آمرة لا يمكـن مخالفتها.

وهذا ما تم تكريسه من خلال نظـام المحكمـة الجنائية الدولية حتـى لا تطغى قاعدة الإفلات من العقاب وبالتالي عدم محاسبة مقترفي هذه الجرائم التـي توصف على أنها الأشد خطورة على السلم والأمن الدوليين.

وعلى هذا الأساس فإن الجرائم التي ارتكبـت في حق المدنيين الليبيين تصنف على أنها جرائم حرب وذلك بموجب المادة الثامنة من نظـام المحكمـة الجنائية الدولية والتي تستوجب محاكمـة كل مـن ارتكبها أو ساهم أو حرض على ارتكابها.

ولمزيد من التوضيح حول الموضوع ارتأينا تقسيمه إلى المحاور التالية:

أولا: تعريف جرائم الحرب

تعتير جرائم الحرب من أقدم الجرائم الدولية وأشدها خطورة لما تخلفه من دمار شامل يطال الحياة بكل مكوناتها، وذلك على نطاق واسع من خلال استعمال أسلحة محظورة دوليا سواء في النزاعات والصراعات الدولية أو الداخلية.

ويعد ميثاق محكمة نورمبورغ الخاص بمحاكمة كبار مجرمي الحرب العالميـة الثانية من أوائل وأبرز الوثائق الدولية التي تناولت ماهية جرائم الحرب، بحيث عرف في المادة السادسة منه هذا الصنف من الجرائم على أنها: “تلك التي تشكل انتهاكا لقوانين الحرب وأعرافها من خلال قتل المدنيين وإساءة معاملتهم وإبعادهم قسريا وقتل الأسرى والرهائن والتنكيل بجثثهم، ونهب الأملاك والأموال العامة والخاصة، وتدمير المدن والقرى وهي كلها أفعال لا تبررها الضرورة العسكرية.

وفي نفس السياق، ذهب ميثاق محكمة طوكيو الخاص بمحاكمة مجرمي الحرب في الشرق الأقصى في المادة الخامسة منه إلى تعريف جريمة الحرب على أنها: “جرائم وأفعال جسيمة ترتكب أثناء الحرب وتنتهك من خلالها الاتفاقيات والقوانين والأعراف الخاصة بالحرب.

أما نظامي محكمتي يوغوسلافيا وروندا، فقد وسع كل منهما نطاق جرائم الحرب، بحيث نص الميثاق المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، على أن المحكمة تختص في ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الأربعة سنة 1949، والانتهاكات الخطيرة الأخرى لقوانين الحرب وأعرافها سواء في النزاع الدولي أو الداخلي.

بينما عرف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، في مادته الرابعة جرائم الحرب على أنها تلك الانتهاكات التي تمس الحياة وسلامة الأشخاص الجسدية أو الفكرية، وذلك عن طريق القتل العمدي أو من خلال التعذيب والمعاملات الوحشية الماسة بالكرامة بالإنسانية.

أما تعريف نظام روما الأساسي المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة، فقد جاء أكثر دقة وشمولية وتفصيل في تناوله لجرائم الحرب، بحيث اعتبرها في المادة الخامسة منه على أنها تلك الجرائم التي تصنف ضمن الجرائم الدولية.

أما المادة الثامنة والتي حملت عنوان جرائم الحرب فقامت بتعداد هذه الجرائم على سبيل المثال لا الحصر. وهي:

  • الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949، أي تلك المرتكبة في النزاعات المسلحة الدولية.

ومن أبرزها القتل العمد، والتعذيب والمعاملات اللاإنسانية من خلال تعمد إلحاق الأذى الشديد على المستوى الجسدي والنفسي، وتدمير الممتلكات والاستيلاء عليها، والاعتداء على الأسرى وانتهاك حقوقهم وكذا الإبعاد والتشريد القسري.

  • الانتهاكات الخطيرة للقوانين والأعراف الواجبة التطبيق في النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية والمتمثلة أساسا في تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين والذين ليس لهم علاقة بالعمليات الحربية، وتدمير الأعيان المدنية، واستهداف المنشآت العامة في مختلف الميادين: سواء الدينية، التعليمية، الصحية وغيرها… وذلك من خلال استعمال أسلحة وغازات محظورة دوليا…

  • الانتهاكات الجسيمة للمادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف لعام 1949 أي تلك المرتكبة في النزاعات المسلحة غير الدولية.

وتشمل استخدام العنف ضد الحياة الإنسانية وبالأخص القتل وكل ضروب التعذيب والمعاملات اللاإنسانية التي تشكل اعتداءً وإهانة لكرامة الأشخاص. بالإضافة إلى تنفيذ سلسلة إعدامات خارج إطار القانون.

ثانيا: طبيعة جرائم الحرب المرتكبة من طرف قوات حفتر في ليبيا

تعددت أصناف جرائم الحرب التـي ترتكبها قوات خليفة حفتر في مناطق متفرقة وعلى نطاق واسع في الأراضي الليبية من الشرق إلى الغرب منذ 2014.

وتعـد أعمال القتل غيـر المشروعة والتي ترتكب بشكل عمدي والتي تشمل الاعتداء على المدنيين الآمنين.

من أبرز سمات الحرب التي يشنها خليفة حفتر وقواته. بحيث تمارس هذه القوات كل تلك الأفعال الإجرامية بمساعدة لوجستية وتمويلية من أطراف إقليمية أبرزها مصر والإمارات والسعودية ودولية من أهمها فرنسا، وتمثلت هذه الأعمال الوحشية في التالي:

  • أعمال القتل غير المشروع والتي ارتكبت بشكل عمدي، وذلك في إطار مواصلة الهجوم واسع النطاق على السكان المدنيين.

  • استهداف المناطق المدنية بالقصف العشـوائي خصوصا المناطق الرافضة لتواجد قوات حفتر على أراضيها ومن أبرزها مدن طرابلس الزنتان. ومصراته والزاوية.

  • إنشاء سجون سرية لقتل وتعذيب الأسرى والمعتقلين فـيها تعسفيا وممارسة الإعدامات خارج نطاق القانون، والإقدام على اختطاف المدنيين وإخفاءهم قسريا.

  • تجاوز حجم هذه الجرائم الهجوم على المدنيين لتصل إلى حد استهداف ومهاجمة الطواقم الطبية وقصف سيارات الإسعاف والتي يكون دورها مساعدة وإنقاذ أرواح الليبيين الذين تعرضت مساكنهم للقصف العشوائي.

  • سطو ونهب الممتلكات والأموال العامة والخاصة.

  • الاتجار في البشر وذلك من خلال تورط قوات حفتر في مسألة تهريب المهاجرين غير الشرعيين.

البقية في الجزء الثاني

***

د. نورة الحفيان ـ باحثة مغربية، حصلت على درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام، والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، المغرب، نوفمبر 2015.

__________

المعهد المصري للدراسات