بقلم مصطفى عمر التير

الهجرة القسرية هي إحدى أهم المشكلات الاجتماعية الملازمة للمجتمعات التي تتعرض لحروب خارجية أو داخلية. وتعاني ليبيا منذ عام 2011 هذه المشكلة، التي تعد من بين نتائج انضمام ليبيا إلى بلدان الربيع العربي.

.الجزء الثاني

2 – بلدة ككله

بلدة ككله عبارة عن مدينة صغيرة في الجبل الغربي، وتقع في الجنوب الغربي لمدينة طرابلس التي تبعد منها نحو 130 كم. انضم سكانها إلى ثورة 17 فبراير 2011 خلال الأسابيع الأولى للثورة، كما كانت الحال بالنسبة إلى معظم مدن وبلدات الجبل الغربي، لذلك تعرضت لهجمات كتائب القذافي الأمنية، واضطر معظم سكانها إلى الهروب باتجاه تونس. عدد سكان البلدة في حدود 10 آلاف نسمة، ينتمون إلى عدد من القبائل التي ترتبط مع بعضها بعلاقات قديمة.

بعد انتصار ثورة 17 فبراير2011، دخلت العاصمة طرابلس ميليشيات من جميع المدن الليبية، واستولى كل منها على ممتلكات خاصة غاب عنها أصحابها، وأراضي فضاء، ومقارّ حكومية، وفرضت سيطرتها على مؤسسات وإدارات حكومية وغير حكومية.

وقد فرض أحد أبناء هذه المنطقة سلطته على واحد من أكبر أحياء مدينة طرابلس، وأصبحت تحت إمرته واحدة من بين أقوى الميليشيات التي تسيطر على العاصمة. وكذلك فرضت الميليشيات القادمة من الزنتان في الجبل الغربي سيطرتها على أحياء ومنشآت في العاصمة، وكان أهمها مطار طرابلس الدولي.

وكما ذكرنا في مكان سابق، الميليشيات التي توحدت أثناء محاربتها للقذافي اختلفت فور غيابه. دخلت الميليشيات التي توزعت بين مكونات مدينة طرابلس في خلافات فيما بينها حول تقاسم مواقع السيطرة في المدينة.

لم تحسم الخلافات بالحوار، فقرر فريق بقيادة ميليشيات من مدينة مصراته تكوين تحالف عرف باسم «فجر ليبيا»، وفي يوم 14 يوليو 2014 ، شن التحالف هجوماً على مطار طرابلس الدولي لافتكاكه من سيطرة ميليشيات الزنتان. (وجاء فجر ليبياردا على إعلان خليفة حفتر تمرده على الدولة وثورة فبراير تحت مسمىعملية الكرامة)

لم ينتهِ الهجوم بسهولة، بل اشتعلت حرب شعواء نتج منها تدمير المطار وحرق 21 طائرة، واشتعلت النيران في خزانات النفط الضخمة التي كانت في المنطقة، وفي 23 أغسطس 2014 انسحبت كتائب مدينة الزنتان من مدينة طرابلس بعد أن خسرت جميع مواقعها في المدينة.

لم تتوحد أغلبية مدن وبلدات الجبل الغربي مع مدينة الزنتان في هذه الحرب كما فعلت أثناء ثورة 17 فبراير 2011، وإنما انضمت إلى تحالف فجر ليبيا، وكان من بينها الميليشيات التابعة لبلدة ككله. ومع أنها لم تكن البلدة أو المدينة الوحيدة من الجبل الغربي التي كانت ضمن قوات فجر ليبيا، إلا أن ميليشيات الزنتان قررت الانتقام من بعض الجيران، الذين يملكون قوة قد تزاحم قوة الزنتان في منطقة الجبل الغربي، فاتجهت نحو بلدة ككله، وشنت يوم 11 نوفمر 2014 هجوماً مباغتاً أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى‏.

وفي النهاية تمكنت ميليشيات الزنتان والميليشيات المتحالفة معها من دخول المركز الحضري للبلدة، وهرب جميع السكان باتجاه مدينة طرابلس وضواحيها. وهذا يعني أن سكان هذه البلدة تعرضوا – خلال أربع سنوات – للتهجير القسري مرتين.

