Minbar Libya

بقلم مصطفى عمر التير

الهجرة القسرية هي إحدى أهم المشكلات الاجتماعية الملازمة للمجتمعات التي تتعرض لحروب خارجية أو داخلية. وتعاني ليبيا منذ عام 2011 هذه المشكلة، التي تعد من بين نتائج انضمام ليبيا إلى بلدان الربيع العربي.

.الجزء الثالث

ثانياً: التهجير القسري وتنامي خطاب الكراهية وانعكاساته الاجتماعية

يمكن تصنيف المجتمع الليبي ضمن فئة المجتمعات التي تنخفض فيها عناصر الاختلاف بين مكوناته الاجتماعية. الأغلبية العظمى عرب ومسلمون على مذهب الإمام مالك. الجماعات التي تحمل بعض الصفات الخاصة محدودة (الأمازيغ والطوارق والتبو)، ونسبتها بين السكان صغيرة.

لا تزال القبيلة حاضرة كمكوِّن اجتماعي رئيسي في المجتمع الليبي، وما يعرف بالعصبية القبلية موجودة هي الأخرى، ولكن كعامل تضامن داخلي أكثر منها تعصباً ضد الآخر.

بل إن المتتبع لعلاقات المصاهرة يجد أن قبائل كل منطقة يرتبط بعضها مع بعض، ولا تُستثنى من هذه القاعدة إلا الجماعات الإثنية صغيرة الحجم، التي لا تدخل في علاقات مصاهرة مع الجيران المختلفين معها إثنياً إلا في ما ندر.

لذلك نرى أن خطاب الكراهية الذي انتشر انتشاراً واسعاً منذ اندلاع ثورة 17 فبراير 2011 من بين الظواهر الحديثة في هذا المجتمع، وإن وجدت له جذور محدودة خلال فترة حكم القذافي.

يجد المتصفح للتاريخ الليبي الحديث بيانات حول خلافات بين الليبيين أدت إلى صدامات مسلحة؛ نقصد بها تلك الحروب التي نشبت بين بعض القبائل، بسبب تنافس شيوخها على توسيع مجالات نفوذهم على الأرض وعلى المقيمين عليها‏. إلا أنه يمكن القول إن أغلبية القبائل الليبية التي حدثت بينها حروب، ولم تضطر إلى الهجرة والاستقرار في بلدان الجوار، تصالحت مع بعضها، وقد بدا هذا واضحاً في الحرب ضد الإيطاليين في مطلع القرن العشرين.

ومع ذلك نجح المستعمر في توظيف بعض العداوات القبلية القديمة لمصلحته، بحيث ساندت بعض القبائل الايطاليين في احتلال أجزاء من ليبيا نكاية في قبائل يناصبونها العداء‏.

لكن تمكنت القيادات الاجتماعية التي عاصرت الحرب العالمية الثانية من معالجة تلك الخلافات، ونجحت في بناء كيان دولة مدنية، تحت قيادة ملك كان في الوقت نفسه زعيم طائفة دينية سنية.

وحّدت الدولة صفوف الليبيين، مع التشديد على العناية بإبراز تلك القيم المستمدة من الدين الاسلامي، وتعمل على تقوية اللحمة الوطنية وتقوية العوامل التي من شأنها تمتين النسيج. كان العيب خلال تلك الحقبة من الزمن، أحد أهم مكونات وسائل الضبط الاجتماعي غير الرسمية.

كانت كلمة «عيب» تُسمع كثيراً داخل الأسرة وفي الشارع وفي المدرسة أيضاً بعد أن بدأ التعليم في الانتشار. وكانت الاستجابة السائدة عندما يسمع الشخص الذي يبدأ بالقيام بفعل: «عيب لا تفعل هكذا»، التوقف فوراً. وكان العار مقروناً بالعيب، فالقيام بفعل لا يجيزه العيب يجلب العار للشخص الذي قام بالفعل ولأسرته وللجماعة الأكبر التي ينتمي إليها، مثل القبيلة أو حتى القرية.

وكما ذكرنا في مكان سابق لم يكن التنابز بالألقاب القبيحة ضمن الثقافة الليبية، وكانت عبارات السخرية من الآخر والتنابز بالألقاب ضمن الأفعال التي تدخل تحت عباءة العيب.

لكن سادت بين الليبيين عادة التفاخر، كأن يتباهى أعضاء القبيلة بأنهم أهل شجاعة وكرم وإعانة الضعيف، وغيرها من الصفات المرتبطة بالقيم الحميدة في الثقافة العربية.

وقد يتباهى سكان المدينة بأنهم حضر وبذلك هم أفضل من غيرهم البدو، أو يتباهون بالانتماء إلى الإقليم فهذا فزاني والآخر برقاوي والثالث طرابلسي. تحمل هذه العبارات في بعض الأحيان إيحاءات سلبية ضد الآخر.

ويمكن القول إن درجة سلبيتها ليست قوية، بل هي من النوع المتداول بين أجزاء البلد الواحد مثل: إطلاق النكت على سكان الصعيد في مصر مثـلاً كونهم أقل تعليماً وأقل فهما لخصائص الحياة الحديثة، فتسهل عملية استغلالهم. أو تلك الصفات التي يطلقها سكان الشمال على سكان الجنوب كما هي الحال في إيطاليا وبعض البلدان الغربية.

لكن، ومع عدم وجود مظاهر التمييز العنصري – في الأماكن العامة – ضد أصحاب البشرة السوداء، إلا أن سكان بعض مدن الشمال قد يستخدمون كلمة «عبد» عند الحديث عن صاحب البشرة السوداء، وتستخدم الكلمة عادة في غياب المنعوت وليس في حضوره.

والملاحظ أن أغلبية سكان إقليم فزان من ذوي البشرة السمراء أو السوداء، ومع ذلك قد يستخدم بعضهم الكلمة عند الحديث عن آخر يحمل لون البشرة نفسه لتأكيد أن جذوره من الرقيق.

ونظراً إلى موقع ليبيا الجغرافي، كان لهذه البلاد دور مهم في التجارة بين بلدان جنوب أوروبا ووسط أفريقيا، ووجدت فيها منذ القدم بعض أهم طرق القوافل. وحتى مطلع القرن العشرين كان الرقيق أحد أهم ما تضمنته قوافل التجار.

لذلك عرفت أكثر من مدينة ليبية سوقاً لبيع وشراء الرقيق إما بالنقود وإما بالمقايضة. وعليه كان وجود أشخاص من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء في المدن والقرى الليبية، أمراً عادياً خلال معظم عصور التاريخ‏.

كل حالة من حالات التهجير القسري عُرضت في ما سبق، كانت بسبب صدام مسلح انهزمت فيه ميليشيات الطرف الذي هُجّر. وفي كل حالة قام الفريق الذي بدأ بالهجوم برسم صورة سلبية لأعضاء الفريق الآخر، وشملت جميع سكان المدينة أو البلدة الأخرى أو القبيلة الأخرى. وهي صورة الهدف منها تقوية درجة الشعور بالكراهية ضد الجماعة التي ستتم مهاجمتها.

لم يقتصر ربط الصورة السلبية بعدد معيَّن من الأفراد لارتكابهم أفعالاً مشينة، وإنما أُلصقت الصورة بجميع أفراد المجتمع؛ مجتمع المدينة أو البلدة أو القرية بما في ذلك الأطفال والنساء والشيوخ.

عدد الرجال من مدينة تاورغاء الذين قاموا بأعمال مشينة في مدينة مصراته صغير، ولكن الأفعال الشنيعة التي قاموا بها، من بين أسوأ ما يمكن أن يحدث للفرد في هذا المجتمع.

لا بد من أن البعض كان سيفضل الموت لو خُيّر أيّهما يختار، لأنه فعلٌ يرتبط بجلب العار للضحية، ولجميع أفراد الأسرة بل والمجتمع؛ والمعني هنا سكان المدينة أو القرية، بل يشمل حتى أولئك الذين ينتسبون للمدينة ولكنهم يعيشون في مدن أخرى. وتعقدت هذه المشكلة بصورة أقوى بسبب الانتشار الواسع للهواتف الذكية، والربط بين ما تصوره ووسائط التواصل الاجتماعي.

