Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

في ظهوري الإعلامي مع بداية العدوان على العاصمة قلت إن هذه الحرب ستنقل الأزمة الليبية إلى مستوى أكثر تعقيدا، وأن نتائجها وخيمة سواء انتصر حفتر أو تمت هزيمته.

انتصار حفتر يعني حكما مثيلا للقذافي وربما أكثر منه وحشية، كما يعني ارتهان مصير البلاد إلى الأطراف التي دعمته، خاصة الإقليمية منها.

أما هزيمته فتعني أن سيناريو التقسيم سيصبح واقعا مقننا وسيأخذ شكله الرسمي ربما. فلقد أظهر حفتر مؤخرا مؤشرات على قابليته لهذا السيناريو في حال اتجه الموقف الدولي إلى منعه من دخول العاصمة بالقوة ودفعه للمشاركة في القرار، مع وجود القوات التي صدت عدوانه وتتمرس بترسانة سلاح ومقاتلين متمرسين لا يستطيع معهم الانقلاب.

النفس الجهوي بعد الحرب

التقسيم صار لسان حال شريحة ليست بالقليلة من سكان المنطقة الغريبة بعد الحرب، خاصة طرابلس، فقد صار اعتياديا أن تقرأ لمن يصنفون ضمن العقلاء والمتدينين عن رغبتهم صراحة في فصل الرباط مع برقة، وصارت صورة القوسالذي كان يفصل جغرافياً بين برقة طرابلس منتشرة في صفحات التواصل الاجتماعي.

أيضا أخذ الخطاب الجهوي مسلكه ليبرز بشكل واضح ويصبح نفسا مطلوبا، وأنه ردة الفعل الطبيعية والصحيحة تجاه جهوية الشراقةالذين وقعت شريحة منهم في هذا القاع الآسن، سواء في محاور القتال، أو من قبل من يحسبون أنفسهم على المشائخ والأعيان.

والحقيقة التي لا جدال فيها هي أن المنطقة الغربية كانت رافضة في غالبيتها، وعلى لسان أبرز ممثليها للجهوية ولمنطق الانفصال والتقسيم، وأن مفردة التقسيم والانفصال وردت أول ما وردت في كلام مكرر لبعض نشطاء وساسة المنطقة الشرقية، متخذينها ورقة ضغط، والأمر عندهم مرغوب في حال وقوعه.

ولاحظ معي أنه تم لجم المطالب والمساعي لعمل عسكري من الغرب للشرق، خاصة بعد غلق حقول وموانئ النفط في العام 2013م وقد انعكس هذا على عملية الشروق التي لم تلق دعما واسعا برغم أنها قرار من السلطة الشرعية الوحيدة آنداك.

وكل العمليات العسكرية التي كانت تتخذ من مناطق الغرب منطلقا لها كانت عمليات ينفذها أبناء مدن الشرق مستفيدين من هوامش الحركة، ولم تكن مشروعا مدعوما من قبل دوائر فاعلة في الغرب الليبي.

جهوية وجهوية مضادة

لكن هذا الوضع شهد تغيرا بعد الحرب، وكان لمشاركة أعداد كبيرة من أبناء برقةفي الحرب ونقل مشاهد صوت وصورة تظهر درجة من الحقد والكراهية؛ الأثر الأكبر في ارتفاع النفس الجهوي الذي دندن حوله نشطاء لهم متابعين كثر، إذ لم تعد الجهوية القاسم بين جبهة الكرامة وجبهة الوفاق، بل إنها تسللت إلى جبهة الوفاق لتصبح سببا للخلاف بين مكوناتها من أبناء الشرق والغرب.

هذه اللوثة هي من أخطر نتائج الحرب، وتشبُّع كثير من الشباب والنشطاء بها خلال الأشهر الماضية ينبئ بوضع صعب حتى في حال الوصول إلى اتفاق سياسي.

التأجيج النخبوي

جذور الجهوية تمتد لعقود بل ربما قرون، إلا إنها تراجعت مع مقاربة الملك الادريس في إدارة الدولة، وحكمة كثير من الساسة والأعيان في تلك الفترة.

في حقبة القذافي كان الترغيب والترهيب سببا في طمس النفس الجهوي.. الترغيب باستمالة الاعيان والمبرزين من المتعلمين والنشطاء من كافة المكونات، والترهيب بقمع أي شيء له علاقة بالجهوية، حتى أنه صار محظورا تداول أسماء الأقاليم الثلاثة خاصة برقة.

ومع فرض الاتجاه القومي في التعليم والإعلام وغيره، نشأ جيل لا يعرف عن تاريخ ليبيا المعاصر شيئا، بل قليل البضاعة في سبل التعايش والتكامل.

وما أن انتهى حكم القذافي حتى برز النفس الجهوي، ولكنه وللأسف في صورة غير رشيدة.

وأعود لأقول بأن النخبة مسؤولة عن هذا الوضع الصعب، من خلال تورط عدد من عناصرها بشكل مباشر، أو صمت الأغلبية وعدم تصديها لهم، وتركوا المجال لبعض العابثين لإثارة هذا الوباء.

بدأت الحملة من الشرق عبر الأبواق الوضيعة في المنابر الإعلامية الهدامة ووجدت لهدا أصداء في الغرب، وبعض هؤلاء يثيرك من كلامه ريبة، فقد شاهدت لأحدهم العام 2018م مقطعا يقسم فيه بالأيمان المغلظة أن أهالي برقة سيكونون سكان من الدرجة الثانية وفق تخطيط الطرابلسية، وفي العام 2019م يتحدث عن استهداف طرابلس بكل ما لها من إرث من قبل الرعاعالبرقاويين.

والمطلوب وقفة من أهل البصيرة والحكمة هدفها تحييد التناقضات الاجتماعية والاختلافات ذات الطابع الجهوي من ساحة المواجهة اليوم.

فهزيمة حفتر لا تتطلب تذكير الناس بأصولهم الطرابلسيةولا كره أهل الشرق ووصفهم بأقذع الأوصاف، فمن بين الشراقة من يتصدى للعدوان ببسالة.

وحفتر دمّر الأحياء القديمة والتاريخية في بنغازي وفي درنة قبل أن يهاجم طرابلس، ولن نعدم الوسيلة في دحر العدوان إذا تجرد العقل والقلب من الآفات القاتلة.

***

السنوسي بسيكري ـ مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية

___________