Minbar Libya

بقلم عماد المدولي

ترددت كثيراً في الرد على الكلمة المسجلة لرجل المخابرات الأول في عهد نظام القذافي المدعو أبا زيد دوردة.. فلم أعد أكتب مقالات عن الأوضاع السياسية وتحليلاتها، لذا أحببت أن يكون ردي على دوردة من منطلق فلسفي بعيداً عن خلافاتنا السياسية والفكرية وحتى الإنسانية منها.

خرج علينا دوردة بمحاضرة طويلة يتحدث فيها عن هموم الوطن واضعاً أمامنا خياراً واحداً فقط لكشف هذه الغمة، ألا وهو اتباع خليفة حفتر.

غير أن دوردة لم يكن بخيلاً كما هو الحال عندما فرض علينا حلاً واحدا للأزمة في ليبيا، فبذخ علينا في الجزء الأخير من كلمته بثلاثة خيارات: إرهابي، عميل، طالب للسلطة، وما عليك إلا أن تكون أحد هذه الخيارات في حال رفضت الانصياع للسيد حفتر..!

لن أخوض في تناقضات كلمته وقد سبقني في ذلك كثيرون، ولن أتساءل عن كيف لشخص مثله أن يكون تابعاً لرجل كان جزءاً مما يعتبرها دوردة ومن يدور في فلكه مؤامرة كونية للإطاحة بملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين!

سأترك كل ذلك، وكما أسلفت سأركز حديثي على الجانب الفلسفي، وكيف يؤثر مجتمع الرأي الواحد (الذي لا يزال دوردة يسوق له) على ركود وجمود الأمة، وأن المجتمعات لا يمكن لها أن تتقدم إلا عبر إحداث التغيرات التي تحتاج إلى قوى مختلفة تتنازع وتتحاور فيما بينها، لتخرجها من حالة الجمود وتسهم في تقدمها وازدهارها.

كما جاء في قانون القوة الأول لنيوتن، فإن الجسم الساكن يبقى في حالة ثبات وجمود ما لم تؤثّر عليه قوّة خارجية تغيّر من حالة سكونه، والجسم المتحرّك يبقى في حالة حركة ما لم تؤثّر عليه قوّة خارجية تغيّر حالة حركته.

ورغم أن هذا المبدأ فيزيائي الأصل إلا أنه يمكن تعميمه على مجالات أخرى بما فيها الأفراد والمجتمعات.

ورفض التغيير والتعددية يخلق مجتمعا راكدا متكلسا منكفئا على نفسه يحاول بشتى الطرق المحافظة على الحال التي هي عليه، بينما نجد أن المجتمع المتحرك والمنفتح على التغيير يتسم بالمرونة والنشاط، فتكثر فيه الأفكار الإبداعية والتجديدية، ما يدفع المجتمع قدما في طريق الحضارة و العمران.

يا سيد دوردة، المجتمعات التي تعيش على هامش الحياة والحضارة وتتمسك وتنصاع للأمر الواحد، تخلق ثقافتها جوا ساما لأي إبداع أو تجديد، و تحاول خنق أي توجه من شأنه أن يمس الوضع القائم.

السكون والحركة نقيضان لا بد من وجودهما لإحداث أي تغييرفلو لم يكن هناك سكون لما عرفنا كيف ستكون الحركة.. والعكس صحيحالكون مبني على التناقض.. ولا وجود لشيء دون نقيضهالنور يقابله الظلام، والحق يقابله الشر، وهكذا.

فالمجتمع الذي يعيش على خط واحد دون وجود أي خطوط نقيض ومعارضة أخرى يبقى مجتمعا ضحلا آسنا لا يمكن له التقدم والازدهار، وفي نهاية المطاف مصيره إلى الزوال.

بالتأكيد أن الاتفاق في المجتمع يبعث على التماسك ولكنه أيضا يؤدي إلى الجمود.

التوافق قد يخلق قوة في مواجهة المجتمعات الأخرى، لكنه في ذات الوقت سيمنع التطور. فالتماسك الاجتماعي والجمود يولدان معاً، ومن النادر أن نجد مجتمعا متماسكاً ومتطوراً في آن واحد.

يا رجل الدولة (كما يحلو للبعض تسميتك) عليك أن تعي أن المجتمعات البدائية التي تتمسك بالتقاليد وإرثها القديم تبقى متأخرة ولا تتقدم إلا قليلاً.

وهو ذات الحال في المجتمعات التي تتمسك بالرأي الواحد وتنعدم فيها الاختلافات والآراء والتوجهات، فتبقى في حالة جمود وركود فتسبقها باقي الأمم ويصل بها الأمر إلى الاندثار.

