Minbar Libya

بقلم مختار غميض

بعد أكثر من عشرة أشهر من عدوان اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر على عاصمة بلاده طرابلس، دخلت ليبيا العام الجديد وها هي تحيي ذكرى ثورتها التاسعة.

.الجزء الثاني

بالضغوط الدولية

شجّع ضعف الموقف الأممي والدولي عامّة حفتر على تجاوز كل الخطوط الحمراء، عسكريا وسياسيا، بعد افتضاح أمر داعميه ولربما ذلك سيغيّر مواقف الدول مما كانوا يعتقدون أنه الرجل القويفي ليبيا.

وتتالت الضغوط الدولية مؤخرا على اللواء المتقاعد، آخرها كان خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن ليبيا، إثر تقدّم عدد من أسر ضحايا قصف الطيران الموالي لحفتر بدعوة في المحكمة الفيدرالية بواشنطن ضد حفتر ومعاونيه.

وجاء موقف مساعد وزير الخارجية الأمريكي واضحا بشأن تأييد بلاده لحكومة الوفاق وعدم اعترافها بحفتر ورفض الحملة العسكرية التي يشنها، ودعوته إلى الانخراط في حل الأزمة، منتقدا دور روسيا في زعزعة الاستقرار بليبيا، وهو ما أثار حفيظة موسكو التي عارضت التصويت في مجلس الأمن لصالح قرار وقف دائم لإطلاق النار وفق مخرجات مؤتمر برلين بعد أن صوتت عليه 14 دولة عضو.

هذا التحرّك الأمريكي كسَر الجمود والارتباك في التعاطي سابقا مع المسألة الليبية، مما قد يعطي دفعا قويا للسياسة الأمريكية من هنا فصاعدا، فلأوّل مرّة تجتمع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ كاملة في جلسة استماع حول سياسة أمريكا في ليبيا.

وقد أعرب كل من مساعدي وزير الخارجية عن مكتب الشرق الأدنى، والنائب عن مكتب الشؤون الأوروبية، عن تحفظ كبير من الدور الروسي وضرورة التصدي له ورفض عدوان حفتر مقابل الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، وذلك بعدما تأكّدت الإدارة الأمريكية تماما من خلال عناصر أرسلتهم إلى محاور القتال بطرابلس وعادوا إليها بكون مقاتلي الوفاق ليسوا إرهابيين كما يدعّي خصمهم.

يُضاف كلّ ذلك إلى اعترافات الوسيط الأممي غسان سلامة بشأن العديد من الدول التي تدعم حفتر عسكريا في حربه على طرابلس، بما في ذلك وصول مرتزقة من جنسيات متعددة منهم الروس إضافة لوصول عدة طائرات من سوريا إلى مطار بنغازي، إلى جانب ما كشفه فريق لجنة الخبراء المعني بليبيا نوفمبر الماضي، من ضلوع العديد من الدول الإقليمية والدولية في دعم العدوان العسكري لحفتر.

قبل ذلك لابدّ من الإشارة إلى موقف المندوب الليبي بالأمم المتحدة الطاهر السني حيث تتالت كلماته القويّة في مجلس الأمن نهاية الشهر الماضي حيث وجّه خطابه مباشرة للمندوبة الفرنسية متهّما بلادها بانتهاك حظر السلاح وتورّطها مع الامارات بتقديم الأسلحة لحفتر في انتهاك للقرارات الدولية.

ثم خطابه في منتصف الشهر الجاري خلال جلسة إقرار مجلس الأمن لمخرجات مؤتمر برلين، انتقد السنّي بشدة دعم بعض الدول للمعتدي (خليفة حفتر)، معتبرا القرار إعلانا للفشل الرسمي للانقلاب العسكري، ومطالبا بضمانات دولية لوقف إطلاق النار.

