Minbar Libya

بقلم آسيا قبلي

أعلنت تركيا مساندتها لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا ضد وحدات الجيش الليبي الممثلة لحكومة طبرق والتي ترفض الاعتراف بحكومة الوفاق، وانعكس هذا الصراع في نزاع مسلح استطاع على إثره خليفة حفتر قائد الجيش الليبي من التقدم نحو العاصمة طرابلس في محاولة للسيطرة عليها لتصبح بهذا ليبيا مصدر قلق لجيرانها وإقليمها ودول العالم ككل في ظل الصراع المتواصل بين الجبهتين.

الموقف التركي أثار تساؤلات كثيرة خاصة بعد توقيعها اتفاقا بشقين حول الأمن وآخر حول ترسيم الحدود البحرية بينها وبين ليبيا، خاصة وأن تركيا تحفظت في موقفها حول الأزمة الليبية وقرار مجلس الأمن حول فرض منطقة حظر جوي عليها، وتوجهها اليوم نحو تقديم دعم عسكري أو القيام فعليا بهذه الخطوة العسكرية يؤكد على التغيرات الجذرية في الموقف التركي والذي تغذيه التحولات التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط ككل لعل أهمها ادراك تركيا العميق بالتوازنات الجديدة في المنطقة، والتي جعلت  لتدخلات قوى إقليمية في أزمات المنطقة كإيران مكانة في هذه المعادلة في مقابل تراجع الدور التركي.

تحاول هذه الورقة البحث في الأسباب الكامنة وراء هذا التحرك التركي، وتفترض إلى جانب عوامل كثيرة أن العامل الاقتصادي يلعب دورا أساسيا في تحركات تركيا الخارجية لتعويض الخسائر التي يعرفها اقتصادها.

العلاقات الليبية التركية

تعتبر العلاقات الليبية التركية ضاربة في القدم، وتعود إلى فترة التواجد العثماني في شمال أفريقيا، ومنذ عهد البحرية الطرابلسية، التي ازدهرت بعد سقوط  غرناطة، وطرد الأسبان للمسلمين (فيما صار يعرف بالمورسكيين)، هؤلاء المرحلون نحو الدولة العثمانية، نجح الكثير منهم في الالتحاق بالساحل الجنوبي للمتوسط من ليبيا إلى المغرب، وأسسوا مدنا عبر السواحل للانتقام من الأسبان الذين حرموهم من أرضهم وممتلكاتهم، فأخذت البحرية الإسلامية تسترد قوتها، وما زادها قوة هو التحاق البحارة العثمانيين بالمغرب ( طرابلس”ليبيا حاليا” وتونس والجزائر)، حيث أصبحت البحرية الإسلامية قوة ضاربة في الحوض الغربي للمتوسط ابتداء من القرن السادس عشر. ونجحت في صد الهجمات الصليبية المتكررة على السواحل الجنوبية المسلمة.

شهدت فترة ما بعد سقوط غرناطة حملات صليبية متعددة على المسلمين جنوب المتوسط، وقد أتعبت هذه الهجمات الدويلات القائمة فيها، وعليه استعانت الدولتين  الزيانية والحفصية (في الجزائر وتونس على الترتيب)، بالعثمانيين عُروج وخير الدين برباروسا في دحر المعتدين.

بينما رزحت طرابلس الغرب تحت نير الاحتلال الاسباني 1510، ثم سلطة فرسان مالطا بتخويل اسباني سنة 1530، التي أنهكت كاهل السكان بالضرائب وقضت على التجارة البحرية نحو موانئ طرابلس بسبب ثقل الضرائب المفروضة على السفن.

وقدّم السلطان العثماني سليمان القانوني مع تولي الحكم (1520) الدعم لسكان تاجوراء، في مواجهة التواجد الإسباني في طرابلس الغرب.

