Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

بعد عقد مؤتمر برلين يوم 19 يناير الحالي تتجه أنظار متابعي الحراك الدولي حول ليبيا الى العاصمة الكنغولية “برازفيل” والتي ستحتضن يوم 9 فبراير المقبل قمة الاتحاد الافريقي حول ليبيا بحضور روسي.

ولكن الى أي مدى ستتلاحق قبل القمة خطوات تحويل القارة السمراء لمجال تنافس بين المُتدخلين الإقليميين والدوليين في ملف الأزمة الليبية؟

1- تطورات الوضع ورهانات المتدخلين في الملف الليبي

عمليا أعلنت قوات حكومة الوفاق أول أمس الثلاثاء عن إسقاط طائرة إماراتية مسيرة شرق مدينة “مصراتة” كما اتهمت دولة الامارات بفتح خط مُستمر لنقل الدعم العسكري لقوات “حفتر” وهو ما أطلق عليه البعض عودة الزخم للدور الإماراتي في الملف الليبي.

وقد فسر بعض المتابعين تلك التطورات بوجود خلافات بين الدول العربية الداعمة لحفتر، ومعلوم أن صحيفة “لوموند” الفرنسية قد كشفت عن تولي الرياض تمويل عمليات قتالية نفذها مقاتلو شركة “فاغنر” الروسية في ليبيا لصالح حفتر منذ منتصف سبتمبر الماضي، وهو ما يدلل على وجود خلافات بين “أبوظبي” و”القاهرة” دفع الأولى إلى الرجوع للسعودية للاستعانة بها في دعم “حفتر” وأجنداته.

قال المتحدث باسم القوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية “محمد قنونو” إن “مليشيات حفتر برهنت مجدداً أن لا عهد لها ولا ميثاق بعد تنفيذها هجوماً برياً على أبوقرين والقدّاحية بدعم من طيران أجنبي”.

وأضاف أن قوات “الوفاق” دمرت عدداً من الآليات وسيطرت على ذخائر ومعدات عسكرية مصرية الصنع، مشيراً إلى أنها ألقت القبض على عدد من أفراد مليشيات المتمردين، بينهم مرتزقة، فيما فرّ البقية تاركين جُثث قتلاهم تحترق داخل الآليات العسكرية.

كما دعا المدنيين في المنطقة الممتدة من “أبوقرين” وحتى “سرت” و”الجفرة” إلى “الابتعاد عن تمركزات المليشيات والمرتزقة حتى لا يتخذونهم دروعاً بشرية”، وفق تعبيره.

أوروبياً، لا يزال الملف الليبي محل جدل وخلافات رغم مشاركة أغلب الدول البارزة في الاتحاد الأوروبي في لقاء برلين، فما زال الاتحاد عاجزاً عن تأليف لجنة لمراقبة وقف إطلاق النار في ليبيا، كان قد أعلن عنها في السابق، حتى أن دبلوماسيين غربيين أكدوا عودة الخلافات بين الدول الأوروبية الفاعلة في الملف الليبي.

ولعل المثال الأبرز والدال على تأكيدات أولئك الدبلوماسيين أن الفرنسيين بدوا مُستعدين لعرقلة مشروع قرار لوقف إطلاق النار بشكل نهائي، وهو قرار تستعد بريطانيا على ما يبدو لتقديمه لمجلس الأمن وسط غضب ألماني.

يبدو أن هناك فعلا ما يؤكد أن الخلافات الثنائية أوروبيا متواصلة ولم تستطع ألمانيا حلها، فقد عادت فرنسا بثقلها مجددا لدعم “حفتر” بعد التراجع الروسي الملحوظ عن دعمه، كما أن إيطاليا لا تزال تنتظر فشلا نهائيا لبرلين، وهي لم تكن أساسا راضية عن تولي ألمانيا لقيادة الملف الليبي.

تصريحات وزير الخارجية الألماني الاثنين 27 يناير الحالي بعد لقائه مع مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل”، أكدت “وجود تطورات تجري بما يتناقض مع مخرجات برلين بشأن وقف القتال في ليبيا وفرض قرار توريد الأسلحة إليها”، إضافة الى أن اللجنة العسكرية المؤلفة من ضباط ممثلين لطرفي الصراع في ليبيا لم تتمكن من الاجتماع رغم القول أن أول اجتماعاتها سيكون خلال نهاية الأسبوع الجاري في جنيف.

السؤال الأهم هو، إذا لم يجتمع المجتمع الدولي على رأي واحد في مجلس الأمن لفرض وقف القتال، فكيف سيفرضه ضباط ممثلون لطرفين عدوّين لا يزالان يتقاتلان؟”، خاصة في ظل تأكيد متابعين وعارفين بالوقائع الميدانية أن أي اجتماعات لن تسفر عن شيء في وقت عادت فيه الأطراف الخارجية لدعم أطراف القتال.

