Minbar Libya

بقلم دجينارو مالياري

أثناء مؤتمر برلين الذي عقد في الأسبوع الماضي، فهم السراج وحفتر أن التوجه نحو أوروبا من أجل إيجاد حل للصراع هو مضيعة للوقت، وأن من الأفضل التمسك بالعلاقات مع بوتين وأردوغان.

يمثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ذروة الأزمة التي تعيشها هذه المجموعة من الدول، التي لطالما اعتقدت بأنها قادرة على الحفاظ على تماسكها ووحدتها رغم كل الخلافات والانحرافات وتباين المواقف.

إلا أن الأزمة في البحر الأبيض المتوسط، وخاصة في الملف الليبي، سلطت الضوء على ضعف هذا الاتحاد وجعلت طموحاته السياسية في مهب الرياح، بسبب عجز المسؤولين الأوروبيين عن تحقيق أهدافه.

إذ أن هنالك شرخا عميقا في المواقف الأوروبية منذ سقوط نظام القذافي، وخاصة بين فرنسا وإيطاليا.

هنالك أيضا تهديد آخر للموقف الأوروبي، يتمثل في التطور والتوسع الذي تحرزه الصين، ليس فقط على المستوى السياسي والاقتصادي والتكنولوجي، بل أيضا الثقافي، في إطار ما بات يعتبر لدى كثيرين مشروعا استعماريا جديدا.

بعد هذه الطموحات، يأتي أيضا المشروع الروسي، والطموحات الإيرانية بإيجاد ممر من طهران عبر العراق وحتى البحر الأبيض المتوسط، بدعم من حزب الله وحماس.

وهي كلها تطورات تثير مخاوف بشأن مصير الدول الأوروبية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، خاصة في ظل تزايد التحديات والتهديدات في الضفة الجنوبية، حيث تشهد كل من الجزائر والمغرب ومصر العديد من المشاكل السياسية.

إضافة إلى ذلك، هنالك خلافات كبيرة يشهدها الاتحاد بسبب قرارات المحور الفرنسي الألماني، الذي أثّر في بعض الأحيان بشكل سلبي على العلاقات داخل هذا الفضاء، الذي تدق فيه حاليا نواقيس الخطر ولم تعد وجهته واضحة، رغم أن هذا الاتحاد يمثل اليوم قلب العالم الغربي.

علاوة على ذلك فإن الجانب المخيف في أوضاع الاتحاد الأوروبي هو أن بعض دوله تتبع سياسات داخلية لا تتماشى مع توصيات بروكسيل، وذلك بسبب الانهيار الداخلي الذي تشهده في ظل عجزها عن إدارة شؤونها، وتفاقم العداء بين النخب الحاكمة والطبقات الشعبية.

ما زالت فرنسا على سبيل المثال تهتز على وقع تحركات السترات الصفراء، حيث يخرج المتقاعدون والفلاحون وعمال السكك الحديدية منذ عام ونصف للاحتجاج في الشوارع، وهي تحركات تدور في العاصمة والمدن الكبرى والصغرى وفي الأرياف أيضا، بشكل ينذر بتدهور الأوضاع وانهيار الاقتصاد.

يبدو أن الاضرابات والاحتجاجات وكل المواجهات التي تشهدها الشوارع الفرنسية سببها هو تدهور الأوضاع الاقتصادية للطبقة الوسطى، وعجز الرئيس ماكرون عن تفهم ما يدور في بلده، بدافع حرصه على أن لا يكون مصير فرنسا هو الانهيار الاقتصادي والغرق في دوامة الديون، مثلما يحدث مع إيطاليا وأسبانيا واليونان.

كما أن التحالف الحكومي في ألمانيا يتبع سياسات أضرت بهذا البلد، وفسحت المجال لصعود أشباح الماضي بعد أن اعتقد العالم أنه تخلص إلى الأبد من الفكر المتطرف الذي حكم في يوم ما هذا البلد.

