Minbar Libya

بقلم عمر سمير خلف

تتساءل هذه الورقة حول معادلات الأمن القومي التي نتجت عن التدخل المصري في ليبيا بعد ست سنوات من هذا التدخل وأية مصالح قومية تعززت جراء هذا التدخل؟

.الجزء الأول

يأتي التجييش الأخير للنظام السياسي الحاكم في مصر ضد التدخلات الدولية لصالح حكومة الوفاق الليبية وحلفائها الإقليميين في ظل طارئ جديد هو الاتفاق التركي الليبي الذي وقع في نوفمبر 2019، وهو اتفاق يشمل شقا عسكريا وشق آخر مرتبط بالغاز في منطقة شرق المتوسط واختلاف الرؤيتان المصرية والتركية في هذا الموضوع، وتتساءل هذه الورقة حول معادلات الأمن القومي التي نتجت عن التدخل المصري في ليبيا بعد ست سنوات من هذا التدخل وأية مصالح قومية تعززت جراء هذا التدخل؟ ومحاولة تفنيد بعض المغالطات التي تستخدم للترويج لهذه الرؤية.

الرؤية المصرية للثورة الليبية مغالطات تأسيسية:

يرتكب الكثير من المسؤولين والباحثين المصريين مغالطات كثيرة في رؤيتهم للثورات السورية واليمنية والليبية، ترتبط هذه المغالطة في محاولة اجترار الواقع المصري وأدوات تحليليه وتطوراته أو انتكاساته على وقائع قلما تتشابه مع السياق المصري، لا من حيث بنية الدولة ولا تطورها ولا التركيبات القبلية والاجتماعية حتى، فيتم تحليل اللحظة الراهنة وكأنها وليدة الصدفة،

فبينما يندر أن تجد دراسات مصرية معمقة للوضع الليبي قبيل 2014 تجد سيلا من التحليلات السطحية لما يسمونه الحرب الأهلية الليبية تارة وحرب ما يسمى “الجيش الوطني الليبي ضد الإرهاب أو المليشيات المسلحة” تارة أخرى، وصولا لرؤية التدخل والدعم العسكري لحفتر باعتباره “الدفاع عن الأمن القومي المصري في ليبيا” بينما هذا الأمن القومي ينكمش تماما عند ذكر التهديد الأثيوبي لماء المصريين أو الاستيلاء الإسرائيلي على غازهم وتصديره لهم عبر شركات وسيطة تابعة لجهات سيادية مصرية في استعادة تامة لإرث فساد نظام مبارك في ملف الغاز.

هذه الرؤية مأزومة فمن ناحية هي أسيرة إذ هي تتلبس الرؤية الرسمية للثورات العربية باعتبارها مؤامرة كونية على دول عربية لا يزال زعماء أكبرها يصفونها بأشباه الدول بعد ادعائهم إنقاذها من الفوضى والسقوط، ومن ناحية ثانية تستكثر هذه الرؤية على الليبيين أو السوريين أو اليمنيين الحق في الثورة والتحرر والمطالبة بالعيش الكريم والحرية والكرامة الإنسانية أسوة بالمصريين أو التونسيين وكأن المركزية المصرية تحتكر الثورة أو باعتبارهم أرقى عرقا وأنقى سلالة منهم.

هذه الرؤية للثورات باعتبارها مؤامرة أخذت زخما كبيرا بعد موجة الثورات المضادة في 2014 وتدهور الأوضاع في مصر واستفحال أزمة الإرهاب في العراق وسوريا بظهور وانتشار تنظيم داعش ثم التدخلات والتحالفات الدولية لمحاربته، حيث خفتت لافتة الثورات العربية لصالح لافتة النظم التي رفعت وعنوانها الرئيسي الحرب على الإرهاب والمؤامرات الكونية على الدول العربية، وارتباطها بتفسيرات سطحية  للتاريخ وحركة البشر الحالية ضمن عمليات اتهامية متبادلة بين أنساق فكرية مختلفة توظف تعبويا للتراشق بين تيارات قومية ووطنية ودينية مأزومة، والمؤامرة بهذا المعني تملك حجية سحرية في الوصف والتفسير للتاريخ بل وحتى للحاضر ممثلا بالثورات العربية.

الإشكالية هنا أننا قلما نجد تركيزا مصريا على الأزمة الليبية منذ تدحرجها من خانة الثورة في الفترة من 2011 إلى نهاية عهد المؤتمر الوطني العام وحتى انتخاب البرلمان الليبي إلى ما يشبه حالة حروب المدن والقبائل ضد بعضها صراعا على النفوذ في الدولة الجديدة محاطة بمحاولة انقلابية تسوق لذاتها باعتبارها حرب على الإرهاب ومحاولات توافق لم تنجح بعد.