كل ما سبق يحيل الى قراءة التحركات الأخيرة للمتدخلين في الشأن الليبي، على أن القارة السمراء قد تتحول لمجال تنافس بين مختلف المتدخلين في الملف الليبي، ذلك أن لا فرنسا أو دولا أوروبية أخرى كاليونان، هي المسؤولة فقط عن تفتيت اتفاق برلين والسعي لإفشال مخرجاته وتناسيها، بل أن الحقيقة هي أن كل الجهود الدولية بقيت مبعثرة ومشتتة بين موسكو وبرلين ولقاءات إقليمية أخرى لا رابط بينها، وهو ما يعني ان النتائج غير مضمونة ولن تكون في أحسن الأحوال سريعة.

2- هل مجال التنافس اشتد حول افريقيا بعد الفشل الإماراتي بإقناع السيسي بتدخّل عسكري مباشر في ليبيا؟

الثابت أن التجاذب الثنائي بين المصريين والاماراتيين حول بعض مُربعات الملف الليبي ليس جديدا فمن الخلاف حول طبيعة الدور المستقبلي لـ”حفتر”، وهل هو عسكري فقط كما يرى المصريون أم هو سياسي وعسكري كما يرى الاماراتيون.

إضافة الى تردد “حفتر” في وقت ما بدفع اماراتي في تسليم الضابط المصري “عشماوي”، ثم حديث المصريين منذ أشهر عن جاسوس اماراتي تم إيقافه في القاهرة ثم ترحيله بعد تردد في تسليمه، مضاف لكل ذلك تباينات عديدة تم تجهاهلها إعلاميا.

كشفت مصادر مصرية خلال الأيام الماضية عن اتصالات رفيعة المستوى بين الإمارات ومصر، سعى خلالها ولي عهد أبوظبي “محمد بن زايد” لإقناع القيادة المصرية بحسم الأزمة الليبية عسكرياً في وقت سريع، عبر تدخّل مباشر للجيش المصري بعد تعثُّر حفتر وعدم استطاعته حسم المعركة المستمرة للسيطرة على طرابلس منذ إبريل 2019.

وأكدت نفس المصادر أن هناك ممانعة مصرية قوية للتوجّه الإماراتي الساعي لتدخّل مباشر للقوات المسلحة المصرية، كما أن القاهرة أبلغت أبوظبي بشكل واضح بأن تلك الفكرة مرفوضة تماماً خشية تورّط الجيش المصري في معركة طويلة الأمد تستنزف قواته، خاصة وأن تجربة حرب اليمن إبان حكم “عبد الناصر” لا زالت عالقة في أذهان العسكريين المصريين والذين هم أكثر دراية أن إدارة معركة حربية في مسرح عمليات مثل ليبيا، لن تكون بالعملية السهلة ولا اليسيرة كما يروّج ويرى قادة الإمارات.

مما لا شك فيه أن هناك حسابات أخرى، بخلاف الأبعاد العسكرية والمخاطرة، متعلقة بالجوانب السياسية الدولية، وتوازنات القوى والقرار الأوروبي والأميركي.

وأشارت المصادر إلى أن القاهرة تدرك طبيعة التجاذبات السياسية، وتحالفات المصالح في منطقة الشرق الأوسط المرتبكة، وكذلك تدرك أن تداعيات الإقدام على خطوة التدخّل العسكري المباشر في ليبيا، قد تضع القاهرة في أزمات أخرى متعلقة بقضايا ذات صلة.

عمليا لم تفلح كل من “أبوظبي” و”الرياض” في الحصول على موافقة الإدارة المصرية على التدخّل المباشر في ليببا رغم تقديمهما لحزمة اقتصادية ضخمة، وقبولهما بتحمّلهما كافة نفقات المعركة وكافة أشكال الدعم المختلفة.

الا أن الرفض المصري كان واضحا بل وتم التأكيد والتذكير أن القيادة المصرية أبدت تجاوباً كبيراً في السابق في تقديم كافة أشكال الدعم اللوجستي والعسكري لحفتر عبر حدودها، ولكن التدخّل المباشر للجيش المصري لم ولن يتم بالطريقة التي يرغب فيها بقية حلفاء حفتر الإقليميين.

قبل الطلب الاماراتي نقلت مصادر إعلامية وسياسية مختلفة أن مؤسسات رسمية إماراتية استضافت على مدار شهر “يناير” الجاري عشرات الكتّاب والمفكرين المؤثرين بشكل مباشر في صناعة القرار المصري، في اجتماعات ولقاءات مع باحثين ومسؤولين إماراتيين مقربين من وزارة الدفاع الإماراتية، حيث انصبّت النقاشات خلالها على حتمية الحسم العسكري للأزمة الليبية، وعدم تحقيق ذلك إلا عبر بوابة الجيش المصري.