وقد تزايد التشكيك في مستقبل الاتحاد الأوروبي منذ أن أعلنت أنجيلا ميركل نيتها اعتزال السياسة، وحتى خلال الفترة الحالية التي تواصل فيها القيام بمهامها، فإن المستشارة الألمانية تبدو هامشية وغير مؤثرة، بالنظر إلى وقوفها وحيدة في عدة ملفات وافتقادها للتنسيق الوثيق مع فرنسا.

يشكو الفضاء الأوروبي من انتشار النزعة الفردية والمواقف الأنانية من بعض الدول تحت ضغط الرأي العام الداخلي، وهو ما يقوض الثقة داخل هذا الكيان ويمس من صورته أمام العالم، فيما لا تزال دول أوروبا الشرقية المنتمية للاتحاد، رغم مرور 30 عاما على تحريرها من الهيمنة السوفياتية، غير قادرة على الاندماج وتشكيل قوة دفع في هذا الاتحاد.

لكن رغم كل هذه الصعوبات، كان واضحا خلال قمة برلين مؤخرا أن ألمانيا وفرنسا لا تزالان تتشاطران أحلام الهيمنة، وهما حريصتان قبل كل شيء على إظهار تحالف قوي بينهما، وإثبات أن الاتحاد الأوروبي قادر على التعامل مع التهديدات الصينية والروسية ومع السلطان العثماني الذي يبدو أنه يقوم بإملاء رغباته على أوروبا والضغط عليه في عدة ملفات.

بالطبع فإن ترامب أيضا يبذل قصار جهده لتقسيم أوروبا من أجل السيطرة عليها بشكل أفضل.

وهو يعتمد منذ وصولها للبيت الأبيض سياسة خارجية نصف انعزالية، حيث أنه يحاول الاستفادة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويسعى لإقامة علاقات متميزة مع دول الكومنولث، من أجل إقامة محور مضاد لأوروبا تتزعمه بريطانيا ويضم كل الدول التي كانت سابقا جزء من هذه المملكة العظمى.

اليوم لا تزال فرنسا وألمانيا تعتقدان أن مشاكلهما الداخلية يمكن تصديرها إلى الاتحاد الأوروبي وتسخيره من أجل حلها.

ومن الواضح أن البلدان يواجهان مشكلة في إنقاذ الاتحاد من حالة التفكك التي بات يعيشها، ولكن الخطر الأبرز الذي يواجه هذا الكيان هو تزايد التهديدات المحدقة به من الجنوب والشرق، وحتى من الغرب أن انخرطت الولايات المتحدة في مخطط جيوسياسي استراتيجي لنزع الشرعية عن هذا الاتحاد، وتحييده في القضايا العالمية الكبرى والاستفادة منه اقتصاديا.

بسبب كل هذه التطورات فهم السراج وحفتر بشكل جيد خلال القمة المنعقدة في ألمانيا خلال نهاية الأسبوع الماضي أن التوجه نحو أوروبا مجددا لن يكون إلا إهدارا للوقت، ومن الأفضل الجلوس مع بوتين الذي يقوم باستمرار بتعزيز سلطته في روسيا ونفوذه في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ورجب طيب أردوغان الذي يعود بعد حوالي قرن من الزمن لإحياء الطموحات العثمانية في نفس هذه المنطقة.

في ظل كل هذه العواصف، من الذي يمكنه الاعتناء بأوروبا الغربية وإنقاذها؟

هذا السؤال يلقي بظلاله على القارة العجوز ويجعل تصويت البريطانيين للبريكست يبدو قرارا صائبا تم اتخاذه للقفز من المركب، والنجاة من حالة الفوضى داخل هذا الاتحاد الذي سيكون من الصعب جدا إعادة ترتيب بيته الداخلي.

***

ترجمة وتحرير: نون بوست

_________

المصدر ـ فورميكي الإيطالية