Minbar Libya

قصة الدعم الذي أكرهت المملكة الهاشمية على تقديمه لحفتر

بقلم مصطفى الزواتي

«المدرعات التي استخدمتها قوات الليبي المتقاعد خليفة حفتر لمهاجمة طرابلس جاءت من الأردن»، قد يبدو الحديث عن الدعم الأردني لحفتر غريباً للبعض. ولكن الواقع أنه على الرغم من أن الدعم الأردني لحفتر غير مطروق إعلامياً بشكل كبير إلا أنه موثق بتقارير من الأمم المتحدة.

.الجزء الأول

فمنذ بدء حملته العسكرية المسماة «عملية الكرامة» ببنغازي في مايو/أيار 2014، تواترت الأدلة عن وجود دور أردني على خط الأزمة الليبية، عبر مد قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بأسلحة ومعدات عسكرية رغم الحظر الأممي.

 واتهم التقرير الأخير الذي أعدّه خبراء من الأمم المتحدة بشأن ليبيا، وسُلّم إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي، كلاً من الأردن والإمارات وتركيا، بانتهاك حظر الأسلحة المفروض على البلاد منذ إسقاط نظام القذافي عام 2011. 

ولئن بدا اتهام الإمارات وتركيا طبيعياً، فإن اللافت والمثير للتساؤلات هو ظهور اسم الأردن في التقرير.

وهذا يعود إلى أن عمّان لم تكن ظاهرة على الساحة الليبية، برغم ميلها إلى معسكر المشير خليفة حفتر، منذ سنوات بل منذ ظهور الجنرال المارق على الساحة عبر انقلاب على المؤتمر التأسيسي المنتخب عام 2014.

الدعم الأردني لحفتر بلغ حد استقباله من الملك

زيارات حفتر إلى الأردن قوبلت بالحفاوة والترحيب.

فقد التقى حفتر الملك الأردني عبدالله الثاني في مايو/أيار 2015، وتتالت بعد ذلك زياراته الرسمية التي قابل خلالها مسؤولين كباراً في الدولة الأردنية.

 وتشير تقارير إلى أن الأردن سلّم حفتر عربات عسكرية؛ من بينها المركبة «Al Mared 8×8»، وهي من إنتاج وتصميم «مركز عبدالله الثاني للتصميم والتطوير»، والمركبة المدرعة «Mbombe 6×6» التي يتم إنتاجها وتجميعها بشكل مشترك بين الأردن وجنوب إفريقيا من قِبَل شركة «Paramount» للصناعات العسكرية. كذلك، خرّج الأردن من وحدات مختلفة في كلياته العسكرية دفعات متتالية من قوات حفتر منذ عام 2015 حتى الآن.

الوجود الأردني بدأ بالتزامن مع ظهور حفتر

 وتؤكدّ مصادر خاصة لـ «عربي بوست»، بأنّ الدعم الأردني بدأ مع صعود حفتر في عام 2015، على الساحة الليبية، حيث كانت المعارك مشتعلة والصراع محتدماً في مدينة بنغازي.

فمنذ بدأت الحرب في مدينة بنغازي في مايو/أيار 2014، إلى منتصف 2017، كانت المعارك محتدمة والاشتباكات في عدد من أنحاء ومناطق المدينة، وكان هناك فرق مخابراتية وعسكرية عربية وغربية على حد سواء، منها ما يراقب ما يحدث ويجمع المعلومات ومنها ما يقدم الدعم العسكري بالأسلحة والذخائر.

 الطرف المصري والإماراتي كانا حاضرين لكن حضورهما كان مكشوفاً للعالم وليس عندهم ما يخبئانه بخلاف الحضور الأردني، فدعمهم لقوات حفتر بالأسلحة والذخائر كان قديماً منذ بداية الحرب ولا يزال مستمراً، عبر كافة أنواع الدعم سواء اللوجستي والمعلوماتي والسياسي، لكن الأردن ليس له أي دور سياسي واضح ومعلن في الأزمة الليبية، كما هو الحال لدى الإمارات والسعودية ومصر.

وبدوره يؤكدّ النائب الثاني لرئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا فوزي العقاب، بأنّ الأردن دعم حفتر بالعربات والمدرعات المصفحة والمسلحة، وهذا ما أكدته التقارير الصادرة الأخيرة عن الأمم المتحدة بخصوص ليبيا، وخاصة التقرير الأخير الذي أكدّ على دعم الأردن لحفتر وخاصة بالسلاح، مشيراً إلى أنّ هناك زيارات متبادلة بين اللواء خليفة حفتر ومسؤولين كبار في الأردن، وقد استقبله الملك عبدالله شخصياً رغم أنّه لا يحمل أي صفة شرعية ويسفك دماء الليبيين، وكانت غالبية اجتماعات حفتر المهمة قد عقدت في عمان.

وبحسب المعلومات الخاصة الواردة لـ «عربي بوست»، فإنّ هناك أسلحة وذخائر شحنت من الأردن ووصلت إلى قوات حفتر شرق ليبيا، وذلك أثناء احتدام المعارك والاشتباكات عام 2015، في بنغازي.

