Minbar Libya

بقلم علي بن سعد

نحلّل هنا هذا الإخفاق الدبلوماسي، بينما أطلق المشير خليفة حفتر هجومه على طرابلس بدعم متزايد من القوى الأجنبية، بما فيها فرنسا.

.الجزء الثاني

الخبرة الفرنسية والدعم

وأخيراً، فإن عودة العلاقات بين فرنسا والسّعودية إلى أوجها، بعد فترة من التقارب بين فرنسا وقطر تحت رئاسة ساركوزي، غيّر الوضع بشكل جذري لصالح فرنسا، التي رأت في حفتر الرجل القوي القادر على توحيد البلاد، فوضعت إمكانياتها رهن إشارته:

شحنات وفيرة من الأسلحة عبر مصر، و“مستشارون”، ودعم استخباراتي جوي، ونشر عناصر من القوات الخاصة وعناصر المديرية الفرنسية العامة للأمن الخارجي.

أظهر اكتشاف صواريخ “جافلين” في مركز الحملة العسكرية على طرابلس والتي كشفت عنها جريدة “نيويورك تايمز” عن مرور فرنسا إلى مشاركة مباشرة وبوسائل متطورةفي المعارك التي تُقسّم ليبيا.

إلّا أن مساهمة فرنسا كانت حاسمة بالخصوص على المستوى الدبلوماسي، إذ روّجت كقوة عظمى للمشير حفتر على المستوى الدولي، وأعطته مصداقية رجل دولة، بالإضافة إلى إشراكه في المفاوضات.

وسط هذه المفاوضات التي نجح في إفشالها جميعاً، نظّم حفتر سيطرته الإقليمية، بما في ذلك الهجوم على طرابلس.

هجوم فاشل ضد طرابلس

اعتماداً على تكتلها حول حفتر، حاولت هذه الدّول الكبرى زعزعة توازن القوى، من خلال فرض سلطة استبدادية عن طريق قوة السلاح، في حين كان يفترض أن تشكل السيطرة على طرابلس الخطوة الأخيرة من أجل فرض الدولة على الأرض وعلى المجتمع، انطلاقاً من هذا المكان المركزي ومن أعلى.

لقد قامت هذه القوى بدعم وتمويل وتسليح وإلهام المشير حفتر ولو جزئياًفي هجومه على طرابلس يوم 4 أبريل 2019، عشية مؤتمر وطني يجمع الليبيين.

كان هذا اللقاء ليشكل الأول من نوعه الذي يعقد على الأراضي الليبية ويجمع طيفاً واسعاً من الجهات الفاعلة، وكان من شأنه أن يُسفر عن تنظيم انتخابات.

وقد استهدف هذا الهجوم من خلال إجهاض المؤتمر، إغلاق الباب نهائياً أمام أيّ حل سياسي. كما أن بدء الهجوم تزامناً مع يوم زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس كان رسالة واضحة وجافّة إلى الأمم المتحدة مفادها إبعادها من العملية السياسية العسكرية في ليبيا.

انطلق هذا الهجوم وكأن نصراً سريعاً ينتظره، لكنه توّرط منذ بدايته. وقد خلّف بعد تسعة أشهر فقط من بدئه ألفي قتيل في صفوف المقاتلين و300 من المدنيين، بالإضافة إلى 150 ألف نازح، ولا يزال متعثّرا.

وقد أعمى الإصرار الجيوسياسي الذي قاد هذا الهجوم مؤيدي حفتر وجعلهم غير قادرين على فهم الرفض الذي يثيره، والذي يستمد قوته من الشعور المعادي للديكتاتورية الراسخ بقوة منذ الثورة.

هذا ما يفسر كيف تسبب هجوم حفتر في توحيد جلّ فصائل طرابلس ضده وبشكل يكاد يكون تلقائياً، وهو إخفاق فريد، ولم يتمكّن الإيمان بالرجل القوي حتى في إيجاد رسوله.

وقد أدى الفشل الواضح لهذا الهجوم إلى دفع حفتر ومؤيديه إلى الهروب إلى الأمام نحو الحرب، مادام هؤلاء غير قادرين على العودة إلى العملية السياسية التي كان يهدف الهجوم إلى إحباطها.

عودة كهذه كانت ستؤدي حتما إلى وضع حدٍّ لطموح حفتر إلى مصير وطني وكانت ستدمّر مراهنة أنصاره عليه لأكثر من خمس سنوات.

تجلّت مواصلة الاستراتيجية التدميرية من خلال غارات جوية مميتة متزايدة استهدفت المدنيين وأشركت بشكل مباشر القوات الجوية الإماراتية والمصرية، قبل أن تصل تعزيزات الطائرات السورية مؤخراً إلى بنغازي، فيما وسّع دخول روسيا المشهد دعما لحفتر نطاق التدخل الأجنبي.

يتجاوز عدد أفراد القوات الروسية اليوم والمتألفة من مقاتلين من شركة الأمن الخاصة “فاغنر” المحنكين في الأساليب المتطورة للحربالألف جندي، ويستجيب حضورهم لارتفاع النزيف في صفوف قوات حفتر.

في هذا السياق لتزايد مستوى التدخل الأجنبي، أتى الانخراط التركي عبر إرسال قوات.

تركيا وروسيا تكشفان أوراقهما

هكذا أصبحت القوى الأجنبية الفاعل الرئيسي والمباشر في الصراع. وقد أدّى انخراط دولتين عضوين في مجلس الأمن الدولي (أي روسيا وفرنسا) إلى تحييد هيئة الأمم المتحدة، ومنع أي محاولة لكبح التدخلات الأجنبية لتفادي تصعيد الصّراع.

حتى اليوم لم تستطع الأمم المتحدة حتى التصويت حتى على قرار يدين الهجوم، ناهيك عن اتخاذ أي خطوة لمحاولة وضع حد له.

كما أسفر دعم فرنسا لحفتر وصراع النفوذ بينها وبين إيطاليا عن تحييد أوروبا في الملف الليبي.

تمكّن في النهاية فاعلان اثنان هما روسيا وتركيا، من استباق الوساطة. ورغم تواجههما في معسكرين متعارضين، يقتسم البَلَدان الحاجة لإعادة التوازن في علاقاتهما مع أوروبا.

فبالنسبة لروسيا وتركيا، تعتبر هذه المسألة أكثر أهمية من التموقع في ليبيا. وتم تحقيق هذا التقارب بين البلدين وبين كل منهما مع أوروبا باستخدام ليبيا كوسيلة للمفاوضات، فيما غُيّبت مصالح ليبيا وفق المساومات وعلى حساب انقسام متفاقم البلد.

إن رفض حفتر تحت ضغط مؤيديه بما في ذلك فرنسا التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار بموسكو، واستئناف القتال، وانتقاد الرئيس ماكرون بحدة الخرق التركي لحظر الأسلحة مع التغافل على خرق القوى المعادية، يشير إلى أن تجمع الدول المساندة لحفتر ستتصدى بعنف للسيادة التركيةالروسية المشتركة.

وقد يشير التحول الأخير بمشاركة ممثلين عن حفتر في مفاوضات جينيف بتاريخ 3 فبراير وقبولهم بمبدأ وقف إطلاق النار أنهم باتوا يتبنون طريقة أخرى لمواجهة هذه السيادة المشتركة، وذلك لوعيهم بخطر الانفجار الإقليمي وتشتت البلد وتداعيات كل هذا المنطقة وعلى أوروبا.

***

علي بن سعد ـ أستاذ جامعة، المعهد الفرنسي للجغرافية السياسية، جامعة باريس 8

_____________