دخل العثمانيون طرابلس الغرب ( ليبيا حاليا)، بعد دحرهم منظمة فرسان مالطا الصليبية، المدعومة من إسبانيا وأوروبا، بداية من 1551، ولم يحكم العثمانيون سيطرتهم رغم ذلك على كل ليبيا نظرا للسياسات الضريبية للبحارة، التي أثقلت كاهل السكان. بقيت ليبيا ولاية عثمانية إلى غاية 1911، حيث سقطت تحت نير الاحتلال الإيطالي وبقيت كذلك.

تركيا وانقلاب القذافي

تميزت الفترة التي أعقبتها انقلاب الضباط الأحرار بقيادة القذافي، بسخط داخلي على السلطة الفعلية في ليبيا زمن الملك إدريس السنوسي، الذي كان زاهدا في الحكم. كما جاء الانقلاب بعد الحرب العربية ضد الكيان الإسرائيلي سنة 1967، التي لم تشارك فيها ليبيا وهو ما أثار حنق المواطنين الليبيين.

لم تستطع تركيا أن تعلن موقفها من انقلاب القذافي، ذلك أن الملك إدريس السنوسي كان في عطلة علاج واستجمام في تركيا. لكن وحفاظا على مصالحها في ليبيا بعد الانقلاب على الحكم الملكي، قامت بإنزال العلم الليبي للملكية (وهو العلم الليبي الحالي)، وجاء في البيان أن العلم يرفع في إقامة رؤساء الدول فقط، والملك السابق إدريس لم يعد ملكا. واعترفت بالنظام الجمهوري الليبي في 2 سبتمبر 1969.

العلاقات بين البلدين لم ترق إلى المستوى الذي كانت عليه أيام الملك السنوسي، إلى أن تدخلت تركيا في جزيرة قبرص عسكريا سنه 1974، وتأييد ليبيا لذلك، وهو ما أعاد العلاقات إلى سابق عهدها في العهد الملكي.

تركيا وثورة 17 فبراير

خلال الأزمة الليبية ترددت تركيا فيما تعلق بفرض منطقة حظر جوي على ليبيا، ووصفت الدعوة بأنها ” غير مفيدة وتنضوي على مخاطر، وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان:” إن التدخل العسكري من قبل حلف شمال الأطلسي في ليبيا أو أية دولة أخرى ستنجم عنه آثار عكسية تماما”، لكنها اعترفت أشهرا بعد اندلاع الأزمة بالمجلس الوطني الانتقالي في يوليو 2011، تلا ذلك زيارة رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان إليها.

كما رفضت تركيا الحل العسكري عند قيام خليفة حفتر بعملية الكرامة العام 2014، حيث دعت إلى الحوار السياسي، كما دعمت حكومة الوفاق المعترف بها دوليا بقيادة فايز السراج.

الاقتصاد في معادلة التحرك التركي الأخير

ويمكن القول أن العلاقات بين الدولتين هي علاقات يطغى عليها الجانب الاقتصادي سيما الطرف التركي، حيث قُدّرت قيمة التبادل التجاري قبيل اندلاع الثورة الليبية إلى 10 مليارات دولار، كما أعلنت ليبيا عن تقديم استثمارات بقيمة 100 مليار دولار للشركات التركية إلى غاية 2013، واستثمارات بقيمة 15 مليار دولار في مجال البناء والتشييد لصالح تركيا، ومنذ 2010، بلغ عدد المشاريع التي دخلت حيز التنفيذ 160 مشروعا. فيما تقدر الأعمال التي وصلت مرحلة التسليم قبل الحرب الأهلية بـ3-4 مليارات دولار.

وتحتل ليبيا المرتبة الثالثة من حيث احتضان المشاريع التركية بنحو 30 مليار دولار. وهذا يعني أن توقف الاستثمار التركي في ليبيا بسبب الأزمة الليبية، كبّد المستثمرين الأتراك خسائر كبيرة، فقُدّرت قيمة المشاريع العالقة للشركات التركية في ليبيا بـ 19 مليار دولار، ومستحقاتها بمليار دولار، أما التأمينات فبلغت 1.7 مليار دولار، في حين بلغت قيمة الأضرار التي لحقت بالمعدات والآلات 1.3 مليار دولار، وقال رئيس المجلس التنفيذي لرابطة المقاولين الأتراك، مدحت ينيغون: “لا تزال تدفع 50 مليون دولار سنويا ثمنا لخطابات الضمان”.

