Minbar Libya

بقلم مختار غميض

بعد أكثر من عشرة أشهر من عدوان اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر على عاصمة بلاده طرابلس، دخلت ليبيا العام الجديد وها هي تحيي ذكرى ثورتها التاسعة.

.الجزء الأول

يتم ذلك دون أفق سياسي واضح المعالم، تعزّز بمخرجات ضحلة للحوار السّياسي الذي احتضنته العاصمة الألمانية برلين منتصف الشهر الماضي، بينما على الأرض يتواصل صمود قوات بركان الغضب الجناح العسكري لحكومة الوفاق الوطني الجهة السياسية التي يعترف بها المجتمع الدولي.

لقد فشلت مساعي حكومة حفتر الموازية شرق البلاد في نزع شرعية الوفاق، مع خيبات متتالية مُنيت بها أطماع حفتر السلطوية ممّا بات يؤشّر بقوّة لاكتمال أركان الهزيمة على تخوم العاصمة طرابلس بحكم ساعات الصفر المتتالية التي أعلنها الجنرال لدخول طرابلس.

لكن ذلك مرتبط أيضا بأداء قوات الوفاق على جبهات القتال أوّلا، وإرادة المجتمع الدولي في الوقوف معها مقابل الضغط أكثر على حلف حفتر، ذلك وحده الذي سيكشف حقيقة نوايا كل الأطراف واتجاهاتها قادم الأيّام، بعد طول أمد المعارك واستمرار مراوغات حفتر الذي أعلن عدم اقتناعه بالحل السياسي، ومع تلويح قوات الوفاق بمواجهة التصعيد بالتصعيد، في ظل تواطئ روسي، وموقف أمريكي رغم تحسّنه فإنه لايزال ضعيفا.

يمهّد صمود قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية على الميدان، الأرضية أمام انتصارات موازية على الشق السياسي لم تفتأ في التحسّن من حيث الأداء الديبلوماسي.

وقد قلبت الخطوة الديبلوماسية مع تركيا المشهد السياسي والعسكري رأسا على عقب، فتحرّكت المياه الراكدة مع إبرام رئيس المجلس الرئاسي فايز السرّاج مذكّرة تفاهم أمني وعسكري مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ممّا كان لها بالغ التأثير على المنطقة برمّتها.

فدخلت مصر في سياسة حشد المواقف ضد حكومة الوفاق بتأليب دول كبرى ضد الاتفاقية بمن فيها تلك التي كانت توالي طرابلس، لكن كل تلك الجهود مُنيت بالفشل، إقليميا ودوليا وليبيّاً.

بل جاءت أكبر النّكسات من قلب القاهرة مطبخ القرار العربي الرسمي برفض مغاربي إدانة الاتفاقية، ثم باعترافات الموفد الأممي غسّان سلامة بتسيير حفتر لرحلات للمرتزقة من دمشق إلى بنغازي، وليس انتهاء بإطلاق دعوات للسلام من داخل مناطق نفوذ حفتر.

كل ذلك دلائل على اهتزاز معسكر الشرق الليبي ومناصريه، مما انعكس على مجمل الأوضاع، لذلك تحاول حاليّا قوات حفتر التحشيد لهجمة عسكرية جديدة مع تتالي المحاولات الفاشلة للتوغّل إلى قلب العاصمة بالتزامن مع نجاح قوات الوفاق في إبعاد شبح الطيران المُسيّر لقوات حفتر عن السّماء بفضل الدعم التركي.

أولا: ضعف الدور المصري والعربي

أخيبة مساعي السيسي

يُعدّ النظام المصري حاليا من أشدّ المدافعين عن اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر ويسعى مع أنظمة عربية على رأسها الإمارات لترسيخ قدم الحكم العسكري في ليبيا.
ومنذ 2014 لم يتخل السيسي عن دعمه لحفتر ضمن انقلابه على الحكومة الليبية المنتخبة بكل السبل بما فيها الدعم العسكري، فقصف مدينتي بنغازي ودرنة في المنطقة الشرقية المجاورة لمصر خيرُ مثال.

ومع استنفاذ السيسي لجميع الحلول في تمكين حفتر من طرابلس، دعا أخيرا الأمانة العامّة للجامعة العربيّة إلى عقد دورة غير عاديّة لمجلس الجامعة بهدف بحث التطوّرات الحالية في ليبيا واحتمالات التصعيد فيها داعية لاتخاذ موقف عربي في هذا الشأن بعيدا عن التدخّلات الخارجية في أقرب وقت ممكن ، والمقصود هنا من السيسي هو سرعة مواجهة تفعيل الاتفاقية الموقعة بين تركيا والوفاق.

