Minbar Libya

محمد الدرسي

قدّم المنظّر فرانسيس فوكوياما، في كتابه النظام السياسي والانحطاط السياسيفكرة فساد المؤسسات، وعدم فاعليتها، والجنوح إلى القيام بعكس ما تأسّست هذه المؤسسات من أجله ويرجع السبب الرئيس في ذلك، بحسب فوكوياما، إلى الفساد باعتباره علامة دالة على عمق الانحطاط السياسي.

وعلى هذا الكلام، يمكن قياس حال مؤسسات حزبية قامت أساساً لعلة نشر ثقافة الديمقراطية والحريات السياسية من حرية للتعبير وحق التجمع وتكافؤ الفرص، فإذا بها تنقلب إلى مخازن الاستبداد والفساد الإداري والمحاباة على أساس القرابة والولاء الشخصي على حساب الكفاءة والأداء الإداري العصري والحديث.

ومن أمثلة ظاهرة على ذلك اليوم، حزب العدالة والبناء في ليبيا، وكنت عضواً مؤسّساً فيه منتخباً عن إحدى شعب الإخوان المسلمين في بنغازي، وكنت في السادسة عشرة من عمري.

وكان التصور العام، الشخصي والجمعي، عند جمع من الإخوانأن الحزب الذي تأسس بقرار تنظيمي من المؤتمر التاسع للإخوان المسلمين في ليبيا، سيكون معبّراً عن أفكار الجماعة، وسيكون قائماً على عقيدة سياسية على الأقل.

فالأحزاب أنواع، فمنها أحزاب الأفكار، كأحزاب اليسار واليمين، ومنها ما لا تحمل عقيدة سياسية بعينها، بل تعبّر عن مجموعات مصالح في المجتمع، ومنها أحزاب المشاريع، التي يكون في العادة وجودها مؤقتاً إلا ما ندر.

غير أنه لضعف التصور السياسي الذي يعاني منه الإسلاميون عموماً، والليبيون خصوصاً، خرج حزب العدالة والبناء هجيناً لا تعرف له هوية سياسية بعينها، حتى إن رئيس الحزب، محمد صوان، عندما سئل عن جدوى كل هذه المراوغات السياسية غير المنضبطة، أجاب بوضوح: “هدفنا هو البقاء في المشهد بأي ثمن“.

وهو ما يفسر حالة التذبذب أحياناً وحالة الغرق في التفاصيل وإهمال الغايات الكبرى بشكل أساسي. وغاية البقاء التي عبّر عنها صوان ليست مجرد غريزة بشرية، جعلها الحزب هدفاً له، بل هي سلوكٌ شخصيٌّ أيضاً لرئيس الحزب الذي تولى موقعه عام 2012، وكانت ولايته الأولى عاميْن والثانية أربعة أعوام.

وعلى الرغم من خسارة العدالة والبناءكل الانتخابات التي شارك فيها، وضعف أداء وزرائه، وانفضاض الناس عن الحزب وقلة تفاعلهم، لم يجد الرئيس بأساً في أن يمدّد ولايته بعد انقضاء ولايته الثانية، وكان تمديداً قد تسوّغه الظروف، ولكن الحالة الديمقراطية لا تعرف ظروفاً.

وفي هذه الحالة، لا بد من ذكر الإجراءات التي تنسف الحالة الديمقراطية في المؤسسات، وتأتي على الرقابة وتقوّض أساسها. فالجهاز الرقابي في الحزب، المعروف باسم الهيئة العليا، لا يشرف على العملية المالية واستجلاب التمويل وإقرار الميزانية، بل من يتحكّم في هذه العملية هو رئيس الحزب نفسه.

وقد استطاع أن يستميل أعضاءً في الهيئة العليا ليوظفهم في فريقه التنفيذي، ومستشارين يتقاضون الرواتب مباشرة منه، ليجمعوا بين وظيفتي الرقابة والتنفيذ.

وهذه الإجراءات هي من حالات الفساد الإداري الكلاسيكي المخالف لكل معايير العمل المؤسّسي العصري والفعال، إذ تنعدم بذلك القدرة على الرقابة والقدرة على الاستقلال في اتخاذ القرار، والأهم من ذلك كله الفصل التام بين سلطتي الرقابة والتنفيذ.
وبعد انقضاء عام على التمديد الذي أُقر، ارتفعت الأصوات في الحزب، منادية بانعقاد الجمعية العمومية، ليقرّر أعضاء الجمعية مستقبلهم الذي يرونه مناسباً من دون وصاية من أحد، فأقرّت الهيئة العليا موعداً، وأعلن عماد البنّاني ترشّحه، ولكن رئاسة الحزب ومريديها من الموظفين الذين يتقاضون المرتبات لم يستحسنوا تلك الفكرة، فمارسوا أنواعاً من الضغوط والمكائد جعلت مسألة انعقاد المؤتمر خلافيةً، في واحدةٍ من حالات التخلف عن الديمقراطية والشفافية، وكانت أولى هذه المكائد شنّ الحملات الإعلامية بواسطة المنصّات التابعة للحزب من وكالةٍ للأخبار وقناة تلفزيونية وصفحات على فيسبوك“.

وترتكز هذه الحملة الدعائية السوداء على ربط الإخوان المسلمينبالتشدّد والتطرّف، وربط هذا كله بالمرشح الوحيد المنافس، وهذه طبعاً تجربةٌ مستلهمةٌ من النظام العربي الرسمي الذي كان بقاؤه في السلطة عقوداً طويلة على حساب شيطنة خصومه، واستخدامهم فزّاعة الإرهاب.

وفي اجتماع الهيئة العليا أخيراً، استطاع الجناح الموالي لرئيس الحزب من الموظفين في المكتب التنفيذي للحزب أن يلغي قرار الهيئة السابق بانعقاد الجمعية العمومية بلا نصاب ولا أي سند لائحي، بل إن التمديد لرئيس الحزب المنتهية ولايته، الذي أقرّه الموالون له، لم يحدّد بزمن، بل جعلوه مفتوحاً ومتعلقاً بإجراء انتخابات تشريعية في البلاد، التي قد لا تنعقد قبل أعوام.

قد تكون فكرة التمديد عند الإسلاميين مقبولة في حالة الزعامة الملهمة والمقنعة، التي لا تتكرّر كثيراً، والتي قادت في مشاهد كثيرة إلى قفزات ونقلات كبيرة، كحالة خالد مشعل في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، الذي رفض تمديد ولايته، ترسيخاً لقيمة العمل المؤسسي والتداول.

وحالة الشيخ راشد الغنوشي، الذي بات كثيرون في حركة النهضة (التونسية) يتململون من بقائه هذه الفترة الطويلة في قيادة الحركة. وثمّة مسؤول تواصلفي موريتانيا، وهو صاحب فكر متوقد وثقافة واسعة وذكاء حاد، وقد أنهى ولايته الثانية، وانتُخب خلف له، في حالة ديمقراطية معتادة.
أما بشأن حالة رئيس حزب العدالة والبناء، محمد صوان، فلا مؤسسية بالمرة، خالية.

وقد دخل الحزب ثلاث انتخابات عامة، تشريعية ودستورية، انتهت آخرها بنتائج مخجلة يتحمل مسؤوليتها مباشرةً رئيس الحزب.

وإدارياً، انتشرت في الحزب ظاهرة المحاباة على أساس القرابة. ليس هذا فحسب، بل يأتي التعيين في المؤسسات والدوائر على أساس الولاء الشخصي من دون النظر في حسن السيرة والكفاءة والقدرة.

والأمر من ذلك هو الحالة الفردية التي يعاني منها رئيس الحزب:

فهو الذي يصرّح باسم الحزب سياسياً من دون وجود ناطق رسمي،

وهو الذي يمثل الحزب أمام السفراء،

وهو الذي يقوم بالزيارات الخارجية من دون وجود مسؤول للعلاقات الخارجية،

وهو الذي يمثل الحزب في لجنة الحوار الليبي التي أقامتها الأمم المتحدة،

وهو الذي ينوب عن الحزب في التمثيل السياسي لأي حوار سياسي،

وهو الذي يستجلب التمويل ويصرفه.
خلاصة الموضوع:

 إن الإسلاميين، كغيرهم من التيارات العربية التي تأثرت بحقبة الاستبداد، تأثراً لا شعورياً، تصوراً منهم أن أمر الحكم والإدارة لا يتم إلا بما ألفوه من ممارساتٍ وإجراءاتٍ استبدادية في فترة الأنظمة الشمولية والقمعية.

والإصلاح أوله وعي، ولا بد في أي حالةٍ إصلاحيةٍ من تقديم المعايير المؤسّسية، والنظم الإدارية العصرية بشكل صارم، على العلاقات الشخصية والثقة والصحبة القديمة، فإن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، والإنسان إن لم تكن له شرعة ومنهاج يحكمانه ويقودانه سيسعى إلى تحصيل أكبر قدر ممكن من السلطة والقوة، وإن كان ذلك مضراً له ولغيره، ولكنها، كما يقول هوبز، حالة غريزية.

***

محمد الدرسي ـ كاتب وباحث ليبي

___________