كما لا يمكن تفويت فضيحة شركات أمنية جنّدت فيها الإمارات الشباب السوداني بحجة العمل لتقوم بتدريبهم بمعسكرات خاصة وتحويلهم الى مرتزقة لترسلهم الى ليبيا للقتال وحراسة المنشآت النفطية التي أغلقها حفتر منذ أيام.

كل هذه الضغوط الدولية والأممية قد تفسر قلق اللواء المتقاعد، حيث وصل به الأمر لاستخدام سلاح النفط بعد غلقه المنشآت النفطية بهدف مزيد الضغط وحصار العاصمة لتركيعها بعد فشله في دخولها، ليصل به الأمر حدّ منع رحلات البعثة الأممية من وإلى ليبيا، رغم استئذان البعثة منه.

فبأي حق يتم هذا المنع رغم عدم استثناء حفتر لمناطق نفوذ معيّنة، ورغم كون البعثة وسيطا وليس طرفا، وكيف تكتفي البعثة ببيان تعرب فيه عن مخاوفها من القرار الذي قالت إنه سيعرقل المساعي المبذولة لإنجاح الحوار ؟! وكيف للوسيط العاجز عن الهبوط في ليبيا أن يفرض وقف إطلاق النار؟
هذا إلى جانب محاولات حفتر استمالة صنّاع القرار الأمريكيين منذ سنة 2016، وهو الأمريكي الجنسية، بعد محاولات نجحت لحد ما في استمالة روسيا بكل الطرق، التي تبدي ميْلا أكثر لسيف القذافي، وظلّت تضغط به حتى الآن مع تحالف بعض جماعات القذافي مع حفتر في العدوان الحالي فدخل الروس بمرتزقتهم تحت هذا الباب.

أما الضغط التركي على معسكر حفتر واللغط حول تركيا آخر المتدخّلين في الشأن الليبي، فهي ليست سوى دولة اقليمية ومسلمة وتدعم مسارا أمميا بنصّ اتفاق الصخيرات وشرعيته المعترف بها دوليا، إلى جانب دعم تركيا لقيام الدولة المدنية، ثم إذا كان الجميع قد تدخل فلماذا تُستثنى تركيا كثاني قوة عسكرية في حلف الناتو، الذي هو أصل القضية في ليبيا الجديدة ؟!

وأمّا الحديث عن ترحيل تركيا لمسلحين من المعارضة السورية فهو مجرّد حملات افتراضية نفاها مقاتلون سوريون بعد مزاعم تواجدهم في ساحات القتال حول طرابلس، بل الأهم أن هذه الجماعات المعارضة غير مصنفة على قائمات الإرهاب الدولي بنصّ الاتفاقيات الدولية المبرمة في سوتشي بين تركيا وروسيا.

ثالثا: آفاق مسارات برلين

أمسارات برلين

تمخّض مؤتمر برلين منتصف الشهر الماضي، كمحاولة من ألمانيا لسحب البساط من تحت فرنسا وإيطاليا اللتين فشلتا فشلا ذريعا في فرض حل ليبي، عن عقد ثلاثة مسارات (اثنان بجينيف وواحد بمصر) لرسم مخرج للأزمة في ليبيا، لم تحقق لحد الآن أي إنجاز.

وحدّد ممثلو اثنتي عشر دولة بمؤتمر برلين، المسارات بشكل متواز لحل الأزمة سياسيا بعيدا عن العسكرة، أوّلها مسار اقتصادي (يتعلق بالمصرف المركزي ومؤسسة الاستثمار الخارجي ومؤسسة النفط) ثم مسار عسكري وأخر سياسي.

ورغم التفاهم على هدنة لوقف إطلاق النار بمؤتمر برلين، إلاّ أن قوات حفتر اخترقتها مباشرة منذ إقرارها وما زالت تخترقها، كذلك تلكّأ في إرسال ممثليه لاجتماع 5+5 العسكري بجنيف، وانتهت الجولة برفض حفتر وقف القتال وعدم التوقيع على مقترح لسحب المقاتلين وتطبيق الهدنة مما بات يشكك في نجاح الجولة المقبلة.

