Minbar Libya

بقلم علي حسين باكير

تناقش هذه الورقة مواقف القاهرة تجاه الوضع في ليبيا، والاتفاق التركي الليبي، وعلاقة كل ذلك بشروط وعناصر الأمن القومي المصري.

.

الجزء الأول

في ٢ يناير/كانون الثاني ٢٠٢٠، اجتمع مجلس الأمن القومي المصري برئاسة عبد الفتاح السيسي لمناقشة التطورات الراهنة في الملف الليبي وما أسماه التهديدات الناشئة عن التدخل العسكري الخارجي في ليبيا، وذلك بُعيد إعلان البرلمان التركي عن موافقته على مذكرة تسمح بالاستجابة لطلب حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا وتقديم الدعم اللازم لها وإرسال قوات عسكرية ومساعدات إنسانية إلى ليبيا. الرئاسة المصرية كانت قد أعلنت في ختام هذا الاجتماع عن تحديد مجموعة من الإجراءات على مختلف الأصعدة للتصدي لأي تهديد للأمن القومي المصري، إلا أن أحدًا لم يعرف طبيعة هذه الإجراءات وحجمها وكيف سيتم تطبيقها

تناقش الورقة مفهوم الأمن القومي وأولويات النظام المصري في ليبيا علاوةً على انعكاسات التدخل التركي هناك ولاسيما مذكرة التفاهم التي عقدتها أنقرة مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا بشأن ترسيم الحدود البحرية شرق البحر المتوسط، وانعكاساتها على مصالح مصر وأمنها القومي، وعمَّا إذا كان ذلك سيؤدي إلى حصول تصادم عسكري مصريتركي في ليبيا

الأمن القومي المصري
يعد مصطلح الأمن القوميحديثًا نسبيًّا في الأدبيات المتعلقة بالسياسة والدولة. وإن كانت دلالات المفهوم موجودة بشكل أو بآخر منذ القدم، إلا أن المصطلح بحد ذاته يعود إلى الولايات المتحدة وتحديدًا إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ركز المصطلح في صيغته البدائية على القوة العسكرية وعلى مواجهة التهديدات ذات الطابع العسكري، لكن سرعان ما تطور ليشمل نواحي أخرى كثيرة غير مشمولة بالقوة العسكرية كالأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وأمن الطاقة والغذاء والصحة والمياه…..إلخ .

وبالرغم من أنه لا يوجد إجماع على تعريف واحد لمصطلح الأمن القوميفي ذاته أو فيما يتعلق بعلاقته بالدولة، يمكن القول: إنه يعني بعمومه متطلبات بقاء الدولة (بكافة مكوناتها) والدفاع عنها من خلال استخدام القوة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. البعض يركز في تعريفه على تحول مصطلح الأمنلأداة سياسية قوية في المطالبة بالاهتمام بعناصر ذات أولوية بالنسبة إلى الحكومة، فيما يجادل البعض الآخر بأن مفهوم الأمنيعني الحفاظ على المعايير والقواعد والمؤسسات والقيم الخاصة بالمجتمع وحمايتها من المخاطر العسكرية وغير العسكرية التقليدية وغير التقليدية

وفي الدول غير الديمقراطية، يجري الخلط بين الأمن القوميللبلاد وأمن النظام إلى حدِّ المساواة بين الأمن القومي للدولة (كيان، مؤسسات، اقتصاد، مجتمعإلخ) وشخص الحاكم. ولذلك، فإن الإكثار من استخدام هذا المصطلح في مثل هذه الدول إنما يشير إلى الإجراءات التي من شأنها بقاء الحاكم في السلطة، وحماية سلطته في حكم البلاد حتى لو أدى ذلك إلى انهيار الدولة أو تهديد عوامل بقائها، كما حصل في الكثير من البلدان العربية حتى الآن

وبالرغم من شيوع استعمال مصطلح الأمن القوميفي العالم العربي، لم يتم مناقشة مفهوم الأمن القوميبشكل جماعي إلا في عام ١٩٩٢ . وفيما يتعلق بمصر، يرد المصطلح في الدستور المصري  سبع مرات، جلها فيما يتعلق بالمادة ٢٠٥ التي وُضِعَت في الأساس في العام ٢٠١٤ وتنص على إنشاء مجلس الأمن القومي برئاسة رئيس الجمهورية. وقد ورد المصطلح أيضًا مرتين فيما يتعلق بأمن المعلومات والإعلام وحرية المعلومات حيث يربط النص التزام الصحافة بـمقتضيات الأمن القومي“!

