Minbar Libya

بقلم عمر سمير خلف

تتساءل هذه الورقة حول معادلات الأمن القومي التي نتجت عن التدخل المصري في ليبيا بعد ست سنوات من هذا التدخل وأية مصالح قومية تعززت جراء هذا التدخل؟

.الجزء الثالث

البعد الاقتصادي للأمن القومي عندما يغيب الاقتصاد لصالح الأمن:

بمعايير بسيطة غير عسكرية وأمنية فإننا يمكن أن نكتشف أن السنوات الست الماضية تمخضت عن ضعف حقيقي في المصالح المصرية الليبية المشتركة مقارنة بالمصالح المناوئة بمؤشرات العمالة والاستثمار والتجارة، فبينما تخطط الحكومة التركية لرفع صادرات تركيا إلى ليبيا بأكثر من 571 في المائة، لتصل إلى 10 مليارات دولار، مقابل نحو 1.49 مليار دولار في 2018 وفقا لجمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين الأتراك (موسياد)، فإننا لا نجد خططا مصرية في هذا الصدد بل تراجع ملحوظ في هذه الاستثمارات للحد الذي يجعل منتدى الأعمال المصري الليبي مستاء من تراجع الاستثمارات المصرية بليبيا لحدود 520 مليون دولار وتراجع الاستثمارات الليبية بمؤشر عدد الشركات في مصر بنحو 25% بينما يفترض أن ليبيا مقبلة على إعادة إعمار.

وتظهر البيانات المتاحة حول التجارة التراجع الشديد لمؤشرات الصادرات المصرية لليبيا إلى اقل من نصف ما كانت عليه في 2009 وحوالي ثلث ما وصلت إليه في 2012 و2013، حيث تطورت هذه العلاقات كثيرا في هذين العامين بفعل الاستقرار النسبي للسلطة في كلا البلدين، فقد شكلت ليبيا مصدرا مهما لمحاولة الرئيس مرسي حل أزمة الوقود وتراجع التمويل الدولي وفي أبريل من العام  2013 أقرضت الحكومة الليبية مصر 2 مليار دولار دون فائدة ويسدد على خمس سنوات وبفترة سماح ثلاث سنوات بهدف دعم الاقتصاد المصري والموازنة العامة للدولة والاحتياطي النقدي الأجنبي.

 فإذا لم يكن لهذا التعاون ثمنا سوى وعود بالمشاركة في إعادة بناء الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة بليبيا، فماذا قدم حفتر وتحالفه الهش في الشرق الليبي لمصر بعد ست سنوات من الدعم الكبير بالتسليح والتدريب والتدخلات المباشرة لصالحه؟

ويحاول الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء التحايل على هذه الأرقام بتحويلها للعملة المحلية فتظهر بيانات الجهاز أن هناك تزايدا مطردا في قيمة التبادل التجاري بالجنيه المصري فيما انخفضت قيمة العملة المصرية للنصف عقب قرار التعويم في نوفمبر 2016 وهو الأمر الذي لا يغير من حقيقة الانخفاض الحاد لقيم التبادل التجاري مع ليبيا منذ 2013

وتقر الهيئة العامة للاستعلامات المصرية أيضا أن ثمة تراجع حاليا تشهده مؤشرات التعاون وحركة التجارة بين البلدين في السنوات الأخيرة، حيث تراجع حجم التبادل التجاري من 2.5 مليار دولار عام 2010، إلى نحو 500 مليون دولار في 2018، وتشير إلي أن ثمة معيقات لتفعيل اتفاقية التجارة المشتركة بينهما  والموقعة عام 1990، وكذلك الاتفاقية التي وقعت على هامشها والخاصة بالنقل والركاب حيث اصبحت الاتفاقية في حاجة ماسة للتعديل والتطوير لتتواكب مع التطورات والتغييرات التي طرأت على آليات الاقتصاد العالمي على وجه العموم، وعلى اقتصاد البلدين بشكل خاص.

 أي أننا بصدد علاقات غير مخططة ولا يوجد توقعات قوية بشأنها بينما الطرف التركي يوثق علاقاته بليبيا كمستقر لاستثماراته وتجارته وكمعبر لهذه التجارة إلى بقية دول الوسط الأفريقي.

أمن قومي مصري مباشر هل يحمي حفتر المصالح المصرية من لإرهاب؟

تمتلك مصر حدودا مباشرة مع ليبيا بطول 1200كم وهي حدود صحراوية وجبلية وعرة في معظمها وحمايتها مسألة معقدة وشديدة الصعوبة، وفي ظل الانتشار الكثيف للسلاح والمليشيات وضعف الدولة الليبية تبدو المخاوف المصرية من خطورة هذا الوضع على أمنها القومي منطقية، خاصة إذا أضفنا أن التطورات السياسية في يوليو 2013 في مصر رتبت مخاوف من أن يستغل الإسلاميون الأوضاع في ليبيا لزعزعة استقرار النظام، وأيضا فإن تحركات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر بعدها بسبعة أشهر بدت استلهاما للانقلاب الذي حدث في مصر، ثم توالت استهدافات الجماعات المتطرفة للمسيحيين المصريين في ليبيا إلى حد بدت فيه العلاقات متوترة وبدت الأولوية الأمنية تغلب على ما عداها من أولويات الاقتصاد والاستثمار والتجارة والعمالة.

ولكن إذا علمنا أن تنظيم الدولة الإسلامية كان يتواجد بقوة بالقرب من مدينة أجدابيا، الواقعة تحت سيطرة الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر، وأن مهربي البشر سواء مهاجرين أو منتسبين للتنظيمات الجهادية ينشطون في المدن الشرقية الواقعة على الحدود المصرية الليبية، دون أن يحرز حفتر تقدما ضد هذه المجموعات في مقابل استهدافه للقوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني في الوسط والغرب والجنوب الليبي فإنه يحق لنا التساؤل أية معادلة للأمن يحققها حفتر في مواجهة الإرهاب؟ بل كثيرا ما تقوم الحكومة التي تؤيدها مصر في الشرق الليبي باعتقال عشرات المصريين واتهام الكثيرين من المهربين بإلحاقهم بتنظيمات إرهابية.

 رغم أن المهاجرين المصريين عبر طرق التهريب عمالة يتم تهريبها بمقابل مالي وفي ظروف غير آدمية، بدلا من إيجاد صيغ قانونية وتيسير عملية انتقال هذه العمالة المهاجرة للشرق الليبي كرد جميل لدولة مؤيدة، لكن فيما يبدو أن سيطرة الجيش الوطني الليبي متآكلة ولا يتمتع بالقوة والحزم الكافيين للهيمنة على الدروب الصحراوية المنتشرة عبر المناطق غير الحضرية القريبة نسبيًا من جنوب ليبيا بالمقارنة بالمدن الساحلية، وهو ما يعرض الأمن القومي لمصر لمزيد من المخاطر سواء من ناحية ازدياد نشاط التهريب للأسلحة والبشر أو من ناحية انخفاض العمالة الرسمية وانحسار ما يصدر من تصاريح عمل على تلك المتوجهة للمنطقة الشرقية وبصعوبة شديدة.

معادلة الأمن القومي

إن بيئة مصر الإقليمية مليئة بالتحديات والتهديدات الكبيرة، فمن ناحية تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة على مساحة نفوذهما بالمنطقة وحساسية دول الخليج التي تملك تحالفات استراتيجية مع مصر، يرتب على مصر التزامات إقليمية ناحية الخليج الداعم الأكبر للنظام السياسي المصري بمركب معقد يشمل العمالة والاستثمار والتمويل الدولي بشقيه المنح والمعونات والقروض، ولا يملك النظام رفاهية التخلي عن هذه الدول وخياراته محدودة جدا تجاه أية اضطرابات محتملة بينها وبين إيران، والنظام تورط في الأزمة الخليجية دون داع قوي سوى استضافة قطر لرموز المعارضة المصرية.

لدي النظام مشكلة جوهرية في موضوع المياه إذ يتهدد أمنه المائي والبيئي والاقتصادي والغذائي وتتهدد السيادة الغذائية المصرية، حيث ستسهم أزمة المياه في انخفاض المساحة المنزرعة وانخفاض قدرة مصر على الوفاء باحتياجاتها من الغذاء فضلا عن تدهور صادراتها الزراعية وتأثيرات ذلك على الميزان التجاري، فضلا عن تأثير هذا الشح في المياه على حركة السكان وهجراتهم الداخلية والخارجية ومؤشرات البطالة والفقر، وبالتأكيد فإن أمن المياه أولوية أولى تسبق كافة الأولويات أو هكذا يفترض أن تكون.

خاتمة:

التدخل المصري في ليبيا بدعم أي طرف يجانبه الصواب في أكثر من ناحية فهو يغذي صراع الشرعيات الذي بدأ منذ فبراير 2014 وكان يفترض باتفاق الصخيرات المدعوم أمميا والتوافقات الدولية اللاحقة إنهاؤه، وليبيا دولة جوار مباشر وبالتالي عدم الاستقرار فيها يضر مباشرة بالأمن القومي المصري ويجلب مزيدا من التدخلات الإقليمية والدولية، كما أن الصراع هناك ليس صراعا بين إخوان مسلمين أو إسلام سياسي وجيش وطني كما تتأسس الرؤية المصرية فالإخوان  وحزبهم العدالة والبناء كانوا الرقم الثالث في المعادلة السياسية الحزبية الليبية بانتخابات المجلس الوطني الانتقالي بعيد الثورة مباشرة وهناك مكونات محلية وجهوية وفيدرالية قوية ثم تيار ليبرالي مدني كبير.

 ثمة استنتاج دولي حول ليبيا مفاده أن لا حل عسكري ممكن في ليبيا والطرف الذي تدعمه مصر غير معترف به دوليا وطوال ست سنوات من الدعم لم يستطع السيطرة على مساحة ثابتة من ليبيا وسيطرته شكلية ومساحة ليبيا تتجاوز 1.7 مساحة مصر وسيطرة هذا الطرف على كامل التراب الليبي شبه مستحيلة كما هو الحال بالنسبة للأطراف المناوئة له.

على مصر أن تعيد التفكير في خططها وأن تبتعد عن أجواء المكايدات السياسية مع تركيا وتعود لموقع الطرف الوسيط الضاغط باتجاه تسوية ما للأزمة الليبية على أساس اتفاق الصخيرات والجهود الأممية، وأن تدخل على خط التوافقات الروسية التركية الأخير، فاستقرار ليبيا يعني البدء بشكل أسرع في عملية إعادة الإعمار، وإذا كان هناك دور إيجابي لمصر في التسوية هذا يعني نصيبا أكبر لشركات المقاولات المصرية في كعكة إعادة الإعمار، ليبيا قبيل الثورة كانت تستوعب قرابة مليون ونصف مليون عامل وعلينا أن نتخيل أنها بحاجة لضعف هذا الرقم حال اتجاهها للاستقرار وبدء عملية إعادة الإعمار وهو ما يعني إنعاشا اقتصاديا لمصر بتحويلات أكبر من الرقم السنوي لصافي الاستثمار الأجنبي المباشر وبما لهذه العمالة المهاجرة من أثر في تخفيض مؤشر البطالة والفقر.

فيما يتعلق بالاتفاق الأمني والعسكري والبحري التركي الليبي، كان الأولي بمصر أن تعقد هي اتفاق تعاون أمني وعسكري مع حكومة الوفاق، لكنها تركت المجال لأطراف تعتبرها مناوئة للذهاب بهذا الاتجاه، وعلى الأقل فإن الجزء الخاص بترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا لا يضر بالمصالح المصرية، وهو بالتأكيد يضيف لمصر مساحات وحقوق بحرية أوسع من الترسيم المصري القبرصي اليوناني الإسرائيلي للحدود البحرية فحسب الترسيم التركي قد تقع بعض حقول الغاز الإسرائيلية داخل المياه الإقليمية لمصر، وعلى مصر إعادة النظر في هذا الشق من الاتفاق التركي الليبي فإن كان يعزز مساحاتها البحرية ومصالحها فلا مجال للمكابرة أمام الاعتراف به بل ومراجعة ترسيماتنا السابقة مع إسرائيل واليونان وقبرص.

مصر تحتاج لنظرة مستقبلية تأخذ في الحسبان الأبعاد غير الأمنية لمفهومها عن أمنها القومي تستهدف مضاعفة مصالحها الاقتصادية في دول جوارها المباشر وهو ما يعني تعظيم المصالح السياسية والاقتصادية وأن تدرك أن تكلفة الحل العسكري باهظة وغير واقعية وتخصم من رصيدها لدى الليبيين وأن المسألة أعقد من سيطرة ظاهرية على بعض المدن حيث تتشابك القبائلية مع المناطقية مع وجود مجالس بلدية ومجموعات مسلحة تقوم بأدوار الجيش والشرطة الغائبين ولديها شرعيات في مدنها وأن هذا الطرف الذي تدعمه لن يستطيع الحسم ولا حماية وضمان أية مصالح مصرية لأن سيطرته على كامل التراب الليبي شبه مستحيلة كما هو الحال بالنسبة لخصومه.

علينا النظر كباحثين مصريين لخبراتنا البحثية في شئون دول جوارنا المباشر بشيء من التواضع فهي خبرات محدودة، ومعظمها خبرات مكتبية غير مطلعة على الصحافة وإنتاج مراكز الفكر والرأي في تلك الدول وتقوم على تحليلات لا تصدر عن ليبيين أو سودانيين، وهي أكثر محدودية وتواضعا من حجم اهتمام دولنا بتجارتها ونفوذها الاقتصادي في هذين البلدين الغاية في الأهمية لأي دور مصري ولمعادلة أمن قومي مستقرة لمصر.

***

عمر سمير خلف ـ باحث مصري، حصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، تخصص الاقتصاد السياسي

_____________