لم يستقر هؤلاء في مخيمات متهالكة كما كانت الحال مع المهجرين من مدينة تاورغاء، وإنما بفضل نفوذ أحد أبناء البلدة الذي يقود ميليشيا تسيطر على أحد أهم أحياء طرابلس، ولضعف الحكومة التي كانت في العاصمة، مُكّنوا من الاستقرار في وحدات سكنية بعضها حكومي وبعضها خاص. وبالتعاون مع ميليشيات مصراته التي أخذت المواقع التي كانت تحت سيطرة ميليشيات مدينة الزنتان، تمتع المهجرون من مدينة ككله بالإقامة في وحدات سكنية حديثة، وبالحصول على الحماية بحيث لم تستطع الميليشيات التي تسببت في طردهم من بلدتهم ملاحقتهم.

3 – منطقة الرياينة الغربية

هذه عبارة عن منطقة واحدة ضمن خمس مناطق تضمها مدينة الرياينة الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة طرابلس، وتبعد منها نحو 140 كيلومتراً. وفي المنطقة مركز خدمات يضم المتاجر ومدرسة ومستوصفاً ومكاتب إدارية متنوعة، ويقدر حجم سكان الرياينة الغربية بنحو 4000 نسمة.

عندما التحقت أغلب مدن وبلدات الجبل الغربي بثورة 17 فبراير، أمر القذافي عدداً من قيادات اللجان الثورية المقربين منه بأن يغادروا طرابلس، ويتوجهوا إلى مناطقهم بهدف تهيئتها لمساندة القوة التي ستتجه نحو الجبل الغربي بهدف القضاء على الثورة هناك.

وكان من ضمن برنامج التهيئة تجنيد الشباب في فرق عسكرية، لتتولى مساندة القوة الرسمية في مهمتها. أحد هؤلاء من أبناء هذا الجزء من مدينة الرياينة، وبالفعل نفذ أمر القذافي.

تمركزت فرق من القوات التي بعث بها القذافي إلى الجبل الغربي في هذه المنطقة، ومنها انطلقت لتتعقب ميليشيات الثوار، لذلك صنف الثوار سكان منطقة الرياينة الغربية قوة معادية.

بتاريخ 13 مايو 2011 ، وبعد نجاح الثوار في فك الحصار الذي فرضته كتائب القذافي الأمنية حول مدينة الزنتان، وبداية انسحاب قوات القذافي، هاجمت ميليشيات مسلحة تابعة لمدينة الزنتان المنطقة متهمة السكان بأنهم ما زالوا يأوون عناصر من كتائب القذافي الأمنية.

ومع أن أشخاصاً معنيين هم الذين انضموا إلى الفرقة المسلحة التي ساندت قوات القذافي، اعتبرت الميليشيات التي دخلت إلى المنطقة أن جميع السكان مذنبون ومتواطئون مع ابنهم القادم إليهم من طرابلس.

وبنفس الأسلوب الذي اتبعته جميع الميليشيات، اقتحم المهاجمون المنازل والمتاجر، واستولوا على الممتلكات الخاصة، وخربوا المنشآت العامة مثل شبكات المياه والكهرباء واستولوا على الأسلاك الكهربائية، وخطفوا عدداً من الشباب. وفي اليوم التالي هرب السكان خوفاً من رجوع تلك الميليشيات ثانية، وأصبحت المنطقة ضمن مدن الأشباح.

4 – بلدة العوينية

العوينية بلدة من بلدات الجبل الغربي تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة طرابلس، وتبعد منها نحو 160 كم، ونحو 70 كم عن مدينة غريان، وقريبة من مدينة الزنتان. تقطن قبيلة المشاشية هذه البلدة ومجموعة القرى والمدن القريبة، مثل عومر وزاوية الباقول وظاهر الجبل ثم مدينتي مزده والشقيقة.

سكان بلدة العوينية قرابة 12 ألف نسمة، وتوجد في البلدة والقرى الملاصقة لها 11 مدرسة، وثلاثة مستوصفات ومستشفى قروي، وخمسة مساجد، وعدد من المباني الادارية ووحدات سكنية حديثة. ولقربها من مدينة الزنتان تمركزت فيها كتائب القذافي الأمنية عند حصارها لمدينة الزنتان. لذلك استهدفتها الميليشيات التابعة للزنتان فور تقهقر قوات القذافي من المنطقة، فاضطر سكان العوينية وعومر وزاوية الباقول إلى الهروب.

بدأ الهجوم المسلح على المنطقة يوم 15 يونيو 2011 ، وبأسلوب الميليشيات نفسه، حطمت أبواب جميع الوحدات السكنية والمباني العامة، وتم الاستيلاء على كل ما فيها وتحطيم المقتنيات التي لم يجدها أعضاء الميليشيات مفيدة‏ كما حطمت جميع المنشآت العامة، وهدمت مكونات البنية التحتية، وأضرمت النار في الكثير من المباني لكي يصبح المكان غير ملائم للإقامة.

تفرق السكان بين الكثير من المدن أغلبها في المنطقة نفسها، وخصوصاً في تلك التي جميع سكانها من قبيلة المشاشية، أو بها نسبة كبيرة من القبيلة نفسها، وأصبحت العوينية وعومر وزاوية الباقول ضمن مدن الأشباح.

وفي تاريخ لاحق، ادّعى المهجَّرون أن الميليشيات التي تسببت في طردهم وتخريب بلدتهم، تقوم بزرع ألغام أرضية مضادة للأفراد في المنطقة، وهذا الإجراء لم يُذكر في بقية الحالات التي تحولت إلى مدن أشباح. ويبدو أن المسؤولين عن تحويل المنطقة إلى مدينة أشباح مصممون على جعل عودة السكان حتى بعد زمن، أمراً باهظ التكاليف‏.

قبيلة المشاشية من القبائل الكبيرة، ويوجد أسر من هذه القبيلة في مدن وقرى ليبية كثيرة، وهي دخلت عبر التاريخ في صراعات مع قبائل أخرى ومن بينها قبيلة الزنتان. وقد استغل القذافي أحداثاً تاريخية بعينها للتذكير بعداوات قديمة بين بعض الجيران، وهكذا استفاد خلال الحرب الأهلية من أبناء هذه القبيلة.

لذلك كان رد فعل ميليشيات الزنتان ضد سكان بلدة العوينية وانتقامها من السكان أمراً متوقعاً، ومعركة خسرتها قبيلة المشاشية. ولكن عندما حاولت ميليشيات الزنتان تعقُّب الفارين من العوينية وبقية المناطق المجاورة لها، وخصوصاً الذين التجأوا إلى مدينة الشقيقة، تكاتفت جميع ميليشيات المدينة للدفاع عن الذين التجؤوا إليهم. وخلال أحد التجمعات التي انتظمت بهدف التصدي للميليشيات المهاجمة، بدت مظاهر العداوة الشديدة واضحة بين جيران الأمس‏.

5 – قرية بئر عجاج

تقع هذه القرية في المنطقة التي تعرف بباطن الجبل، وتبعد من مدينة طرابلس نحو 70 كم، ومن مدينة غريان نحو 40 كم. يقيم في القرية قرابة 250 أسرة في مبانٍ حديثة، وينتمون إلى قبيلة واحدة تعرف باسم «الجعافرة». لم يتعرض السكان للتهجير أثناء ثورة 17 فبراير 2011، ولكن بعد انتصار الثورة ادعت إحدى قبائل غريان ملكية الأرض المقامة عليها القرية، وأن القذافي خصصها لسكان القرية دون وجه حق.

جرت مفاوضات كثيرة بين رجال القبيلتين، ويبدو أن قبيلة الجعافرة استطاعت التقدم بوثيقة ترجع إلى أيام حكم العثمانيين، تفيد أن قبيلة الجعافرة هي التي تملك هذه الأرض. وقد حاول عدد من شيوخ القبائل من المناطق المجاورة التوسط في النزاع، إلا أن ميليشيات تابعة لمدينة غريان شنت سلسلة من الهجمات على القرية.

وفي يوم 13 يناير 2013 دخلت هذه الميليشيات القرية وعاثت فيها فساداً. نهبت محتويات البيوت، وأحرقت ودمرت معظمها. هرب السكان، وتفرقوا بين المدن والبلدات المجاورة بما فيها مدينة غريان نفسها، وانضمت القرية إلى قائمة مدن الأشباح‏.

يتبع في الجزء الثالث

***

(**) مصطفى عمر التير: أستاذ علم الاجتماع في الجامعات الليبية، الرئيس السابق للجمعية العربية لعلم الاجتماع.

_________

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 492 في شباط/فبراير 2020.