ويواجه الأمن القومي المصري في السنوات الأخيرة تحديات وضغوطًا متزايدة لاسيما مع تقويض قدرة مؤسسات الدولة على مواجهة هذه التحديات، وانغماس المؤسسة العسكرية في أمور خارج نطاق مهامها الرئيسية المتمثلة في حماية حدود البلاد والدفاع عنهاكالسياسة والتجارة وأعمال البناء والمقاولات والصناعات الغذائيةإلخ، مما يجعل البلاد غير قادرة عمليًّا على الدفاع عن مصالحها الحيوية بالشكل المفترض، ويزيد من تراكم التهديدات لأمنها القومي بشكل قد يدفعها إلى تقديم تنازلات مقابل مكاسب سياسية لحماية السلطة فقط. من الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها هنا تخلي السلطات المصرية عن جزيرتي تيران وصنافير، وتنازلها عن حقوق مصر في مساحات بحرية شرق البحر المتوسط لإسرائيل وقبرص واليونان، والعجز عن مواجهة مخاطر حرمان الدولة من حصتها من مياه النيل نتيجة السد الذي تقيمه إثيوبيا، وهشاشة الأمن الغذائي للبلاد وغيرها من النماذج .

ليبيا والأمن القومي المصري
تاريخيًّا، اتسمت العلاقات المصريةالليبية بالتعقيد والتقلب الشديد. في ١٩٧٣، دعمت ليبيا مصر عسكريًّا وماديًّا في حربها ضد إسرائيل، ثم سرعان ما توترت العلاقة بينها على خلفية تحول السياسية المصرية باتجاه الغرب، وصولًا إلى الحرب المحدودة بينهما، في عام ١٩٧٧، وانقطاع العلاقات لمدة تزيد عن العقد من الزمان. في التسعينات، بدأت العلاقة تعود بشكل تدريجي بين الطرفين، لكنها بقيت متوترة في كثير من الأحيان خلال فترات مختلفة وذلك حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
خلال تلك الفترة، ركزت مصر على مصالحها الحيوية في ليبيا، وتمحورت حول :

  1. جذب الاستثمارات الليبية إلى الداخل المصري ولاسيما قطاع الطاقة حيث تم الاتفاق على رفع حجم الاستثمارات الليبية في هذا القطاع في العام ٢٠٠٨ من ملياري دولار إلى ١٠ مليارات.

  2. فسح المجال لمصر لزيادة عدد شركاتها العاملة في ليبيا في مجال الطاقة والعقارات والمقاولات والتجارة، وزيادة عدد عمالها في ليبيا أيضًا مع ما يشكِّلونه لبلدهم من مصدر دخل بالعملة الأجنبية

  3. زيادة تلبية حاجة ليبيا من النفط المكرر وكذلك العمل على مشاريع نقل الغاز المصري إلى المغرب ومنه إلى أوروبا.

ويمكن القول: إن هذه المصالح في عمومها لا تزال ضمن الحسابات المصرية في ليبيا لمرحلة ما بعد القذافي مع بعض المتغيرات المتعلقة بالمعطيات الأمنية. ويعتبر الوضع المتفاقم هناك أحد التحديات الصاعدة للأمن القومي المصري؛ إذ يشترك البلدان بحدود يبلغ طولها حوالي ١١٠٠ كلم، ويخشى النظام المصري أن تُستخدم لتهريب الأسلحة أو المتطرفين، كما أن تأمينها يتطلب موارد كبيرة، ومن الممكن أن يؤدي إلى تشتيت قدرات القوات المسلحة المصرية على نطاق واسع غرب البلاد في وقت قد تواجه فيه تحديات داخلية وخارجية على أكثر من جبهة