ضباطه تلقوا تدريبهم بالأردن

يؤكدّ الإعلامي والصحفي الليبي أحمد خليفة، ومراسل الجزيرة في ليبيا، بأنّ الدعم العسكري الأردني لقوات حفتر ارتفعت وتيرته في عام 2015، وعام 2016، فكانت هناك زيارات قام بها خليفة حفتر إلى الأردن لعدة مرات، وأيضاً أبناء حفتر كانوا يترددون على الأردن، وكان هناك وحدتان تابعتان لقوات حفتر درسوا في كليات عسكرية أردنية، وتحديداً بعد الانقسام الذي حصل عام 2014، حيث كان هناك سلطة في الشرق وسلطة في الغرب، وهناك عمليات عسكرية في الشرق وأخرى في الغرب.

ولفت إلى أنّ هذا الانقسام لم يقف الأردن منه موقف الحياد، بل دعم حفتر واستقبل عسكريين على أراضيه وقدم لهم دورات ومقاعد دراسية في الكليات العسكرية الأردنية، وما يثبت ذلك حفل تخريج لعدد من العسكريين الليبيين الذي أقيم بالأردن وحضره أحمد المسماري الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي «حفتر»، وصدام حفتر نجل خليفة حفتر.

ويضيف خليفة قائلاً: «الملحقية العسكرية التابعة للسفارة الليبية في الأردن كان على رأسها العقيد طيار أحمد مسعود البرغثي، ولاؤه لحفتر وقواته بالكامل، وكان حلقة الوصل بين الأردن وقوات حفتر في التعاون العسكري والأمني بين الجانبين.

ويؤكدّ خليفة بأنّ الدعم الأردني شمل في الأساس الأسلحة والذخائر والمدرعات، وقد أثبتت عدة تقارير وجود حركة طيران بين الأردن وإسرائيل وقواعد جوية تابعة لحفتر في شرق ووسط ليبيا، حيث كانت تتنقل عدة طائرات بين هذه الأماكن.

لماذا هذه العلاقة الغريبة؟ 

يسعى الأردن لتحقيق العديد من المكاسب من خلال دوره في الأزمة الليبية، وعلى رأسها إعادة إحياء أدوار الدبلوماسية الأردنية في المنطقة العربيّة بعد سنوات من الغياب في العديد من الملفات التي كانت فيها عمّان لاعباً أساسياً، ووسيطاً موثوقاً فيه.

كما يحاول تحقيق مكاسب مالية من وراء تعاظم دوره في ليبيا، من خلال حجز نصيب في ملف إعادة إعمار ليبيا، والذي من شأنه أن يحقّق انتعاشة ماليّة للبلد الذي يعيش أزمات اقتصادية مستمرة، خصوصاً في ظل الحديث المتواتر من جانب مسؤولين ليبيين حول أهمية وجود دور أردني في ملف إعادة الإعمار.

 ولكن يبدو أن الدعم الأردني لحفتر أهم أسبابه مرتبط بمحاولة الأردن إرضاء دول الخليج وتحديداً الإمارات والسعودية وتقليل الضغط عليه في ملفات أكثر أهمية وأخطر بالنسبة له مثل صفقة القرن.

الأردن ضحية من ضحايا الصراع الخليجيالخليجي

من الواضح أنّ العاهل والنظام الأردني يتعرضان لضغوط إماراتية بدرجة أولى، وبدرجة ثانية من السعودية، فهما اللتان أقحمتا الأردن ودفعتاه إلى اتخاذ موقف العداء من قطر في البداية، وكذلك دفعتاه لدعم خليفة حفتر.

كل هذا يأتي نتيجة لموقع ووضع الأردن الاقتصادي، وهذا ما يؤكدّ عليه كل من فوزي العقاب وأحمد خليفة لـ «عربي بوست»، مؤكدين بأنّه من الواضح أنّ الضغط السياسي الإماراتي على الأردن ضغط كبير جداً وليس عادياً.

فالذي يجبر الأردن على التدخل في ليبيا البعيدة عن حدوده وينساق وراء أبو ظبي في توجهاتها الداعمة لحفتر بحسب رؤيتها هو الضغط الإماراتي الذي كان أيضاً وراء مشاركة الأردن جزئياً في مقاطعة قطر.

ولكن تبين أنّ الأردن شعر بأنه أخطأ في خياره وتوجهه هذا، وهو ما بدا واضحاً في مراجعة المملكة الهاشمية لعلاقتها مع الدوحة وإعادة السفير إلى هناك.

البقية في الجزء الثاني

***

مصطفى الزواتي ـ باحث وكاتب صحفي فلسطيني مختص في الشؤون الخليجية والسعودية على وجه الخصوص، إضافة إلى اهتمامه بقضايا الفكر الإسلامي، وما يتعلق بشؤون الجماعات والتيارات الإسلامية.

___________