ويَعتبر السيسي الاتفاقية مهدّدة له وغير مشروعة في الجارة الغربية لمصر .كما أتت دعوة السيسي لاجتماع المنظمة العربية بعد استنفاذه كل الجهود الدولية لإدانة الاتفاقية لذلك فرضت تطورات الأوضاع في ليبيا نفسها على أطماع السيسي فكثّف اتصالاته الهاتفية في ساعات فقط:

  • بداية مع رئيس الوزراء الايطالي جوزبي كونتي

  • ثم مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

  • ثم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

  • ثم مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون

وتمحورت كلها على المناشدة بوضع حد للتدخلات الخارجية في ليبيا لكن الرد الإيطالي والروسي شددا على حل سلمي للأزمة الليبية.

هذه المواقف والحراك الدولي الجديد لم يكن ليحدث لولا الموقف التركي الجديد وتلويحه بالتدخل عسكريا في ليبيا، مما خلق توازنا على الأرض ووضع اللاعبين أمام قضية أكثر جدية أو اشعال المنطقة بأكملها وإطالة أمد فتيلها ، وبالتالي حشرهم في زاوية البحث عن حلّ.

في المقابل فإنّ خلخلة الموقف الدولي نحو مراجعة مواقفه من الأزمة الليبية، خاصّة زعماء كبار يُعتدّ بهم في الملف الليبي، حيث تعد إيطاليا حليفا لحكومة الوفاق وفرنسا حليفا لحفتر، وروسيا كذلك، بينما بقيت الولايات المتحدة أقرب لحكومة الوفاق ولو بدون قرارات قويّة وجريئة.

لكن عدم اتخاذ هذه الدول مجتمعة موقفا واضحا مع السيسي لسحب البساط من تحت حكومة الوفاق يعتبر في حد ذاته إحباطا لعزيمة الرئيس المصري نحو موقف دولي جديد مغاير تماما للأشهر الأولى لما بعد هجوم حفتر على طرابلس.

وقد أكدت ذلك زيارات حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح لمصر وإيطاليا نزولا عند رغبتهما في سحب الاعتراف الدولي بحكومة الوفاق، فإن تلك الجهود قوبلت بخيبات في الخارج، وبالتالي لم يجد الحليف القوي لحفتر غير التوجه نحو البيت العربي الرسمي والدخول من باب القاهرة.

وذلك لتمرير قراراته عنوة لسحب الاعتراف بحكومة الوفاق كحكومة شرعية وإسقاط الاتفاقيات الليبية مع تركيا، لإدراك السيسي بعجزه عن مواجهة تركيا سياسيا وعسكريا لكنه ظل يحاول الضغط باتجاه إيجاد موطئ قدم له بليبيا أو ربّما الذهاب نحو لعب ورقة التقسيم .

ب فشل توظيف الجامعة العربية

يكفي الاستجابة السريعة لعقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية سببا لإثارة نقاط استفهام عدة حول مدى حيادية هذه المنظمة وتبعيتها للنظام المصري والرسمي العربي خاصة الامارات والسعودية في ظل الاستقطابات الحالية.

فقد سبق لحكومة الوفاق وأن طلبت مرارا من الجامعة عقد جلسات لدعم الجهة الشرعية في ليبيا ووقف العدوان على عاصمة عربية هي من ضمن الدول الأعضاء، لكن دون جدوى.

كما لم تقدم الجامعة أي مبادرة بل ارتهنت للقرار المصري ارتهانا كاملا ولم تكلف أي من مسؤوليها زيارة طرابلس ولقاء أي من مسؤولي حكومة الوفاق رغم دعوات الأخيرة بالتدخل كعضو عربي معترف به.

لكن الجامعة ظلت طيلة تسعة أشهر ـ قبل اجتماعها هذا بدعوة السيسي ـ ظلت تغط في سبات عميق وهي فترة شهدت ارتكاب المعتدي كافة أنواع الجرائم، وهو ما أعرب عنه المندوب الليبي صراحة.
وعلى خلاف آمال الداعين للاجتماع، استجابت الجامعة لدعوة السيسي لاجتماع طارئ لمندوبيها لكن نتائج التصويت خيبت أمالهم، فانحازت ثماني دول لحكومة الوفاق مع امتناع أخرى عن التصويّت ما مثل انتكاسة جديدة من الداخل العربي لداعمي قائد قوات الكرامة.

