Minbar Libya

بقلم محمود جمال

هذا التقرير يخلص إلى أن احتمالية التدخل العسكري البري للقوات المصرية في الداخل الليبي بشكل أكبر في الفترة المقبلة أصبحت كبيرة، خاصة بعد طلب عقيلة صالح من الجيش المصري للتدخل في ليبيا أمام البرلمان المصري.

الجزء الأول

منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلي سدة الحكم في مصر بعد الانقلاب العسكري الذي قام به علي أول رئيس مدني منتخب، الدكتور محمد مرسي، في 3 يوليو 2013م، وهو يعمل على تغيير عقيدة الجيش المصري.

فبعد أن كان العدو الأول للجيش المصري هو الكيان الصهيوني، أصبحت جماعات وحركات، وتحديداً حركات الإسلام السياسي، هي العدو الأساسي والمباشر للجيش المصري.

هذا بالإضافة الي أن السيسي منذ اللحظات الأولي للسيطرة على الحكم في مصر وهو يعمل على إجهاض ثورات الربيع العربي بشكل عام في المنطقة واصطف في المحور السعودي الإماراتي الذي يشاركه نفس الهدف، وكان هذا من أهم الأسباب التي دفعت نظام السيسي لتبني الدعم الكامل لمشروع خليفة حفتر في ليبيا.

كان خليفة حفتر قد أعلن في فبراير 2018 خلال مقابلة مع مجلة “جون أفريك” الفرنسية، عن أسباب توافقه مع السيسي في الأهداف الاستراتيجية حيث قال: “مواقفنا تقترب في الواقع، ووضع بلاده عندما وصل إلى السلطة مشابه لموقف ليبيا اليوم”. وتابع: “عدونا الكبير، الإخوان المسلمون، يهددون بلداننا وجيراننا الأفارقة والأوروبيين على حد سواء”.

أولا: الدوافع الأساسية الحاكمة للدور المصري في ليبيا

1: مواجهة الإسلام السياسي والثورات العربية

سياسة السيسي تجاه ليبيا تأتي في سياق تعزيز أركان حكمه، من حيث ضمان عدم وصول الإسلاميين للحكم في ليبيا؛ الذي يرى أنهم هم التهديد الحقيقي لنظامه، بالإضافة الي أن السيسي منذ اللحظات الأولي للسيطرة على الحكم في مصر وهو يعمل على إجهاض ثورات الربيع العربي بشكل عام في المنطقة ويشارك السيسي في ذلك التوجه كلاً من النظام الإمارتي بقيادة محمد بن زايد والنظام السعودي بقيادة محمد بن سلمان.

2: الدور الوظيفي

التدخل العسكري المصري في ليبيا يندرج تحت الدور الوظيفي لمصر في الاستراتيجيات الأمنية الدولية في المنطقة، وأن النظام العسكري الحاكم في مصر يراهن على أهمية ومكانة الدور المصري، وتحديداً الجيش المصري بما لدية من إمكانيات، للقيام بهذا الدور بغض النظر عن توافقه أو تعارضه مع المصالح الوطنية المصرية.

فالجيش المصري لم يعد يهتم إلا بما يخدم استقرار واستمرار النظام، ومن هذا المنطلق فهو يتوافق مثلاً مع الأهداف الفرنسية والروسية في ليبيا ويؤدي أدواراً في إطار تحقيق هذه الأهداف.

3: دعم الشخص العسكري وليس المؤسسة الديمقراطية

من المحددات الأساسية التي دفعت السيسي لدعم خليفة حفتر هي سياسة “الحاكم الفرد” فالسيسي منذ اللحظات الاولي من حكمة سعي لتأسيس حكم الفرد العسكري القوي، وليس حكم المؤسسات التي تقتضي مشاركة عدد من المؤسسات في الحكم وصنع القرار، فالسيسي يريد ترسيخ ذلك النموذج أيضاً داخل الدولة الليبية، ليسهل السيطرة عليه وتوجيهه بما يخدم التوجهات المطلوبة.

4: تسهيل الحصول على المنتجات البترولية

من أهم المحددات الأساسية التي تدفع السيسي لدعم خليفة حفتر، هو تأمين الحصول على المنتجات البترولية المتواجدة داخل ليبيا بشكل مستمر وأسعار تفضيلية.

فقوات خليفة حفتر تسيطر في منطقة الهلال النفطي في شرق ليبيا، على أهم أربعة موانئ تخرج منها المنتجات البترولية (السدرة وراس لا نوف والزويتينة والبريقة) .

وكان أحد أهداف السيسي في دخوله المعترك الليبي هو تأمين جزء من احتياجات مصر البترولية عند حدوث أي سبب مفاجئ يؤدى لحدوث نقص أو أزمات داخل الدولة المصرية.

وبالفعل عندما توقفت شركة “أرامكو” الحكومية السعودية للطاقة عن إمداد مصر بالمواد النفطية في مطلع شهر أكتوبر 2016 أعلنت ليبيا إنها مستعدة لتوفير كل احتياجات مصر من النفط وأكد النائب زياد دغيم، عضو مجلس النواب الليبي، أن مجلس النواب الليبي طالب الحكومة بتقديم دعم لمصر بشحنات البترول اللازمة دون مقابل.

5: المتغير التركي في المعادلات الليبية

يري البعض أن من المحددات التي دفعت مؤخراً النظام المصري للانخراط بشكل أكبر في الملف الليبي، هي دخول الجانب التركي بشكل مباشر في الساحة الليبية لدعم الحكومة الشرعية في طرابلس، بقوات عسكرية تركية وكذلك بالإمداد بالسلاح، بالإضافة الي إبرام اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين الدولة التركية والحكومة الشرعية بطرابلس بقيادة فايز السراج.

نظام عبد الفتاح السيسي هو جزء من التحالف السعودي الإماراتي، وذلك التحالف يهدف بالأساس الي مواجهة التحالف التركي القطري الذي يدعم الثورات العربية في المنطقة بشكل عام.

ويعتبر الحلف المصري الإماراتي السعودي أن الحلف التركي القطري يهدد مصالحهم الاستراتيجية بالمنطقة.

ويأتي هذا المفهوم بديلاً عن التعاون المشترك مع تركيا الذي قد يكون في صالح مصر بشكل أكبر، فعلى سبيل المثال، فإن أسس الاتفاق التركي الليبي حول الحدود البحرية هو في صالح مصر حيث يضيف إليها قدر معتبر من المياه الاقتصادية.

عمل النظام المصري على دعم حفتر خلال الست سنوات الماضية، بكافة الأشكال، التي سنتناولها في السطور الأتية.

ثانياً: أشكال الدعم لخليفة حفتر

1-: الإمداد بالسلاح

منذ أن بدأ خليفة حفتر عملية الكرامة في منتصف عام 2014م في ليبيا، ظهر جلياً مدى التعاون والتقارب العسكري بين مصر والقوات التابعة لخليفة حفتر، وتنوع الدعم المصري ما بين التدريب والإمداد بالسلاح وحتى دخول قوات مصرية للمشاركة في العمليات العسكرية على الأرض، بالإضافة إلى القيام بضربات جوية بمشاركة القوات الإمارتية في داخل الأراضي الليبية في مناطق الشرق والغرب والجنوب الليبي.

ففي شهر مارس من عام 2015م، كشف تقرير للأمم المتحدة عن عمليات تهريب سلاح إلى ليبيا قامت بها مصر والإمارات، كما اتهم التقرير القوات التي يقودها خليفة حفتر بتعقيد عملية الانتقال السياسي وزيادة المشكلات الأمنية في البلاد.

وتحدث التقرير المطول عن عمليات تهريب سلاح لا تشمل نقل الذخائر والسلاح فقط، بل بتحويل طائرات مقاتلة مصرية إلى ليبيا أيضا.

وبخصوص انتهاكات حظر الأسلحة، قال التقرير إن الإمارات صدّرت بشكل غير مشروع أسلحة إلى ليبيا وإنهم تلقوا معلومات تفيد بأن أبو ظبي نقلت عتاداً عسكرياً إلى مدينة طبرق شرق البلاد أواخر عام 2014م.

كما أكد التقرير إدخال طائرات حربية تعود ملكيتها لمصر في سلاح الجو الليبي، لكن معالمها أُخفيت عن عمد. وأشار التقرير إلى أن مصر قدمت الدعم العسكري لعملية الكرامة، ومجلس النواب المنحل في طبرق.

وطبقاً لمصادر عسكرية مطلعة من الجانبين المصري والليبي، فإن الجيش المصري منذ مايو 2014م يقوم بنقل معدات عسكرية مصرية الصنع وإمارتية الصنع منها الثقيلة والخفيفة لصالح قوات خليفة حفتر، وكانت تلك المعدات تنقل أحياناً عن طريق الجو وأحياناً أخرى عن طريق البر من ناحية المنطقة الغربية العسكرية المصرية المتاخمة للحدود الليبية المصرية.

وكان من مهام قيادات المنطقة العسكرية الغربية في مصر تأمين وتسهيل عملية انتقال المعدات العسكرية الي الأراضي الليبية.

يتبع في الجزء التالي

***

محمود جمال ـ باحث، ومدير وحدة الرصد والتوثيق، بالمعهد المصري للدراسات .السياسية والاستراتيجية

___________