التنازع والتدافع أمر طبيعي في الكون، والله سبحانه وتعالى ذكر التدافع بين الأمم لإحداث التغيير والتوازن في الدنيا، إلا إنني هنا لا أتحدث عن التنازع والخلاف المقصود به الحروب والاقتتال، فالمجتمعات البدائية وحتى المجتمعات ذات التيار والفكر الواحد تحدث فيها هذه النزاعات.

لكنها تظل نزاعات قائمة على أساس شخصي وليس مبدئيا، وبالتالي لا ينتج عنها أي تقدم بل تفضي إلى تثبيت الوضع القائم الجامد، بخلاف التنازع في المجتمع المتحرك الذي يحتوي في داخله على جهتين أو أكثر تدعو فيما بينها إلى مخالفة الآخر، فيحدث النقاش والخلاف وهو ما يؤدي إلى تحرك المجتمع إلى الأمام.

يا سيد دوردة.. المجتمع الراكد الذي تدعونا إلى العودة إلى أحضانه يشبه الشخص مكبل القدمين الذي لا يستطيع الحركةوحتى يسترجع قدرته على الحركة عليه أن يضعف هذه التقاليد أو ذلك الاستبداد والرأي الواحد الذي يكبله ليحرك قدميه، وبالتالي يتقدم إلى الأمام.

وحتى لا أتهم بالطوباويةفإن للمجتمع المتحرك مساوئ أيضاً، فليس هناك شيء في هذا الكون كله خير أو شر خالص التقدم له تبعاته وتكلفته والإنسان الذي يعيش في مجتمع متحرك لا يستطيع أن يحصل على الطمأنينة وراحة البال التي يحصل عليها الإنسان في المجتمع الراكد، فللمدنية والتقدم ثمن.

كما أن لراحة البال والركود ثمنا أبهظ.. الإنسان في المجتمع المتقدم يواجه كل يوم مشكلة ما أن تنتهي حتى تباغته مشكلة أخرى، وهكذا دواليك.

يقول الله تعالى: “إنا خلقنا الإنسان في كبد“.

الكون قائم على التغير والحركة، وبما أن الإنسان جزء من هذا الكون فإن التغيير يشكل جوهر حركته ومسيرته في الحياة.

الإنسان يفكر ويبدع ويبتكر ليغير واقعه، ويضيف الأحسن لحياته المعنوية والمادية بالاتجاه التصاعدي نحو التكامل.

يا أخ دوردة

كل حكم يحتاج إلى رأي مضاد ومخالف له يخلق التوازن ويحمي الآخرين من تجاوزاته، كما أنه مهم لحماية الحكم من نفسه أيضاً.

هذه قاعدة ابتدائية في السياسة والديمقراطية، فكل كائن طبيعي أو معنوي يستلزم وضع حدود له.

الحكم الواحد الذي يسيطر على المجتمع ولا يمس (سواء حكم بدائي أو فكر مستبد) يؤدي إلى فقدان التوازن وحدوث تجازوزات خطيرة، ناهيك عن التخلف والجمود الذي سيسببه في المجتمعهي سنة من سنن الطبيعة لا يمكن تجاوزها.

لن أطلب من السيد دوردة قراءة التاريخ وفلسفة بناء المجتمعات والأممولن ألتمس منه الإطلاع على مقدمة ابن خلدون ونظرته لأسباب تخلف المجتمعات وتقدمها.

بل سأرجوه أن يراجع فقط فترة الحكم التي كان يوماً من الأيام أحد رجالها.

ما الذي جناه مجتمعنا من حكم متكلس منغلق على نفسه يرفض الغير ولا يؤمن إلا برأيه؟.

ماذا حصدنا من حكم شمولي مستبد أجبر المجتمع على الجمود والركود والتخلف عن الركب؟.

وكما يقولون: “السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه“.

الثورات التي هزت التاريخ في مختلف العصور جرت كلها على ذات المنوال.

الشعوب تثور عندما تعود إليها حاسة الإحساس والشعور بعد أن فقدتها نتيجة الركود والجمود.

وأُذكّر السيد دوردة في ختام مقالي بما جاء على لسان الدكتور علي الوردي، لعلها تكون أكثر أثراً وتأثيراً في نفسه من كل كلامي السابق:

إن الناس لم يثوروا على الطغاة الذين سفكوا دماءهم وجوّعوهم وسلّطوا الجلاوزة عليهم يضربون ظهورهم بالسياط. ذلك لأنّ الناس قد اعتادوا على ذلك منذ زمن مضى وألفوه جيلاً بعد جيل. فهم يحسبونه أمراً طبيعياً لا فائدة من الاعتراض عليه، لكنّهم يثورون ثورة عارمة عندما تنتشر بينهم مبادئ اجتماعية جديدة، فتبعث فيهم الحماس وتمنحهم ذلاقة البيان وقوّة النقد“.

***

عماد المدولي ـ كاتب ليبي

__________