أما بيان الجامعة العربية فكان مفاجئا بل صفعة للقوى الموالية لحفتر وأوّل من انتقده مصر، لفشلها مع حليفتها الامارات والسعودية وبعد وقت طويل من الجدل جاء القرار مخيّبا لآمال أنصار الجنرال، فلم يدن التدخل العسكري التركي مباشرة بل لم يذكر تركيا بالاسم حتّى.

والأهم أنه عزّز شرعية حكومة طرابلس وندد بالتدخل الخارجي، فكان إدانة لحلفاء حفتر أكثر منه إدانة لتركيا التي جاء تدخلها نتيجة لتدخل القوى الأخرى، وربما هذا ما حال دون ذكر اسمها.

ما إعراب البعض عن خيبته من الموقف التونسي خاصة بعد زيارة أردوغان ووزير الداخلية الليبي بعده إلى تونس ودعوته لها بالاصطفاف إلى جانب الوفاق، والذي عقبته تصريحات لرئيس الجمهورية قيس سعيد تفيد بالنأي بتونس عن سياسة المحاور، فإن تصويت تونس لصالح حكومة الوفاق أعاد الآمال مجددا في وقوف البلاد دائما إلى جانب الشرعية الدولية والقرارات الأممية ، والموقف الوازن تجاه قضايا مصيرية تربطها بعمقها الاستراتيجي ومجالها الحيوي المغاربي .

لكن الموقف التونسي الذي بدأ بطيئا تدعّم بموقف الجزائر الذي أعرب عنه الرئيس تبون في قوله إن طرابلس خط أحمر، وإن بدا موقفا واضحا، دعّمه موقف المغرب المتمسّك بالاتفاق السياسي الذي تم إبرامه فيها بالصخيرات.

إن كل هذه المواقف، وإن كانت رصينة ومسؤولة مقارنة بالمتلاعبين بالدم الليبي، فإنها لم ترتق بعد لموقف موحّد وجادّ لِلجم أفواه المعتدين وداعميهم ولو ببيان قويّ، فتوقف عند عتبة المطالبة بحوار ليبي/ ليبي، في مبادرة الرئيسين التونسي والجزائري، دون إعطاء مخرجات ولا تواريخ ولا لقاءات محددة.

ثانياالضغط الداخلي والدولي باتجاه الحوار

أدعوات شرقية للحوار:

لئن جاءت مبادرات للسلام والحوار من المهجّرين من مناطق الشرق نحو الغرب كالهيأة البرقاوية، فإنه لم تأت منذ إعلان قائد قوات الكرامة عن عمليته العسكرية قبل خمس سنوات أي مبادرة أو مطالبات للحوار والسلام من داخل الشرق الليبي.

بل إن المطالبات الوحيدة جاءت متأخرة بعد أشهر من هجوم حفتر على العاصمة، فكانت أولاها دعوة النائب سهام سرقيوة من شاشة فضائية تابعة لحفتر للحوار وتجنيب العاصمة شبح الحرب، ليتم تغييبها حتى الآن في جهل تام بمصيرها رغم النداءات الداخلية والخارجية.

لقد كانت هذه الدعوة فاتحة لدعوات أخرى لم تأخذ صدى كبيرا لكنها أثارت تساؤلات حول توقيتها خاصة وأن هذه الدعوات غير مسبوقة تحت سيطرة حفتر، وعما إذا كانت بإيعاز منه أو خروجا عنه، هذا العامل ربما كان وراء غياب مناخ الثقة، من ذلك منع قوّة حماية سرت وفدا قادما من الشرق لمقابلة أعيان مصراتة للتفاوض ووقف الحرب على طرابلس، وبالتالي رجوع الوفد لرأس لانوف.

لكن تبقى مبادرة شباب برقة للسلامالأهم التي أعلنها من داخل بنغازي عدد من نشاط المدن البرقاوية، حيث أصدروا بيانا طالبوا فيه بوقف الحرب على طرابلس، ثم جاءت مطالبة عضو اجدابيا في مجلس نواب طبرق فتح الله السعيطي، كثاني مطلب من البرلمان، يقول بأنه لا حل عسكري ويجب جلوس الليبيين مع بعض ولابد من التداول السلمي للسلطة في دولة مدنية والالتفاف حول مشروع وطني.

كلها مبادرات تُضاف إلى مبادرة إعلان تونس للسلامالتي طرحها مجلس أعيان ليبيا أمام الرئيس التونسي، لتبقى جميعها مبادرات للاستهلاك طالما أنها لا تستند إلى آليات تنفيذية قوية وتملك سلطة القرار.

يتبع في الجزء الثاني

***

مختار غميض (صحفي تونسي)
_________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية