Minbar Libya

بقلم اسماعيل القريتلي

بات ضروريا فهم وتحليل المحركات الداخلية للأزمة الليبية، فبدون ذلك لا يمكن لجميع الفاعلين الليبيين إعادة بناء أجنداتهم الحوارية بعيدًا عن الاصطفاف خلف شعارات ومصطلحات تضلِّل وعي الليبيين. ففهم مسألة المحركات الداخلية للأزمة الليبية تعني وضع صرح يشارك فيه الجميع بعيدا عن الإقصاء والمغالبة.

الجزء الثاني

المحرك الاجتماعي/الإثني

تسكن ليبيا إلى جانب الأغلبية العربية مجموعات عرقية أخرى، مثل: الأمازيغ والطوارق والتبو، وتتميز عن المكونات العربية بلغاتها الخاصة وإرثها الثقافي، إلى جانب انتماء المكون الأمازيغي إلى المذهب الإباضي الذي تُظهر نخبتهم المتدينة تمسكها به.

وكان للتبو حراك سياسي إبان حكم القذافي رفع عددًا من المطالب تتركز على الاعتراف بخصوصيتهم الثقافية وحقهم في الحصول على المواطنة الكاملة.

وعرف الأمازيغ كذلك حراكًا مطلبيًّا قادته نخبة اضطرت إلى العيش خارج ليبيا إبان حكم القذافي الذي سجن عديد المثقفين الأمازيغ.

ومنذ سقوط نظام القذافي ارتفعت أصوات المكونات الثقافية بمطالبها، وشاركت في العملية السياسية، ثم اعترضت على مسودة الدستور، كما حدث عديد المواجهات المسلحة بين تلك المكونات وبين المكون العربي أو ما يحدث أحيانًا بين مكوني التبو والطوارق.

وقد اتضح من المواجهات المناطقية والقبلية التي اندلعت في ليبيا بعد 17 فبراير/شباط حساسية العلاقات الاجتماعية بين مكونات السكان؛ فلا تزال مناطق الجنوب والغرب الليبي وبعض مناطق الجنوب الشرقي تشهد مواجهات مسلحة أساسها نزاعات قبلية أو مناطقية؛ ففي إقليم طرابلس نشأت نزاعات داخل مدينة طرابلس بين مجموعات مسلحة من عديد المناطق منها الزنتان ومصراتة ومناطق مدينة طرابلس، ولعل السبب في النزاعات داخل مدينة طرابلس هو السيطرة على الحكومة المركزية هناك، كما حصل من كتائب ومجموعات مسلحة من الزنتان ثم مصراتة ثم من المدينة نفسها.

كما شهد الإقليم نزاعات مسلحة عديدة مثل ما يحصل بين الزاوية وورشفانة أو في جبل نفوسة بين عديد المناطق وما حدث بين مصراتة وبني وليد.

ونجد في برقة إشكالًا داخليًّا ذا بعد جهوي تمثل في اندلاع مواجهات بين مجموعات مسلحة تنتمي لقبائل الإقليم، وأخرى ينتمي قادتها إلى مدن ومناطق وقبائل إقليم طرابلس خاصة مدينة مصراتة.

المحرك السياسي

مثَّل عدم ثبات هياكل وشكل نظام الحكم في ليبيا إلى استحواذ القذافي فعليًّا على القرار السياسي والاقتصادي من خلال منظومة سياسية اقتصادية أمنية مركزية محركًا لعديد الحركات المناهضة للقذافي في أقاليم ليبيا.

ورغم ادعاء القذافي تبنيه لنظام سياسي يسمح بأوسع مشاركة ممكنة للسكان في الشأن العام إلا أن التطبيق الواقعي كرَّس هيمنة حركة اللجان الثورية على منظومات الحكم السياسية والاقتصادية والأمنية وتثبيت هياكلها العليا في مدينة طرابلس ثم خضوع الحركة للقذافي بشكل مطلق.

ونظرًا لاستقرار النظام السياسي والاقتصادي والأمني للقذافي في مدينة طرابلس فقد تحولت واقعيًّا إلى مركز مالي للدولة يدفع الراغبين في ممارسة الأعمال سواء في القطاع العام أو الخاص إلى السعي نحو الاقتراب من هياكل منظومة الحكم المركزية التي تهيمن على القرار الاقتصادي كذلك.

ونتج عن ضعف المشاركة السياسية اتساعُ السخط على نظام القذافي؛ الأمر الذي قاد مع محركات اقتصادية وأمنية إلى اندلاع حركات تمرد عديدة خاصة في تسعينات القرن المنصرم، مثل تلك التي اندلعت في مدينتي بنغازي ودرنة، ثم اندلعت ثورة فبراير التي حملت آمالًا عريضة للناس لم تتحقق حتى الآن؛ إذ استمرت المنظومة المركزية بهياكلها القديمة في الهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي والمالي وتمركزها في مدينة طرابلس.

حتى العملية السياسية منذ انتخابات المؤتمر الوطني العام، في يوليو 2012، لم تنجح في خلق مناخ حواري وتفاوضي، بل عجزت السلطات الناتجة عن تلك العملية السياسية عن تحديد أولويات سياسية واقتصادية وأمنية تتساوق مع مطالب الناس في مختلف مناطق ليبيا، وانشغلت القوى السياسية ثم المناطقية القريبة من مركز القرار في صراعات تهدف للهيمنة على المنظومة المركزية، وبدأت السلطتان، التشريعية والتنفيذية، تتناكفان وتستعين كل واحدة منها بكتائب مناطقية أو قبلية أو أيديولوجية.

وعمَّقت العملية السياسية الخلافات بأنواعها، الجهوية والإثنية الهوياتية والاجتماعية، وتراكمت الخلافات حتى اندلعت عملية الكرامة في برقة وفجر ليبيا في طرابلس، ثم جاء اتفاق الصخيرات ليعمِّق الخلافات ويؤسِّس للانقسام السياسي والجهوي، ويُمكِّن فقط بعض القوى الجهوية والسياسية الناتجة عن فبراير، التي تسعى للتموضع في الحالة الليبية كأمر واقع لا يمكن تجاوزه وتحتمي باتفاق الصخيرات أو انتخابات المؤتمر العام وانتخابات مجلس النواب وهيئة الدستور لتصبح هذه الطبقة السياسية الوصية على الحالة الليبية كما حصل في لبنان بعد اتفاق الطائف وفي العراق بعد الغزو الأميركي، وتتنازع الشرعية فيما بينها.

وآخر فصول المحرك السياسي العملية العسكرية التي شنَّها حفتر بالتحالف مع مكونات جهوية وإثنية وسياسية على مدينة طرابلس بهدف السيطرة على الدولة المركزة في طرابلس المستمرة منذ 4 أبريل/نيسان 2019.

التشكيلات المسلحة

شكَّلت التشكيلات المسلحة العنصر الأكثر تأثيرًا على الصراع في ليبيا، وبحسب تقارير أممية وأخرى صادرة عن مراكز دراسات ذائعة الصيت، بل وتصريحات وزير الداخلية بحكومة الوفاق، في فبراير 2019، فإن المجموعات المسلحة في مدينة طرابلس تغلغلت في هياكل الدولة الأمنية والسياسية والمالية، وباتت تفرض شروطها على الحكومات المختلفة والمؤسسات المالية، إلى جانب امتلاك عديد المدن والقبائل مجموعات مسلحة ومجالس عسكرية تمثل ذراعها العسكرية في فرض مطالبها السياسية والاقتصادية سواء بالحصول على الأموال أو التعيين في مناصب الدولة.

ولعل حادثة يوم الأربعاء، 4 ديسمبر 2019، التي حاصرت فيها مجموعات مسلحة مبنى وزارة المالية يعكس الهيمنة التي تفرضها المجموعات المسلحة على مؤسسات الدولة وهياكل الحكومة، ولم يعد الحديث سرًّا عن الابتزاز الذي تمارسه مختلف المجموعات المسلحة على هياكل السلطة السياسية والاقتصادية والمالية، بل إن الواقع يشير إلى تحالفات بين القوى والشخصيات السياسية والحكومية مع عديد المجموعات المسلحة.

يقابل ذلك العددَ الكبيرَ من المجموعات المسلحة ضعفُ مؤسسة الجيش التي تتبع حكومة الوفاق، فحتى الاتفاق السياسي الموقَّع عليه في الصخيرات المغربية، في ديسمبر 2015، أقرَّ بضعف الجيش هناك، ودعا في فصل خاص (المواد 33 إلى 46) إلى ترتيبات أمنية تُخلى فيها المدن والمقار الحكومية والعامة من المجموعات المسلحة ونشرها خارج المدن، ثم جمع سلاحها ونشر قوات عسكرية نظامية بدلًا عنها، وحُددت جداول زمنية للترتيبات الأمنية غيرها لم تتحقق في الواقع.

وفي سبتمبر 2018، أعاد المجلس الرئاسي تشكيل لجنة لتنفيذ الترتيبات الأمنية لم تنجح هي الأخرى، وفي فبراير 2019، أقرَّ وزير الداخلية بحكومة الوفاق بهيمنة المجموعات المسلحة التي وصفها بالميليشيات على وزارة الداخلية بما في ذلك ميزانية الوزارة.

ولعل الحرب الأخيرة على طرابلس عززت مكانة المجموعات المسلحة ومنحتها شرعية كادت تفقدها، وهذا يعمق مشكلة حل تلك المجموعات التي يعتقد قادتها وأفرادها أنهم من يدافع عن مدينة طرابلس وبالتالي عن حكومة الوفاق الأمر الذي سيجعل من الصعب إعادة وصفها بالميليشيات أو الجماعات الخارجة عن القانون.

خلاصة

على الرغم من استمرار التدخل الخارجي منذ قرابة 9 سنوات وتحول الحرب في ليبيا إلى حرب بالوكالة للأحلاف الإقليمية وبعض القوى الكبرى، والتوسع في تبرير الصراع بناء على التدخلات الخارجية، إلا أن أساس الأزمة الليبية يظل محليًّا تلخصه المحركات التي أشرت إليها في هذا التقرير، وهذا يعني أن إنهاءَ الأزمة في ليبيا رهنُ إرادة الليبيين من خلال:

  • رمي السلاح وترك الاحتكام إليه،
  • والاعتراف بالمحركات الداخلية للأزمة،
  • والتوقف عن صناعة عناوين غير حقيقية للخلافات الليبية التي يروجها إعلام المتصارعين،
  • وتأسيس مسار تفاوضي يبعد عن منطق المغالبة وفرض المطالب بالقوة،
  • ورفض الخضوع لضغوط القوى الخارجية.

ومن المهم أن لا تتحكم في المسار التفاوضي مخرجات اتفاق الصخيرات، بل بتوسيع المسار التفاوضي بمشاركة مكونات تمثل بشكل صريح محركات الأزمة الداخلية، والاتفاق وطنيًّا على منع تدخل أي قوى خارجية، إقليمية أو دولية، وقصر الاستعانة الفنية قبل استقرار الأوضاع في البلد على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ذات العلاقة.

***

اسماعيل القريتلي ـ كاتب ليبي

____________