ومعلوم أن الأكاديمي الإماراتي “عبد الخالق عبد الله” (المستشار السابق لولي عهد أبوظبي)، قد كتب تغريدة قال فيها إنه إذا لم تتمكن قوات “حفتر” من حسم معركة طرابلس قريباً، فالجيش المصري وحده قادر على ذلك خلال 24 ساعة.

يُرجّح بعض المتابعين أن “القاهرة” بعد دخول تركيا على خط الأزمة الليبية، وتحديداً بعد تحالفها مع حكومة “الوفاق”، لم تعد عمليا راغبة في وضع بيضها كله في سلة “حفتر” والرهان عليه، بل أنها سعت فعليا للتواصل مع دول الجوار الليبي، على غرار الجزائر لتقريب وجهات النظر، كما أن انخراطها في برلين لم يشكل ثقلا داعما لـ”حفتر”.

السؤال المطروح بعد رفض القاهرة لطلبات حليفيها وبدء انتقال رهاناتها وتوسع الفجوة مع “ابوظبي” و ”الرياض”، هو الذي وجه اهتمامات الاماراتيين بل وكل المتدخلين في الملف الليبي الى القارة السمراء؟

3-القمة الأفريقية والصراع الدولي والإقليمي المستمر حول ليبيا

عمليا وفي انتظار جينيف وتفاصيل الترتيبات له ومدى امكانيات حضور الفرقاء الليبيين له ستتجه كل الأنظار لقمة الاتحاد الافريقي في العاصمة الكونغولية، “برازافيل” يوم 9 فبراير، على أن القمة ستعقد عمليا بحضور روسي.

وهي القمة التي استعرض أهدافها وزير الخارجية الكونغولي “جان جاكوسو”، في تصريحاته الأخيرة، حيث أكد أنها “ستعنى بصياغة مقترحات تضع حدًّا للأزمة بين الإخوة الليبيين على ضوء مؤتمر برلين”، لافتا إلى أن الوضع في ليبيا دخل “مرحلة تحول مثيرة للقلق للغاية”.

قمة الاتحاد الافريقي ستعقد عمليا في ظل معطى بيناه أعلاه وهو أن الصراع الدولي بشأن ليبيا مستمر ولم ينته في برلين، والتي لم تكن إلا إحدى واجهاته، وكل ذلك يعني أن التحرك الأفريقي سيزيد فعليا من التدافع الدولي بشأن الملف الليبي.

يُمكن القول أن الحراك الروسي والتركي الجديد في أفريقيا هدفه الرئيسي والأساسي هو العودة للاستحواذ على مفاتيح الحل للأزمة الليبية، ومعلوم أن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” بدأ منذ الأسبوع الماضي جولة أفريقية بدأها بالجزائر وتشمل لقاء قادة غامبيا والسنغال.

كما أعلنت الخارجية الروسية، في بيان لها صباح أول أمس الثلاثاء، عن توقعها زيارة حفتر لموسكو قريبا، مؤكدة أنه “بالرغم من الخروقات، لكن هناك التزاما بشكل عام بالهدنة في ليبيا”.

التعقب الاماراتي للأتراك مبني أساسا على أن الانخراط الأفريقي في الأزمة الليبية سيكون محرج ومربك للغاية بالنسبة لدولة كالإمارات وهي التي تؤجر مرتزقة أفارقه للقتال في صفوف حفتر.

من المتوقع أن المظاهرات التي نظمت في الأيام الماضية في الخرطوم ومدن سودانية أخرى من طرف أهالي شباب سودانيين نقلتهم شركة توظيف إماراتية للعمل قبل أن يجدوا أنفسهم في ساحات القتال في ليبيا وقبل ذلك في اليمن لآخرين مثلهم دون رغبتهم، بالإضافة لملف التجنيد القسري، قد تضع أمام الإمارات ملفات ضاغطة أخرى في المجال الأفريقي، على غرار تورطها في تنشيط شبكات الهجرة غير الشرعية.

كلما سبق ذكره يؤكد أن المجال الأفريقي سيكون فعليا مجال التنافس المقبل والدراماتيكي للمتدخلين في الملف الليبي، ولا يمكن قراءة زيارات وزير الخارجية الإماراتي للجزائر وتونس الا أنها محاولة استدراك تهدف عمليا لتعقب الخطوات التركية في القارة السمراء وخاصة في شمالها وغربها رغم الاكتفاء راهنا بزيارة بلدين فقط.

ومما لا شك فيه أن سياسة التراجع المصري في الملف الليبي لها علاقة بسعي روسيا وتركيا لكسب الثقل الأفريقي.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

____________

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية