Minbar Libya

بقلم د. محمد التومي

أجندات خارجية عديدة تحرك الوضع السياسي في ليبيا بعد الثورة، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومن يحوم حولها من بلدان تدعي أنها راعية للسلام ولكنها تغذي نزاع مسلح متوحش بهدف الحصول على ما تستطيع من طاقات هائلة في جوفه.

.الجزء الأول

لعل ما يميز الثورة الليبية كونها ثورة بدأت مسلحة وأنهت خصمها اللدود القذافي بالسلاح ثم ما فتئت أن جوبهت من الداخل بالسلاح ذاته الذي مثل انتشاره عبئا ثقيلا على الدولة الناشئة والخارجة لتوّها من أتون حرب مدمّرة بين الإخوة.

وهو ما سمح لأنصار القذافي بإعادة الانتشار والتموقع في مفاصل الدولة الفتيّة في انتظار ساعة الصفر، وكان تنظيم الكرامة بقيادة خليفة بلقاسم حفتر في مقدمة القوى المعادية للثورة.

نشأ هذا التنظيم في ذروة اشتغال القوى المعادية للربيع العربي وحركتها المضادة للتاريخ والحال أنها استطاعت التمكين لنظام السيسي المنقلب على نظام ديمقراطيّ مثّل طفرة جديدة في الحياة السياسية الراكدة في مصر منذ انقلاب الضباط الأحرار على الملك فؤاد.

وفي السعودية والإمارات تبلورت إستراتيجية التعاطي مع ثورات الربيع العربي بدعم من قوى غربية في مقدمتها فرنسا وإيطاليا وروسيا.

وفي الطرف المقابل كانت القوى المحسوبة على الثورة تنهشها خلافات داخلية بفعل غياب المشروع السياسي والحقوقي لثوار فبراير وتساهلهم في التعامل مع المتربصين من أبناء جلدتهم بالثورة الوليدة وقد كانت أصوات العائدين على عجل من منتسبي اللجان الثورية تعلو بعد أن كانت خفيتة، وهو ما ساعد تيار الكرامةفي سدّ الفراغات التي تركها الثوار في بناء الدولة دون الانتباه إلى شوكتها التي شابها ضعف شديد.

مقدمة

بات معلوما أنّ حفتر يعدّ لانقلاب على حكام طرابلس على شاكلة انقلاب السيسي من قبله، وبذلك تُطوى صفحة الربيع العربي بعد أن يُخمد بريقها في بلد المصدر تونس التي ما فتئ حفتر يهددها بالويل والثبور دون موجب واقعي أو سياسي لذلك إلا خدمة المشروع الصهيوإماراتي في وأد التجربة الناشئة والملهمة للمقهورين في البلاد العربية، بتنسيق مباشر مع السعودية ومصر وفرنسا الاستعمارية، منذ سنة 2016.

وظلّت فرنسا تسوّق لمشروع حفتر وترعاه في محفل الأمم المتحدة، وهي العضو القار في مجلس الأمن. بعد أن أمضى لها الجنرال المهزوم حفتر على صك ثقيل تدفع بموجبه ليبيا من ريعها النفطي ما يرضي غرورها الاستعماري وأن تتمتع بالنصيب الأوفر من الاستثمارات في الجنوب الليبي الغني بالثروات وهو ما سيمهد لها أيضا طريقا نحو العمق الإفريقي محلّ التنازع الدولي.

1/ العسكر في مجابهة الثورة: أو تعميم النموذج السيسوي في المنطقة

خليفة بلقاسم حفتر من مواليد عام 1943 بمدينة اجدابيا غرب بنغازي. تخرج من الكلية العسكرية الملكية عام 1966. وقد شارك وهو برتبة ملازم أول في انقلاب القذافي على النظام في سبتمبر 1969. ترقّى إلى رتبة عقيد عام 1980 وعُين قائداً للقوات البرية.

وفي عام 1987 قاد بأوامر من القذافي حملة حربية ضخمة في عدّتها وعتادها لغزو تشاد وتغيير نظام الحكم فيها. لكنها انتهت بهزيمة مخزية للجيش الليبي وقع خلالها العقيد حفتر مع المئات من ضباطه وجنوده في أسر القوات التشادية.

انضم حفتر إلى المعارضة الليبية بقيادة الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبياوشغل فيها منصب قائد الجيش الوطني“.

ونتيجة للتدخل الأمريكي مع حلفائه الفرنسيين، أسقط نظام حسين حبري ، ووضع مكانه ادريس دبي، وبالتالي كان لابد من إخراج الأسرى الليبيين من انجامينا، فنقلوا إلى دولة أفريقية ثم خُيّروا بين العودة إلى بلادهم أو نقلهم للإقامة في الولايات المتحدة. وبينما فضل القليل جداً منهم العودة إلى ليبيا اختار معظمهم الاستقرار في أمريكا. وكان العقيد حفتر على رأسهم. حيث استقر به المقام في مدينة فرجينا“.

عمل حفتر سريّاً من منفاه مع ضباط كبار داخل ليبيا على التخطيط لعملية انقلاب عسكري عرفت بمحاولة بني وليد. لكن تم كشف المحاولة واعتقال رؤوسها قبل تنفيذها بأيام في أكتوبر 1993.

ويبدو أنه، نتيجة لفشل المحاولة الانقلابية وخلافه مع قيادة جبهة الإنقاذالمعارِضة انشق عنها وقبل بالتصالح مع النظام برعاية مصرية تم بموجبها ضمان إقامة عائلته في مصر بشرط عدم ممارسته لأي عمل سياسي معارض لنظام القذافي

دخل العقيد حفتر إلى بنغازي بعد ثورة 17 فبراير، ليجد أمامه الجنرال عبد الفتاح يونس قائدا لفيلق الثوار. فدخل الرجلان في خلاف شخصي حاد على أحقية القيادة العسكرية. انتهى باستبعاد الجنرال حفتر من لعب أي دور عسكري قيادي عملياً في حكومة الثورة.

ظهر حفتر يوم 14 فبراير 2014 من خلال قناة العربيةالسعودية يعلن في بيان انقلابي مسجّل عن سيطرة قوات تابعة له على مواقع عسكرية حيوية في العاصمة وتجميد عمل البرلمان والحكومة، عارضاً ما أسماه حينها بـخارطة طريقلمستقبل ليبيا السياسي، وكأنه يستنسخ ما قام به السيسي دون أن يملك شيئا حقيقيا مما في حوزة الأول من جيش قوي موحد منضبط.

كان بيانه الانقلابي افتراضيا إذ لم يكن على الأرض ولو جندي واحد تابع له بعدما خذلته مليشيات الزنتان التي كان يراهن عليها. لكنه لم يتوقف عن المثابرة. إذ ظهر بعد ثلاثة أشهر في مايو 2014 في بنغازي يقود عملية عسكرية من بضع مئات الجنود والضباط من الجيش الليبي تحت اسم عملية الكرامة في مواجهة المجموعات الإسلامية المسلحة المسيطرة على بنغازي والمتهمة من قبل حفتر بموالاة الإرهاب.

وقد انضم إلى عملية الكرامةعدد من العسكريين والمتطوعين من الغاضبين على حكومة الثورة ومن أتباع السلفية المدخلية التي أعدّت إعدادا سريعا للغرض. وتحول العقيد خليفة بلقاسم حفتر إلى منقذ ليبيا المنشود في نظر جزء من ساكنة المنطقة الشرقية. وبضغط من أنصاره في مجلس النواب وأعيان وشيوخ القبائل ودعم قادة محاور القتال، قام رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بتعيينه قائدا عاما للجيش وترقيته إلى رتبة فريق وفيما بعد إلى رتبة مشير.

وفي طرابلس ومصراتة وفي كل مناطق الغرب الليبي تحالفت التنظيمات الإسلامية لمجابهة مشروع الجنرال حفتر الذي نجح، مستفيداً من دعم مصر والإمارات، في الإجهاز على خصومه في بنغازي وكامل إقليم برقة باستثناء درنة.

وقد حصل الجنرال حفتر على قوة دافعة جديدة عندما انتزع الجيش الوطني الليبي السيطرة على مرافئ نفطية إلى الجنوب والغرب من بنغازي من فصيل متحالف مع حكومة الوفاق الوطني، مما غذى التكهنات بأن حفتر يضع غرب ليبيا وطرابلسنصب عينيه.

مؤيدو حفتر أخرجوه في صورة القائد المنقذأو القذافي الجديد. بنفس الصورة وذات النياشين المتراكبة لدرجة الوقوع في طقوس عبادة الشخص الملهم والزعيم المفدى“. لكن هؤلاء الأنصار وهم يقودون ثورة مضادة لـثورة 17 فبرايريعتبرون أنفسهم ثوارها الحقيقيين والأولياء الفاعلين فيها.

وقد تمكن العقيد حفتر مع عقيلة صالح ومن معه من الحالمين والطامعين من الدول الراعية للثورة المضادة للربيع العربي، بعودة نظام اللجان الثورية في موازاة حكومة الوفاق التي تعترف بها الأسرة الدولية ومقرها في طرابلس برئاسة فائز السراج.

أعلنت حكومة الوفاق الوطني الليبية يوم الإثنين 2 / 4 / 2018 بدء عملية عسكرية تحت اسم عاصفة الوطنلمطاردة جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية داعشالناشطين في غرب البلاد، وأفادت أن هذه العملية تبدأ من الأودية والشعاب الممتدة من بوابة الـ60 كيلومتر، شرق مدينة مصراتة وحتى ضواحي مدن بني وليد، ترهونة، مسلاته، الخمس، الزليتن“.

واستفاد تنظيم الدولة الإسلامية من الفوضى للانتشار في سرت في يونيو 2015 لكن حكومة الوفاق استعادت السيطرة على المدينة في ديسمبر من سنة  2016 بدعم جوي من الجيش الأمريكي الذي ينفذ بانتظام غارات على جهاديي التنظيم المتطرف جنوب البلاد. بات واضحا سعي الدول الغربية إلى إعادة النظر في تقسيم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم أو أربعة مما يضمن لها مصالحها ويحرم الليبيين من مواردهم الطبيعية وقد قالت صحيفة الجورنالي الإيطالية، إن فشل البرلمان الليبي في طبرق في المصادقة على الحكومة الجديدة كان دُشاً بارداًردت عليه الدول الكبرى بالتفكير الجدي في الخطة البديلة، بإحياء الأقاليم العثمانية الثلاثة القديمة: طرابلس غرباً، وبرقة شرقاً، وفزان جنوباً.

وبذلك استفرد خليفة حفتر ومن معه من أركان النظام القديم بإقليم برقة في حين يقيم الثوار بمختلف أصنافهم دولة الثورة على إقليم طرابلس ويبقى إقليم فزان وهو خزان ليبيا النفطي ومجاله الأثري منطقة حرب زُرع فيها تنظيم الدولة عبر خليج سرت ووجهوا بندقيته إلى آبار سبها.

كان تنظيم الدولة يستهدف الجفرة ثم غربا للوصول إلى الالتحام ببوكو حرام على الحدود المترامية لدول الساحل والصحراء (مالي والنيجر والتشاد) وهي الخطوط الحمر لفرنسا التي تسعى جاهدة إلى إيجاد مسوّغ قانوني للدخول عبرها إلى ليبيا ومن ثمة السيطرة على جزء مهم من ثرواتها في حين تكون إيطاليا على الضفة الساحلية عبر خليج سرت.

البقية في الجزء الثاني

***

د.محمد التومي ( باحث تونسي)

___________