الأزمة هنا انه نادرا ما تستضيف المراكز البحثية المصرية أو الخليجية الحليفة باحثا ليبيا وقلما يوجد باحث متخصص في الشأن الليبي ويندر أن توجد صلات بين مراكز الفكر والرأي تلك ومراكز من ليبيا ان اعترفت أصلا أن ثمة مراكز بحثية في ليبيا، بينما تتواجد بعض هذه المراكز الليبية في مراكز جيدة في تصنيف جامعة بنسلفانيا لمراكز الفكر والرأي رغم ما تمر به البلاد من ظروف قاسية.

وهذا ينتج عنه تحليلات سطحية لا تدرك أثر الجغرافيا والديموغرافيا في الصراع والحل في ليبيا فلم يكن القطر الليبي المعاصر من جهة الاجتماع والسياسة والإدارة والاقتصاد نتاج تطور كامل للعوامل المحلية في ليبيا وإن وجدت ملامحها الأولى وبماهية لا تتطابق مع التعريف الحديث للدولة، والذي ربما بدأت تتشكل معالمه بعد الاستقلال في 1951 إبان الاحتلال الإيطالي جراء النضال ضد المستعمر الواحد وجراء لقرارات التي أصدرها الاحتلال بشأن التعامل مع ليبيا موحدة.

ثم عندما زال خطر المستعمر عادت أقاليم ليبيا الثلاث (برقةفزانطرابلس) بحكم التباعد الجغرافي وبدائية وسائل النقل لتطوير اتجاهات اجتماعية وأنشطة اقتصادية خاصة بهم دون تعزيز ارتباطهم بمدن ومناطق أخرى.

ولم يكتمل هذا التشكل إذ كانت فترة الديكتاتورية العسكرية لأربعين سنة فترة انقطاع عن مسار تكوين الدولة وأبعد ما تكون عن مفهومها وجوهره وهي فترة إدارة بالتناقضات وتعزيز التفاوتات المناطقية والقبلية وبالتالي سقطت مع سقوط رأس النظام الذي فكك جيشه بيده باستعماله في حرب ضد ثورة شعبية.

الإشكالية الأخرى أن الكثيرين يكيفون مصطلحات علمية مستقرة في العلوم السياسية كالأمن القومي والدولة والقوة والشرعية وفقا للرؤية الرسمية فيرون الجيوش هي الدول والنظم السياسية هي الدول ومساندة الشرعية في اليمن مسألة ثابتة كثابت بلانك أو ثابت الجذب العام في الفيزياء، بينما مساندة هذه الشرعية في ليبيا هو مسألة نسبية ومحض دعم لإرهاب هو في معظمه تنظيمات أشبه بلجان شعبية قامت لحماية مدنها في إطار المواجهات مع نظام القذافي، ولا تدعم أرقام الإرهاب وضحاياه هذا الزعم،

بخلاف أن المجموعات المسلحة تلك أشبه بكتائب مدينية مسلحة قبلية شكلت للدفاع عن مدنها ولم يتمكن أطراف الصراع السياسي من دمجها في جيش وطني ليبي كجزء من توافقات المرحلة الانتقالية إذ كان الحديث عن نزع سلاح هذه الكتائب وتحول أفرادها لمجرد مجندين في جيش وطني أمر ينظر إليه بعين الريبة من قبل بنية قبلية تتوزع على مدن متباعدة جدا ولا تضمن تلك التوافقات.

جذور التوتر في العلاقات وتطوراتها:

يعود التوتر في علاقات الحكومات الليبية والحكومات المصرية ما بعد الثورة إلى وقت مبكر من تاريخ الثورة الليبية فقد جاء اعتراف المجلس العسكري المصري بالمجلس الوطني الانتقالي كممثل وحيد للشعب الليبي متأخرا جدا، إضافة إلى ذلك فإن مصر استضافت بعض كبار رموز نظام القذافي مثل أحمد قذاف الدم الذي فر مبكرا إلى مصر في محاولة لاستمالة قبائل أولاد على التي تقطن الحدود الشرقية الليبية ومحافظة مطروح المصرية وتجييشهم ضد الثوار ومناصرتهم لنظام القذافي.