حصلت تلك الأحداث أثناء تمكن كتائب القذافي الأمنية من الدخول إلى جزء من مدينة مصراته خلال شهر مارس 2011‏. شعر سكان مصراته بالغيظ، لكنهم لم يستطيعوا فعل الكثير سوى الوقوف وراء ثوارهم المسلحين لتحاصر القوات الغازية، وتجبرها على البقاء في أقل مساحة ممكنة في المنطقة أو الحي الذي دخلته.

واستمر ذلك الوضع إلى أن نجح الثوار بمساعدة طيران حلف الناتو على إرغام قوات القذافي على فك الحصار عن مدينة مصراته، والتقهقر في اتجاه الغرب، وبعدئذ هاجمت فرق مسلحة من مدينة مصراته مدينة تاورغاء، وقررت طرد جميع السكان، وخلال ساعات تحولت من مدينة كانت تعج بالحياة إلى مدينة أشباح.

الذين قاموا بالأفعال المشينة جماعة صغيرة، ولا تمثل سكان المدينة، لكن النقمة على تلك الأفعال شملت جميع سكان مدينة تاورغاء، وكأن الجميع كان مشاركاً أو موافقاً أو مؤيداً.

وعلى الجانب الآخر الفرق المسلحة من مدينة مصراته التي هاجمت مدينة تاورغاء كانت جماعة محدودة، إلا أن فعلهم هذا مثل رد الفعل وكأن جميع سكان مصراته اتفقوا عليها. وهكذا أصبحت العداوة قاسماً مشتركاً بين جميع السكان في المدينتين الجارتين.

تقع مدن أشباح الجبل الغربي التي شملتها الحالات التي استعرضت آنفاً، باستثناء قرية بئر عجاج، في الجزء الجنوبي الشرقي من الجبل بين مدينتي غريان والزنتان، وهي عبارة عن مجموعة من البلدات المتجاورة. وفي جميع الحالات كانت ميليشيات الزنتان هي المتسببة في تدمير البلدات، وإرغام السكان على ترك مساكنهم. وهذا يعطي انطباعاً عاماً وكأن الزنتان قوة ضاربة ومتغوّلة.

المتتبع ليوميات ثورة 17 فبراير يلاحظ أن شباب الزنتان انتفضوا في يوم 16/2/2011 كأول مدينة تقوم فيها تظاهرات في الشق الغربي من البلاد. ويلاحظ أيضاً أن كبار السن لم يتأخروا عن تأييد الشباب منذ الساعات الأولى، وكذلك وقف جهاز الأمن في المدينة على الحياد، ولم يتدخل عندما أطاح الشباب جميع رموز ثورة الفاتح البادية للعيان.

وقد سارعت المدينة إلى تكوين ميليشيات مسلحة، وحصلت على دعم خارجي مهمّ. وبعد أن انتفضت مدينة مصراته، أصبحت خطابات القذافي المهاجمة للثورة تتضمن فقرة خاصة بهاتين المدينتين. كما دعا – في مناسبات كثيرة – القبائل القريبة من كلا المدينتين للزحف عليهما وتجريد المنتفضين من أسلحتهم‏.

ومن عجائب المصادفات أن المدينتان كان لهما دور مهم في إنجاح ثورة 17 فبراير، ثم كانتا تساهمان بنسبة كبيرة فيما بعد في نشر خطاب جديد لم يألفه المجتمع الليبي من قبل، ونعني به خطاب الكراهية، الذي قاد إلى تشظي النسيج الاجتماعي في محيطهما.

***

(**) مصطفى عمر التير: أستاذ علم الاجتماع في الجامعات الليبية، الرئيس السابق للجمعية العربية لعلم الاجتماع.

_________

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 492 في شباط/فبراير 2020.