Minbar Libya

بقلم علي حسين باكير

تناقش هذه الورقة مواقف القاهرة تجاه الوضع في ليبيا، والاتفاق التركي الليبي، وعلاقة كل ذلك بشروط وعناصر الأمن القومي المصري.

.الجزء الثاني

مصر والاتفاق البحري التركيالليبي

في ٢٧ نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٩، أعلنت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا التوصل إلى مذكرتي تفاهم مع تركيا واحدة تتعلق بترسيم الحدود البحرية في المتوسط وأخرى تتعلق بالتعاون الأمني والدفاعي. ويستعيد الاتفاق البحري من اليونان لليبيا مساحة تُقدَّر بحوالي ٣٩ ألف كلم٢ شرق البحر المتوسط، كما أنه يعطي تركيا مساحة إضافية من المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها تقدر بحوالي ٣٠٪ تدَّعي اليونان أنها يجب أن تكون تحت سيطرتها. اعترضت السلطات المصرية على الفور، واستنكرت هذه الاتفاقات لاسيما البحرية منها، معتبرةً أنها تتعارض مع اتفاق الصخيرات ولذلك فهي باطلة وليس لها أي تبعات قانونية لأنها بمثابة العدم” . المفارقة أنَّ تذرُّع مصر بعدم قانونية هذه الاتفاقيات يتعارض مع حقيقة:

  1. قيام دول أخرى بتوقيع اتفاقات مماثلة مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا من بينها مذكرة تفاهم حول مكافحة الهجرة غير الشرعية  وقَّعتها إيطاليا في عام ٢٠١٧ وتم تجديدها في نفس الشهر الذي وقعت فيه حكومة الوفاق الوطني مذكرتي التفاهم الخاصتين بترسيم الحدود البحرية والتعاون الدفاعي مع تركيا. لم تقم مصر أو غيرها من الدول حينها بالاعتراض وهذا بحد ذاته مؤشر على وجود دوافع سياسية غير موضوعية.

  2. عدم احترام مصر لاتفاق الصخيرات وخرقها له بالإضافة إلى عدم اعتراف حليفها حفتر، الذي تدعم تمرده ضد الحكومة الشرعية في طرابلس، به. موقف حفتر من هذا الاتفاق ليس طارئًا وإنما يعود إلى سنوات إلى الوراء، وهو كان قد صرَّح، في ديسمبر/كانون الأول من العام ٢٠١٧، بأنه يعتبر هذا الاتفاق لاغيًا .

لكن المفاجأة أن الجانب المصري سرعان ما قام باستدارة عندما اعترف وزير خارجيته خلال حديث له في النسخة الخامسة لمنتدى روما للحوار المتوسطي بأن: “الاتفاق بين تركيا وحكومة طرابلس لا يمس مصالحنا في مصر؛ ذلك أن الاتفاق يمنح القاهرة فرصة الحصول على مساحة بحرية إضافية تُقدر بآلاف الكيلومترات المربعة في حال قررت ترسيم حدودها البحرية مع أنقرة وطرابلس بدلًا من أثينا التي طالبت القاهرة بالتنازل عن هذه المساحات لصالحها . وحتى في حال عزمت القاهرة على مقاطعة تركيا أو ليبيا، فسيظل بإمكانها استخدام الاتفاق بين الدولتين كورقة للتفاوض مع الجانب اليوناني.

وبالرغم من إقرار الوزير المصري بأن الاتفاق لا يمس حقوق مصر، إلا أن القاهرة لم تكن في وارد القبول بالاتفاق البحري الليبيالتركي، لعدة أسباب من بينها

  1. اعتراف مصر بشرعية الاتفاق البحري بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني يقتضي بالضرورة اعترافها بشرعية الاتفاق الأمني والعسكري الذي يمنح أنقرة دورًا كبيرًا في ليبيا، وهو أمر غير مناسب للقاهرة التي تعتبر ليبيا ساحة نفوذ لها

  2. الاتفاق يتيح لمصر إمكانية زيادة مساحتها البحرية لكنه سيتسبب لها بمشاكل مع اليونان وقبرص بعد أن كانت القاهرة قد تنازلت لهما ولإسرائيل سابقًا عن مساحات بحرية مقابل الدفع باتجاه إقامة تحالف في حوض البحر المتوسط، ومن شأن ذلك أن يؤثر بشكل جدي على مصير منتدى غاز شرق المتوسطبوصفه تحالفًا سياسيًّااقتصاديًّا (يضم إسرائيل ومصر وقبرص واليونان والأردن وفلسطين وإيطاليا)، وعلى علاقة القاهرة مع الدول الداعمة لهذه الدول كأميركا وأوروبا.