كما أنّ المسار الاقتصادي لا يبدو أفضل حالا، حيث تتكتّم البعثة الأممية عن مخرجات الجولة الأولى التي احتضنتها العاصمة المصرية، وهذا في حدّ ذاته مثير للتساؤل، فلماذا تخصيص مصر الداعم القوي لحفتر بالمسار الاقتصادي على خلاف المسارين الآخرين الذين بقيا في جنيف ؟

تشير تقارير لتشكيل ثلاث لجان ستعنى بإصلاح القطاعين المصرفي والخاص، وثانية بالتوزيع العادل للثروة، وأخرى بإعادة الإعمار.

وقد ندّد رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج تقديم مصر دروسا في الديمقراطية والمدنية وخاصة في توزيع الاقتصاد الليبي وهو ما أثاره السيسي أكثر من مناسبة وكأن الاقتصاد الليبي مسألة مصرية وطنية داخلية، خاصة وأن الأطماع المصرية في الاقتصاد الليبي معلنة وليست خفية.

ولعل اعتراف الرئيس السوداني المعزول عمر حسن البشير بتسليح مصر لحفتر يبرر تلك التدخّلات، إضافة لتأكيد تقارير أخرى حصول حفتر على مدرعات عسكرية من الامارات وطائرات مسيرة يتم استعمالها في قاعدة الخادم شرق بنغازي، وتزويد مصر لحليفها الليبي بالسلاح عبر معبر السلوم وواحة الجغبوب بطائرات يتم تعطيل جهاز تتبعها فوق أجواء ليبيا متخذة من قاعدة عثمان المصرية تمركزات لها.

وهذا السعي المحموم للتسلح كشفته مصادر إعلامية مؤخرا بيّنت سعي حفتر لشراء طائرات برازيلية بعد حصوله أخيرا على طائرات صينية من الأردن الداعم القوي للواء المتقاعد، وتلك الطائرات بتمويل إماراتي.

ومن هنا، يبقى الحل النهائي مسألة عزيمة داخلية مرتبطة بالإرادة الليبية نفسها بشرط تخلّي المتدخّلين الأجانب فيها، وبالتالي فالهدنة الحالية تحمل نوعا من الاتفاق لكن يبدو أنّها مناسبة لالتقاط النفس وإعادة الروح والتموضع من جديد في إطار صراع إرادات دولية.

وهذا ما ستكشف عنه أكثر مجريات المسار السياسي الذي سيُعقد بجينيف أواخر الشهر الحالي استكمالا للمسارين الأمني والاقتصادي.

بآفاق الحلّ السّياسي

أظهرت الحرب على طرابلس صمودا كبيرا لمقاتلي قوات الوفاق، لم يتوقعه حفتر نفسه الذي وصفهم بالوحوش، ولم يتصوره الناطق باسمه عندما اعترف بعدد مقاتليه الذين فاقوا السبعة آلاف مقاتل قضوا على تخوم العاصمة، ولم يتصوّره حلفاء حفتر الذين ضاعفوا دعمهم العسكري مرتيّن مقارنة بالسنة الفارطة بعد ما توقعت فرنسا انتهاء السيطرة على العاصمة في ظرف يومين.

عموما، أمام هذا الصمود وأمام تلكئ حفتر في المضي قُدما نحو الحوار، فإن الحرب أمام ثلاثة سيناريوهات:

إمّا معركة كسر عظام طويلة ومدمرة للمنطقة، وصفها الرئيس التركي بنموذج سوريا جديد، وحمام دم غير متوقفسيسعى لمنعه، وهو ما قد يفسر قول الرئيس الجزائري بطرابلس خط أحمر“.

و إمّا السيناريو الحالي، وهو تكافئ القوى والفرص الذي بات يتطلب مزيدا من الضغوط الفعلية الدولية على حفتر للرضوخ للسلام وتوفير مناخ الثقة بين الفرقاء وهو السيناريو الأكثر واقعية.