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الضغط السكاني وسوء إدارة السلطات المصرية لموارد البلاد علاوة على الوضع الاقتصادي السيء وتزايد المديونية العامة ، يمكن القول: إن السلطات المصرية قد تنظر إلى ليبيا الغنية بالموارد الطبيعية والقليلة بعدد السكان باعتبارها الغنيمة المنشودة . لكن تأمين مصالح السلطات المصرية في ليبيا يستلزم وجود نظام سياسي موالٍ لها . من المُسلَّم به أن استمرار حالة عدم الاستقرار والحروب الداخلية في ليبيا من شأنها أن تشكل تهديدًا محتملًا فيما يتعلق بانتشار التطرف والإرهاب وتخطيه حدود ليبيا إلى البلدان المجاورة ومن بينها مصر. وبالرغم من أن النظام المصري يعمل على تسويق هذا العنصر لتبرير أجندته السياسية في ليبيا، إلا أن هناك ثلاثة عوامل على الأقل تُظهر تناقضًا في الموقف المصري، لعل أهمها:

  1. السلطات المصرية لعبت ولا تزال تلعبدورًا في تقويض المسار السياسي الذي رسمه اتفاق الصخيرات والذي يسعى إلى تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا. دعم القاهرة للجنرال المتقاعد، خليفة حفتر، الذي يرفض الاتفاق وخضوع المؤسسة العسكرية للمدنيين، أدى إلى تأجيج الانقسامات والصراعات الداخلية، وإلى تزايد أعداد الضحايا من المدنيين، وإلى زيادة التدخلات الخارجية أيضًا.  

  2. ادعاء القاهرة الخوف من انتشار التطرف والإرهاب لا يستقيم مع دعمها للتمرد العسكري الذي يقوده حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني في طرابلس لاسيما مع استعانته بمجموعات مقاتلة من التيار السلفي وأنصار النظام السابق (القذافي) ومرتزقة من تشاد والسودان وروسيا .

  3. تجاهل القاهرة لتدخل عدد كبير من اللاعبين الإقليميين والدوليين في ليبيا وإبداؤها ردَّة فعل فقط عندما انخرطت تركيا في ليبيا يُظهر ازدواجية ولا ينسجم مع دعوى الحرص على ليبيا من التدخلات الخارجية

وتثير هذه التناقضات تساؤلات حول مفهوم النظام المصري للأمن القومي وأولوياته الحقيقية وانعكاسات التطورات في المشهد الليبي عليه. ما يخشاه النظام المصري ليس بروز جماعات متطرفة؛ إذ لطالما تم استغلال مثل هذا الأمر لتبرير سياساته الداخلية وبقائه في السلطة والحصول على أدوار إقليمية ذات طبيعة خدمية وظيفية . ولا يمكن فهم هذه التناقضات إلا في سياق التأكيد على أن أولوية النظام المصري هي محاربة ما يُسمى بـالإسلام السياسي” . 

وفقًا لفهم النظام المصري لطبيعة الأمن القومي، فإن نجاح دولة مجاورة في إرساء قواعد نظام ديمقراطي وبناء مؤسسات الدولة وتكريس التداول السلمي للسلطة وتحقيق الازدهار الاقتصادي يعد تهديدًا للأمن القومي، وهذا ما يُفسر لماذا تحاول القاهرة استنساخ تجربة السيسي في ليبيا من خلال الدفع بالجنرال حفتر ليكون قيمًا على البلاد بذريعة مكافحة الإرهاب . لا يُمانِعُ النظام المصري أي تدخل خارجي من شأنه أن يدعم مثل هذه الأجندة، لكن ما يعنيه هو عدم حصول تدخل خارجي يعرقلها أو يقوضها، وهذا بالضبط مكمن الخلاف مع تحركات تركيا.

البقية في الجزء الثاني

***

علي حسين باكير ـ باحث متخصص في العلاقات الدولية

____________