من جهة أخرى تسيل احتياطات الطاقة الليبية لعاب الكثير من دول العالم بما فيها تركيا التي تسعى لضمان حصة لها من هذه الاحتياطات، إذ قالت وكالة الطاقة الأمريكية أن احتياطي النفط الليبي ارتفع من 48 مليار برميل إلى 74 مليار برميل وبذلك تحتل ليبيا المركز الخامس عالمياً في احتياطيات النفط الصخري بعد روسيا و أمريكا و الصين و الأرجنتين .

وبذلك يرتفع العمر الافتراضي لإنتاج النفط الليبي من 70 عاماً إلى 112 عام، بعد الإعلان عن أن الاحتياطي الليبي من النفط المخزون بالصخور والقابل للاستخراج بالتقنيات الحالية يبلغ 26 مليار برميل.

كما ارتفعت احتياطات الغاز الليبي إلى ثلاثة أضعاف حيث بلغ 177 ترليون قدم مكعب بعد أن كان 55 ترليون قدم مكعب وذلك بإضافة 122 ترليون قدم مكعب من الاحتياطي القابل للاستخراج من الصخور.

ويقع هذا المخزون الضخم من النفط الصخري شمال غرب ليبيا وجنوبها الغربي، وهي مناطق تحت سيطرة حكومة الوفاق، وبما أن تركيا فقيرة جدا في الموارد الطبيعية وتستورد 90 بالمائة من حاجياتها من الطاقة، فإن ليبيا تمثل شريكا اقتصاديا مربحا.

ما يعني أن تركيا تريد ضمان حصة من إعادة الإعمار في ليبيا لتعويض الخسائر والأضرار التي لحقتها بفعل الاضطراب السياسي والأمني في ليبيا الذي أنتج أزمة متعددة الأبعاد.

من جهة أخرى لا يمكن فصل الموقف التركي الأخير من الصراع على السلطة الدائر في ليبيا بين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا وحكومة البيضاء التي تنازعها السُّلطة باعتماد القوة العسكرية ممثلة فيما يعرف بـ الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، ومحاولتها التدخل عسكريا لدعم حكومة الوفاق، عن المستجدات على الساحة الاقتصادية شرق المتوسط، خاصة بعد اكتشاف حقول الغاز في البحر المتوسط.

وكذا أطماع الدول التي تدخلت في إسقاط نظام القذافي،على رأسها فرنسا، فكما أسلفنا استفادت تركيا من استثمارات ضخمة في ليبيا خلال السنوات الأخيرة من حكم القذافي، وهذا كان مؤشرا قويا لهز مكانة فرنسا في الاستثمار ليس في ليبيا وحسب بل في كل أفريقيا خاصة منطقة الفرنك الأفريقي.

وأشارت وثائق رسمية أن فرنسا هي من كانت وراء استصدار القرار رقم 1973، القاضي بفرض منطقة حضر جوي على ليبيا، مدعية أن الطيران الليبي يقصف المدنيين المتظاهرين، لكن الحقيقة كشفتها مراسلة عبر البريد الالكتروني لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، تؤكد أن سبب استصدار القرار هو اكتشاف فرنسا، قبل اندلاع الاحتجاجات في ليبيا بوقت قصير عن نية القذافي في إنشاء عملة أفريقية بديلة للفرنك الأفريقي تسمى “الدينار الذهبي الأفريقي، حيث تم حجز – حسب المراسلة– 143 طنا من الذهب ومثيله من الفضة، ما قيمته 7 مليار دولار من الذهب والفضة، كانت موجهة إلى الدول الأفريقية عبر الحدود التشادية الليبية تمهيدا لصك العملة الأفريقية الجديدة.

ويعتبر هذا تهديدا حقيقيا للاقتصاد الفرنسي المسيطر على 14 دولة أفريقية، تقوم فرنسا باستنزاف ثرواتها وإخضاعها للنفوذ الفرنسي. هذا عن التنافس الخارجي. وبالعودة إلى اكتشافات الغاز الكبيرة في حوض المتوسط الشرقي، وقعت تركيا وليبيا اتفاقا حول السيادة البحرية في البحر المتوسط.

واعتبرت ليبيا أن الاتفاق يعيد لها حقها المهضوم في الحدود البحرية، التي طالما استولت عليها اليونان، التي استحوذت على معظم حق ليبيا فيها، حيث أكد رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا خالد المشري حق حكومة الوفاق في الاستثمار في الجرف القاري بينها وبين تركيا، واصفاً الاتفاق بين السراج وأردوغان بأنه “يكفل حقا أصيلا كان ضائعاً للحكومة والدولة الليبية”.

وأثار الاتفاق ردود فعل حادة خاصة من مصر واليونان اللتين اعتبرتا الاتفاق غير قانوني، فاعتبر بيان مشترك مصري يوناني أن حكومة السراج لا يمكنها عقد اتفاقيات دولية، استنادا على اتفاق الصخيرات، (مع العلم أن اتفاق الصخيرات أثبت فشله سنة 2016، ولم يعد العمل به ساريا).

كما قالت اليونان إن الاتفاقيات مثل هذه تكون بين دول متجاورة، وتركيا وليبيا ليستا متجاورتين، وتعكس هذه المواقف تضرر هذه الأطراف من الاتفاق التركي الليبي.

خاتمة

من خلال ما سبق يستنتج أن هناك علاقات تاريخية جمعت بين تركيا وليبيا منذ نحو 500 سنة عندما كانت ليبيا ولاية عثمانية ابتداء من 1551م، تخللتها فترات انقطاع بسبب المد الاستعماري الأوروبي.

لكن العلاقات عادت جيدة بعد استقلال ليبيا العام 1951 وتنصيب الملك إدريس السنوسي ملكا على ليبيا، ولم يختلف الأمر عنه في عهد القذافي، حيث استفادت ليبيا من استثمارات ضخمة فيها بدءا من سنة 1972، وبغلت عشرات المليارات إلى قبيل اندلاع ثورة فبراير.

تحفظت تركيا على قرار مجلس الأمن القاضي بحظر الطيران في ليبيا جراء” قصف القذافي للمتظاهرين”، مخافة أن يتحول التدخل العسكري إلى احتلال تفقد بسببه مكانتها في الاستثمار في ليبيا.

لكن المستجدات الأخيرة من حيث اكتشاف احتياطات كبيرة في البحر المتوسط الشرقي وكذا الاحتياطات الهائلة للغاز والنفط والنفط الصخري غرب وجنوب غرب ليبيا دفع بها إلى توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، وتوقيع اتفاق عسكري يقضي بتقديم المساعدة العسكرية للوفاق ضد “عدوان حفتر”، الاتفاق أثار حفيظة دول الجوار التركي ومصر باعتبارها تعيد رسم الخريطة الجيوسياسة للمنطقة.

لكن تركيا تفكر من منطلق حماية مصالحها الاقتصادية وتعويض الخسائر التي تكبدتها بفعل الاضطرابات في ليبيا. علها تحصل على حصة في إعادة إعمار ليبيا.

ولابد من الإشارة إلى أن تركيا تخلت عن امتيازاتها في ليبيا غصبا حسب الفقرة (10) من معاهدة أوتشي (لوزان الأولى) في (1912 م) (حسب الفقرة 22 من معاهدة لوزان في 1923 م). ومعلوم أن الاتفاقية ستنتهي أفق 2023، فهل يعني ذلك أن تركيا تريد استعادة ليبيا باعتبارها “تركة عثمانية”؟

***

آسيا قبليباحثة في المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية

_________

المصدر: مجلة قضايا آسيوية – العدد الثالث كانون الثاني – يناير 2020, وهي فصلية دولية محكّمة تصدر عن المركزالديمقراطي العربي، ألمانيا – برلين.