وإمّا سيناريو دعم تركي عسكري لقوات الوفاق (التي فاجأت الجميع بما فيها قوى دولية في قدرتها القتالية رغم الهجوم المفاجئ) للتمكن من طرد قوات الكرامة إلى مراكزها قبل عدوانها وبالتالي فرض الحوار مع حفتر أو مع بديل آخر.

هذا السيناريو يترجّح مع تمكن قوات الوفاق من تحييد سلاح الطيران المُسيّر عن المعارك، تبقى مسألة القذائف العشوائية التي تهدد حياة المدنيين بالدرجة الأولى فإنه لا يمكن مواجهتها حسب قادة ميدانيين إلا بعمل عسكري كبير يأذن بالدخول في مرحلة الهجوم.

وفي المحصّلة فإن إقرار مخرجات برلين بمجلس الأمن الدولي أخيرا ليس بالإنجاز الكبير مالم يتمّ ردع المعتدي وداعميه عربيا، وإلاّ فإنّ كل القرارات الدولية بما فيها حظر السلاح على ليبيا ستظل حبرا على ورق ولن يتم تطبيقها على أرض الواقع إذا استمر تضارب مصالح القوى الكبرى الاقتصادية والجيوسياسية بعيدا عما يجب فرضه على الجنرال وهو الانحياز بقوّةٍ للشرعية الدولية وقراراتها.

ثم إيجاد حلّ أممي عادل كما تم في عديد التجارب في العالم، حتى عودة السيادة كاملة لدولة ليبيا بتقرير من بعثة الأمم المتحدة، وإلا فإن السيادة ستبقى منقوصة بفعل القرار 1973 مالم تعترف الأمم المتحدة بأنه لا ضرورة لوجود وصاية بفعل الفصل السابع وتسحب بقرار دولي في مجلس الأمن يمرّ بإجماع أممي.

خاتمة:

مثّل الدّخول القويّ لتركيا إلى جانب حكومة الوفاق زلزالا هزّ أركان حلفاء الجنرال الليبي المتقاعد، ولا تزال ارتداداته مستمرة بسبب تعادل كفّة الصراع بين الفريقين الليبيَيْن، ممّا سيحتّم على القوى الدولية ضرورة البحث عن حلّ جديّ لأن كل تأخير سيقود لمزيد من الدماء والدمار.

وبالتّالي لا مفرّ من التأكيد على بيان الجامعة العربية الأخير بشأن ليبيا القاضي بدعم العملية السياسية من خلال التنفيذ الكامل لاتفاق الصخّيرات باعتباره المرجعية الوحيدة للتسوية في ليبيا، بمعنى إسقاط أهداف مشروع المحور المصري السعودي الإماراتي، الهادف لسحب الثقة من السرّاج، الأمر الكفيل بتخلي حفتر عن العمل العسكري.

خلاف ذلك فإن قائد قوات الكرامة ماضٍ في الحل العسكري عبر فوّهات المدافع ومخازن الذخيرة، وهو ما قاله صراحة الناطق باسمه، لذلك ذهب لمؤتمر برلين وغيره للاستماع فقط كما قال أيضا، أو لإضاعة وقت خصمه والمماطلة العسكرية لا غير.

وبالتالي بعد كل مرواغة أخرى، ويبدو حاليا أنّه يستعد لهجوم جديد، وهو يذكّر أنصاره في الذكرى السنوية السادسة لانقلابه، أنّ السلام سيكون بجحيم القذائف، بينما ظهر مدركا لوَزن تركيا لكنّه أكّد قدرة قواته على مواجهتها ودخول طرابلس، وهذا مؤشر على أنّه لن يتخلى عن مشروعه المعلن مالم تردعه قرارات دولية قويّة أو يتخلى عنه الداعمون الذين يتخذونه بيدقا نحو الولوج إلى الثروات الليبية الهائلة.

***

مختار غميض (صحفي تونسي)
_________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية