Minbar Libya

بقلم تايلور لاك

في كل يوم تتدفق الطائرات من معظم أنحاء المنطقة، محملة بالجنود من السودان، مقاتلين من سوريا، مستشارين أتراك ودبابات من الإمارات العربية المتحدة والأردن.

وأدى تدفق السلاح والمقاتلين على مدى الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى تدويل النزاع الليبي الذي تتناحر فيه الجماعات المسلحة للسيطرة على البلد الغني بالنفط والذي يعيش غليانا منذ سقوط الديكتاتور القذافي عام 2011.

وفي الوقت الذي اصطفت فيه القوى الإقليمية لدعم واحد من أطراف الحرب وجد الليبيون أنفسهم وسط رؤى متنافسة تطمح كل واحدة منها لتشكيل مستقبل بلدهم: ليبرالية ديمقراطية مقابل اتوقراطية يقودها رجل عسكري قوي.

ويقول محمد الجارح، المحلل السياسي المقيم في طبرق، شرق ليبيا “في السابق كان النزاع ليبيا وبتدخل خارجي قليل” و “لم يعد صراعا ليبيا بل وخارجيا، وهناك قوى خارجية ترسل مقاتلين اجانب لتصفية حساباتها على التراب الليبي مستخدمة المال والفصائل الليبية”.

وتخلى الغرب منذ قيادة الناتو عام 2011 حملة للإطاحة بالقذافي عن ليبيا بالكامل والحكومة المعترف بها دوليا وقصر جهوده على محاربة تنظيم الدولة ومنع تدفق المهاجرين إلى أوروبا.

ويرى تايلور إلى ان الفراغ سمح لظهور محورين في الشرق الأوسط يتنافسان على تشكيل العالم العربي في مرحلة ما بعد الربيع العربي عام 2011. وعادا للمواجهة مرة ثانية في ليبيا، لكتابة الفصل الأخيرة في تلك الإنتفاضة الإقليمية.

فعلى جانب تركيا وقطر اللتان وقفتا مع التظاهرات الشعبية وجماعات الإسلام السياسي التي ملأت الفراغ بعد سقوط ديكتاتوريين في مصر وتونس ولييبا.

وعلى الجانب الثاني ملكيات خليجية تقودها السعودية والإمارات التي شعرت أن عروشها تتعرض للتهديد وحاولت قمع الديمقراطية ودعمت العسكريين الذين قمعوا النشاط السياسي.

وهي نفس القوى التي تدعم طرفي النزاع في ليبيا، وهما حكومة الوفاق الوطني في طرابلس المعترف بها دوليا. والجنرال السابق من عهد القذافي، خليفة حفتر.

وعندما هدد حفتر بالسيطرة على العاصمة قامت تركيا بتعزيز وجودها لإنقاذ حكومة الوفق الوطني حيث أرسلت مستشارين عسكريين ودفاعات جوية وحوالي ألفي(!!) مقاتل سوري.

وتدعم الإمارات حفتر منذ وقت طويل حيث زودته بالعتاد العسكري وتدير اسطولا من الطائرات المسيرة من قاعدة عسكرية أقامتها في شرق ليبيا، وقامت بإرسال مقاتلين سودانيين ومرتزقة روس.

وكلا الطرفين يخرق قرار مجلس الأمن تصدير السلاح لليبيا بالإضافة لقرار وقف إطلاق النار الذي وقعت عليه كل من تركيا والإمارات العربية المتحدة. وشجبت بعثة الأمم المتحدة الخروقات التي قالت إنها تهدد بجر البلاد إلى جولة جديدة ومكثفة من القتال.

ويعلق فردريك ويهري، من وقفية كارنيغي للسلام العالمي “تظل هذه تقيحات عالقة وتواصل لحرب الوكالة التي بدأت من الربيع العربي”. وأضاف أنها “الفراغ الذي تركه الغرب والشلل الأوروبي والتردد الأمريكي” وكلها فتحت مجالا للدول العربية وروسيا لفتحها.

ويقول تايلور إن شبكة المصالح الأجنبية واسعة ومتشابكة. فمن ناحية تريد تركيا أن يكون لها موطئ قدم لها في العالم العربي بعد القمع الذي تعرض له الإسلاميون أو هزيمتهم في صناديق الإقتراع، بالإضافة لمعاناتها لنكسات في جوارها السوري، ولهذا ترى فرصة في ليبيا.

أما السعودية وليبيا فتريدان من خلال دعم خليفة حفتر الحفاظ على تأثيرها العسكري والإقتصادي المتزايد في القرن الأفريقي وشمال أفريقيا ومنع ظهور حكومة قريبة من الإسلاميين.

وتخاف حكومة عبد الفتاح السيسي في مصر من نشوء حكومة قريبة من تركيا في طرابلس إلى حالة إحياء للإسلاميين. ويرى في حفتر، العسكري مثله، الفرصة الوحيدة لإعادة الإستقرار وقمع الإرهاب وتأمين الحدود بين البلدين التي تمتد على 695 ميلا.

وتحول الأردن، وإن بشكل صامت لأكبر داعم لحفتر حيث زادت من الجسر الجوي لنقل الدعم العسكري إلى ليبيا خلال الأشهر الماضية. وتخشى العائلة المالكة في الأردن من وجود تركي في ليبيا، مشيرة إلى سجلها في الحرب السورية حيث غضت الطرف عن الجهاديين الذين عبروا حدودها إلى سوريا لدعم تنظيم الدولة.

وبالنسبة لفرنسا فقد دعمت الجنرال حفتر لشعورها بوجود فرص اقتصادية بالإضافة لرغبتها بالحد من تدفق المهاجرين إلى أوروبا. وألقت إيطاليا بثقلها خلف طرابلس مما أحيا الصلات الإستعمارية بين البلدين.

وتتطلع روسيا نحو استعادة تأثيرها الإقتصادي ولكنها وجدت أن تأثيرها على الجنرال بات محدودا مقارنة مع تأثير دول الخليج. وعلينا ألا ننسى النفط في معادلة الحرب، فليبيا تحتفظ بأكبر احتياط للنفط في القرن الأفريقي بالإضافة إلى المصادر الطبيعية من الغاز والمعادن وكذا عقود الإعمار التي ستكون مربحة ومصدرا للمال. وكجزء من المعاهدة التي وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الوطني حصلت على حقوق التنقيب عن المصادر الطبيعية في المياه الليبية.

ويعبر الصراع المتعدد على ليبيا عن اختلاف الرؤى حول مستقبل العالم العربي. وخيار البلد هو بين مؤسسات ديمقراطية ضعيفة يديرها الإسلاميون وبدعم من تركيا ونظام عسكري على الطريقة المصرية. وتؤكد حكومة الوفاق الوطني على ضرورة بناء المؤسسات اولا لتحقيق الإستقرار، فيما يركد حفتر على أن جيشا موحدا لديه القدرة على حماية كل شبر في ليبيا وبناء دولة.

فحكومة الوفاق ترى أن الأمن والإستقرار هي مجاز عن الديكتاتورية، فيما يرى حفتر أن ليبيا ليست جاهزة للديمقراطية. ولا يوجد ما يشير إلى أن الجيش مستعد للتخلي عن سيادته التي سيحصل عليها كما يقول الجارح.

وبالتأكيد فقد أنشأ حفتر هيئة للإستثمار العسكري لكي تدير اقتصادا مركزيا تحت إدارته. وفي غرب ليبيا يعكس إعلام الإسلاميين رؤية رجب طيب أردوغان فيما تؤكد حكومة الوفاق أن الخيار هو ليبيا “مدنية ديمقراطية.

وتقول كلوديا غازيني المحللة بالشؤون الليبية في مجموعة الأزمات الدولية إن “المفهوم بأن حكومة الوفاق باعتبارها الضامن للحكومة المدنية تسيطر عليه حقيقة عدم وجود تقدم نحو الإنتخابات البرلمانية والمحسوبية المنتشرة والإختلاس”.

ولدى الطرفان رؤية مختلفة عن النشاط الإسلامي، فحفتر متحالف مع جماعة سلفية على علاقة مع السعودية تتبعد عن السياسة ولا تؤمن بالديمقراطية مقابل سيطرتها على المجال الديني والولاء لحكمه والخليج.

أما حكومة الوفاق فتتحالف مع جماعات إسلامية تؤمن بالمشاركة الديمقراطية والسيطرة على البلد من خلال الإنتخابات ومنظمات المجتمع المدني وغير ذلك. ومع ذلك هناك حس بين الليبيين أن مستقبلهم مفروض عليهم من الخارج. ويقول ناشط اسمه محمد “قاتلنا في الثورة لحماية بلدنا من الديكتاتورية” و”الآن يقسم بين غرباء في حفل شواء لم ندع إليه”.

***

تايلور لاك مراسل كريستيان ساينس مونيتور

______________