  3. الاتفاق يقوض عمليًّا الجهود المبذولة من قبل المنتدى المذكور، ولاسيما بعض أعضائه (مصر وإسرائيل واليونان وقبرص) لعزل تركيا في مياهها الإقليمية، وحرمانها من تحسين وضعها الجيوسياسي، ومن الاستفادة من الثروات الموجودة في شرق المتوسط، ومحاولة تقزيم دورها السياسي والاقتصادي المرتبط بهذا الملف

  4. اعتقاد مصر بأن الاتفاق يمكن أن يضر بدورها ومكانتها كقوة إقليمية في شمال إفريقيا وحوض البحر المتوسط، لاسيما أن الاتفاق سيمنح تركيا أدوارًا مهمة في المشاورات الدولية المتعلقة بمستقبل ليبيا وهو ما تجسد في مؤتمر برلين الأخير، كما أن الاتفاق كان جزءًا من سياق تقارب تركي مع إفريقيا، تمثَّل خصوصًا بجولة الرئيس، رجب طيب أردوغان، الإفريقية التي شملت الجزائر وغامبيا والسنغال، وقبلها زيارته لتونس.

هل يمكن وقوع تصادم مصريتركي؟

بالرغم من التصريحات التي توحي بإمكانية حدوث تصادم عسكري مباشر بين مصر وتركيا في ليبيا، فإن احتمال حصول مثل هذا الأمر ضمن المعطيات الحالية المتعلقة بالوضع المصري الداخلي أو بالحسابات التركية في ليبيا يعد ضعيفًا للغاية إن لم يكن مستبعدًا تمامًا.
فيما يتعلق بحسابات الجانب المصري:

  1. النظام المصري لا يستطيع دفع تكاليف انخراطه في مواجهة عسكرية في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الحالية، وليس له مصلحة في ذلك أصلًا.

  2. هناك من يشير إلى أن مهمة الجيش هي حماية النظام بالدرجة الأولى، وبالتالي إن لم يكن هناك تهديد جدي للنظام المصري، لن يغامر الأخير بخوض حرب قد تقوض من سلطته أو تساعد على إنهائها.

  3. خوض حرب خارجية تحتاج إما إلى دعم دولي صريح، وإما إلى قرار مستقل مع نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي، وهي أمور مشكوك بها في أحسن الأحوال نظرًا لاعتماد القوات المسلحة المصرية على المعونات الكبيرة التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية ، وعلى اعتمادها شبه الكلي على استيراد المعدات العسكرية والاحتياجات الدفاعية من الخارج لتلبية حاجاتها.

تصريحات الرئيس المصري التي عبَّر فيها عن عدم وجود رغبة للانجرار هنا وهناك  تشير إلى أن النظام المصري يُدرك محدودية قدراته ويركز على الأولويات التي تهمه بمعزل عن التصريحات ذات السقف المرتفع التي تصدر في بعض الأحيان . ولذلك، فإن ما تفعله السلطات المصرية اليوم في الملف الليبي يندرج تحت قائمة توظيف الحدث بالحد الأدنى من التكلفة، ودفع الآخرين لخوض حربها بالوكالة بشكل يؤدي إلى استثارة العامة ورصِّ الصفوف الداخلية تحت اسم مكافحة الإرهاب في ليبيا أو مقاومة التدخل التركي أو حماية الأمن القومي المصري

وليس أدل على ذلك من بيانات التأييد التي صدرت من المؤسسات الرسمية بما في ذلك المؤسسات الدينية (هيئة كبار العلماء بالأزهر ووزير الأوقاف) التي عبَّرت عن دعمها لموقف (القيادة السياسية للحفاظ على أمن مصر)، داعيةً جميع المصريين إلى أن يكونوا صفًّا واحدًا، وعلى قلب رجل واحد خلف الرئيس عبد الفتاح السيسي، والقوات المسلحة والشرطة المصرية والدولة الوطنية” .

أما فيما يتعلق بحسابات الجانب التركي:

  1. أنقرة غير مهتمة وغير معنية بتصادم عسكري مع مصر في ليبيا. أولويتها حماية مكتسباتها شرق البحر المتوسط ويتمحور تركيزها في ليبيا حتى هذه اللحظةحول ما توفره هذه المقاربة السياسية العسكرية من اختراق استراتيجي لمحاولات محاصرتها، وحرمانها من استخدام مجالها الحيوي في البحر المتوسط، وهو ما يرتبط بالدرجة الأولى بالنزاع مع قبرص واليونان وبوضع الحكومة الليبية وليس بالعلاقة مع مصر

  2. أنقرة لا تركز جهودها من أجل الإطاحة بلاعب معين في ليبيا أو تنصيب آخر. هناك عدة عوامل تملي على تركيا الدفاع عن حكومة الوفاق الوطني في طرابلس من بينها اعتراف المجتمع الدولي بها، والاتفاق الأمني الموقَّع معها، والمصالح الاقتصادية المشتركة سواء فيما يتعلق بالاتفاقية البحرية أو بالعلاقات الاقتصادية أو الاستثمارية

  3. لتركيا مهام محددة في ليبيا وفق ما تعكسه الاتفاقية الأمنية  تتمثل في تحقيق الأمن والاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتأهيل القوات المسلحة لتكون قادرة على حماية البلاد ومحاربة الإرهاب والهجرة غير الشرعية. وبالطبع، فإن ذلك يخدم سعي أنقرة إلى تعزيز علاقاتها التاريخية مع ليبيا، وتهيئة الأرضية لدور اقتصادي أكبر في المستقبل.

ومن هذه الزاوية بالتحديد، يمكن فهم حجم التكاليف العالية التي تخاطر تركيا بتحملها في سبيل الدفاع عن تحالفها مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، مقابل المكاسب التي قد تحصل عليها في الإطار الجيوسياسي وفي الجيواقتصادي شرق حوض البحر المتوسط حال نجاحها في هذه المهمة.

وتركز الجهود التركية الدبلوماسية والدفاعية مؤخرًا على ضرورة وقف التعديات العسكرية التي يقوم بها حفتر، والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، والالتزام بوقف الدعم العسكري المقدم له. وتأمل أنقرة من خلال الجهد الدبلوماسي المبذول مع روسيا وألمانيا ومن خلال الدعم اللوجستي المقدم لحكومة الوفاق  في أن يؤدي ذلك إلى تحقيق التوازن على الأرض بما يساعد على دفع الأطراف المعنية إلى استئناف المسار السياسي

وزير خارجية تركيا، مولود تشاووش أوغلو، كان قد أعلن من روما أن بلاده مستعدة لإبرام اتفاق بحري مع مصر مماثل لذلك الذي تم توقيعه مع ليبيا ، في إشارة إضافية إلى أنه لا مشكلة مع القاهرة في هذا الخصوص، على الأقل من الجانب التركي. في تركيا، ثمة كذلك من يدفع باتجاه إبقاء الخطوط مفتوحة مع الجانب المصري ليس أقله لتفتيت المحور الذي يضم مصر إلى جانب كل من إسرائيل واليونان وقبرص أولًا، وثانيًا: لأنه لا يوجد خلاف حقيقي بين مصر وتركيا فيما يتعلق بالاتفاق البحري التركيالليبي شرق البحر المتوسط

من المفترض ألا تتعارض هذه الأهداف التركية مع مصلحة مصر كدولة في ليبيا، فضلًا عن أن تشكِّل خطرًا على أمنها القومي، لكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المفهوم الخاص للنظام المصري عن ماهية الأمن القومي، من الممكن حينها فقط أن ندرك لماذا تعارض السلطات المصرية الدور التركي. إذا ما نجحت أنقرة في إفشال تقدم حفتر ضد طرابلس خلال المرحلة المقبلة وفي دفع العملية السياسية قُدُمًا إلى الأمام، قد تقوم القاهرة حينها بإعادة حساباتها طالما أن خط العودة لا يزال متاحًا لها. لكن حتى حينه، لن يتوقف النظام المصري عن دعم حفتر ما دامت هناك فرصة لذلك، وإذا ما نجح بالإطاحة عسكريًّا بحكومة الوفاق، فإن ذلك سيكون بمنزلة ضربة كبرى لتركيا شرق البحر المتوسط وفي العلاقة مع ليبيا

***

علي حسين باكير ـ باحث متخصص في العلاقات الدولية

____________