كما ضيقت السلطات المصرية على الليبيين الفارين من قصف نظام القذافي لمدنهم وشهدت الحدود المصرية الليبية تكدسا شديدا وأزمات حتى في استقبال وإجلاء العمالة المصرية التي كانت موجودة بكثافة وقت اندلاع الثورة الليبية بالإضافة للمعاملة السيئة لليبيين على الحدود وهو الأمر الذي أزعج قوى الثورة الليبية وكتائبها وجعلها تشكك في النوايا المصرية تجاه الثورة وخلق حالة عداء مبكر بين كتائب الثوار الليبيين والمجلس العسكري المصري في وقت كان النظام الليبي يرتكب مجازر بحق المدنيين لقرابة التسعة أشهر.

ازدادت حساسية العلاقات المصرية الليبية بعد ترتيبات انقلاب الثالث من يوليو 2013 حيث يمكن القول إن الثورة المصرية المضادة شجعت حفتر على خطوته في إعلان انقلابه الأول الذي وصف ب”التلفزيوني” في14 فبراير 2014 ثم الانقلاب الثاني في يونيو من العام ذاته، المعزز بتحالفات قبلية محسوبة على النظام الليبي السابق المضارين من قانون العزل السياسي والتيار السلفي المدخلي المعادي لحركة الإخوان المسلمين وللتيار المدني وغير المعترف بالسياسة والانتخابات والبرلمانات عموما كوسيلة للتغيير

إضافة إلى من يئسوا من سوء إدارة المؤتمر الوطني العام وعدم قدرته على إنجاز مهام المرحلة الانتقالية وصوغ الدستور قبل انقضاء الدستورية، الفيدراليين الراغبين بفرض الفيدرالية وإعادة توزيع الثروة بالقوة متمثلين في المنتمين لمجلس برقة الانتقالي الذي أفضت محاولاته الانقلابية إلي سقوط موانئ النفط في أيدى ميليشياته وأربك المشهد السياسي وأضعف قدرة المؤتمر الوطني على بناء الجيش أو إنهاء مهام المرحلة. هذه التطورات قادت لفراغ دستوري وتأخر عملية البدء ببناء الجيش والأجهزة الأمنية والسيطرة على الكتائب القبلية والمدينية المسلحة وعمق الخلاف الوطني.

 وقد شكلت ليبيا مصدر قلق للنظام المصري الجديد بعد 2014 من حيث قراءته الخاطئة للمشهد باعتباره صراعا بين قوى وطنية ذات ظهير عسكري يمكن الاعتماد عليها وتيار إسلام سياسي معادي بظهير مسلح، وهو تبسيط مخل دون قراءة تطوراتها وتعقيداتها منذ اندلاع الثورة ضد نظام القذافي وحتى 2014، حيث أزمة الشرعية الحادة والانقسام بين برلمانين وحكومتين وعمليتين عسكريتين متصارعتين وراحت مصر تروج للرؤية الروسية القائلة بأن تدخل الناتو في ليبيا كان خطأ،

وكأن المجتمع الدولي كان يجب عليه أن يترك الليبيين لنظام القذافي كي يؤدبهم على مسعاهم للتغيير ويظل يقصفهم حتى فناء سلاحه ويستعين بمن يناصره كما فعل النظام السوري حتى يغير المعادلة الداخلية لصالح استقراره على جثة ليبيا والليبيين، وقد كان هذا واضحا في عدة محافل دولية فبينما عززت فرنسا جهودها الدبلوماسية لخلق حل سياسي للحرب الليبية وشددت على ضرورة احترام نتائج اجتماعات باريس وباليرمو وأبوظبي والالتزام بالحل السلمي، عبّرت مصر عن عدم ارتياحها لأن يشمل هذا الحل شخصيات ومجموعات إسلامية بعينها.

يتغافل الكثير من الباحثين أساس المعضلة الليبية وتطوراتها وتعقيداتها وتحولاتها فالحالة الليبية حتى فبراير 2014 كانت تسير في مسار تحول ديمقراطي ربما أفضل كثيرا من المسار المصري الذي انهار تماما وتحول لنقيض الثورة بكل آمالها وأهدافها في العيش والحرية والعدل الاجتماعي، من عدة نواحي

فرغم الصراع المسلح ضد النظام والتدخلات الدولية للمساعدة في إسقاطه فقد نظمت نفسها في مجلس وطني انتقالي وشكلت حكومة انتقالية منذ مارس 2011 وأنجزت التحول من “المجلس الوطني الانتقالي” كسلطة انتقالية إلى “المؤتمر الوطني العام” كسلطة منتخبة وشرعت في انتخاب لجنة كتابة الدستور وانتخبت برلمانا لا يسيطر فيه تيار على دفة الأمور

فيما ظهر ما يسمى “الجيش الوطني الليبي” وحلفاؤه الفيدراليون ليقلبوا طاولة هذا المسار في ظل انسحاب شخصيات وطنية هامة وانزوائها وتخليها عن مسئولياتها والذهاب باتجاه مناطقي ونقل البرلمان إلى طبرق ما أدى لطعون في دستورية انعقاده وانتخابه وهو الأمر الذي أدى لحكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا الليبية بحل مجلس النواب المنتخب

وقبول الطعن المتعلق بعدم شرعية مقترحات لجنة فبراير التي شكلها المؤتمر الوطني العام وفخخت المرحلة الانتقالية بتأجيلها مسألة الانتخابات الرئاسية، واعتبار الخصومة منتهية في الطعنين الآخرين المتعلقين بقانون انتخاب البرلمان وبشرعية انعقاد جلساته في طبرق تم الرجوع إلى النقطة الأساس في الصراع الليبي الراهن وهي الشرعية وهل تعود للقوة أم للثورة أم للقوانين والوثائق الدستورية المتوافق عليها.

وتشير تقارير للأمم المتحدة أنه يوجد في ليبيا ما يقرب من 29 مليون قطعة سلاح بين خفيفة ومتوسطة وثقيلة، وبدوره يقدر رئيس الوزراء الليبي الأسبق، المحسوب على التيار المدني، محمود جبريل، عدد الميلشيات المسلحة بأكثر من 1600 ميليشيا مسلحة، بعد أن كانوا 18 تشكيلاً عسكريا فقط يوم سقوط العاصمة في أغسطس 2011

وهي ميليشيات وكتائب ثوار المدن ولجانها التي تشكلت لمجابهة القذافي بالإضافة لبعض التنظيمات الجهادية المنتشرة في المنطقة مثل أنصار الشريعة والقاعدة وداعش والجماعات المتحركة في الصحراء جنوب وغرب البلاد

هذه المبالغات في تقدير أعداد المليشيات المسلحة تصب في صالح رؤى ترى أن لا حل للأزمة سوي بدعم خارجي متواصل ومكثف لطرف عسكري من أجل الحسم.

 وفي إطار تحوله من شرعية الانقلاب العسكري تحول حفتر تدريجيا على خطى السيسي إلى شرعية الحرب على الإرهاب فتوسع هو وبرلمانه وحكومته في الشرق الليبي في تصنيف العديد من الكتائب والشخصيات غير المؤيدة له ولعملية الكرامة، التي كانت حتى العام 2014 في السلطة سواء في رئاسة الوزراء أو مجلس النواب أو المؤسسات الليبية المختلفة كتنظيمات إرهابية ومعظم هذه القوائم يتعامل معها العالم كشخصيات عامة في فترة انتقالية وككتائب قاومت العدوان المسلح لنظام القذافي ولا يتفق مع حفتر في تصنيفه هذا سوى التصنيفات الإماراتية والمصرية والتي تتزامن وتتطابق مع التصنيف والتحديث الخاص بحكومة حفتر لهذه القوائم، في حين أن المساعي الدولية كانت تتبنى فكرة ضرورة دمج كتائب الثوار والمدن والمناطق في الجيش وأجهزة الأمن الليبية الوليدة كجزء من أية معادلة استقرار.

بعض هذه القوات هي تحالف من كتائب ثوار المدن ولجان أمنية أشبه بالشرطة المحلية، وعلى سبيل المثال قوة حماية طرابلس وهي تحالف يضم مجموعات موالية لحكومة الوفاق وأبرزها: “كتيبة ثوار طرابلس” وتنتشر في شرق العاصمة ووسطها، قوة الردع: قوات سلفية غير جهادية تتمركز خصوصاً في شرق العاصمة وتقوم بدور الشرطة ولها ميول متشددة. كتيبة أبو سليم: تسيطر خصوصا على حي أبو سليم الشعبي في جنوب العاصمة. كتيبة النواسي: إسلامية موجودة في شرق العاصمة حيث تسيطر خصوصا على القاعدة البحرية. حتى وإن بدى لبعضها ميول متشددة لا يمكن تصنيفها بالكلية كمليشيات إرهابية أو تنظيمات جهادية وهذا ما اتجهت إليه العديد من الدول الأوروبية.

……

البقية في الجزء الثاني

***

عمر سمير خلف ـ باحث مصري، حصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، تخصص الاقتصاد السياسي

_____________