Minbar Libya

بقلم عبدالسلام محمد مخلوف

تعد سلطة القضاء من أصعب المهام في العالم الثالث عامةً، والعربي خاصةً، وفي ليبيا تحديداً.

سلطة القضاء الليبي

دور القضاء أثناء تأديته لمهامه تقع على عاتقه السلطات الديمقراطية في الدولة ، ومن واجبه التصدي لخروقاتها . لان قطاع القضاء من واجباته أيضا ممارسة الدور الرقابي أثناء عمليات التشريع والتنفيذ،.

فاستقلال الأجهزة التنفيذية والقضائية والتشريعية عن بعضها تحدي آخر يواجه القضاء في النظام الليبي الجديد لارتباطه بالتحول الديمقراطي والمحافظة عليه فتوحش وتوغل السلطة التنفيذية واعتداءتها المتوقعة علي الديمقراطية لا أحد يردعها عن سلوكها إلا قطاع القضاء من خلال إختصاصاته المختلفة.

إرساء دولة القانون بعد الثورة

عندما يتعطل القانون بفعل قوي فاشية، أو بفعل الأعمال الغوغائية، أو بفعل الهامشيين، أو الانقلابيين، أو العودة إلي تفعيل منظومة العرف، في محاولة للالتفاف على عمليات التحول الديمقراطي، أو بحكم عجز المشرّعين أن يعملوا علي شرعنة الحقوق والواجبات للمواطنة والدولة، هنا تغيب دولة القانون في ظل حضور قطاع القضاء.

إن إرساء دولة القانون لا يتم إلا من خلال وجود وتطبيق القانون، في ظل وجود مؤسسة قانونية لها أعرافها وموقعها المؤثر. ولدولة القانون قواعد وأسس ينبغي أن يبحث عنها المتخصصين في مجالها.

فدولة القانون وصنع القانون، وتطبيق القانون، ومراقبة تطبيق القانون، هي تربية ثقافية ووطنية قبل أن تكون وظيفية، ولكن نحن في مرحلة أنتقالية وتحولية يتوجب فيها إعادة التأسيس لمنظومتنا القضائية.

إرساء دولة القانون تعني البحث عن دعائم دولة القانون المفقودة في الماضي، ولذلك فان الامر يتطلب البحث عنها، وتناولها عبر شرائح مؤسسات المجتمع المدني والسياسي (مجتمع السلطة) والمجتمع المهني.

استقلال الهيئات القضائية

القضاء المستقل هو قلب النظام الديمقراطي ونبضه، وهو الذي يرعى منظومة الحقوق والحريات والواجبات لكل من المواطنة والدولة، والقضاء سلطة من سلطات الدولة، فلا ينبغي إن يكون أداة من ادواتها تستعملهُ ضد المواطنة وبدون حدود وضوابط.

نعم الدولة أم المؤسسات، ولكنها مؤسسة تدار بأفراد. وقرارات السلطة السياسية ينبغي إن تكون على مسافات متساوية بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. واستقلال منظومة القضاء تعبير على نضوج ثقافية الديمقراطية وشفافية ممارستها في المجتمع.

فالقضاء المستقل لا يعني انه سلطة في مواجهة السلطات الاخري، ولكن في استقلاليته هو استقلال للسلطات الاخري. استقلال السلطة القضائية يعني أيضا فيما يعني المقدرة علي تفسير القانون، وإعطاء الإبعاد لقانونية أداء الدولة في كل المجالات .

فإذا نجحت السلطة القضائية في وضع التفسيرات والتكييفات القانونية والقضائية لسلوك الدولة وهذا يتطلب منها أيضا منح ذلك للمواطنة وحقوقها وواجباتها. إن عدم تدخل الاجهزة الامنية وجماعات الضغط والمصالح والاحزاب ومسؤولى السلطة التنفيذية في شؤون القضاء يمنح الفرصة لكي يكون القضاء مستقلاَ.

إدارة التفتيش القضائي

إلغاء تبعية إدارة التفتيش القضائي من تبعيتها للعدل إلي المجلس الأعلي للهيئات القضائية. وهذا تحدي أخر يواجه قطاع القضاء، نظرا لطبيعة وحساسية هذه الإدارة التي أثبتت التجارب فشلها في العديد من القضايا.

فكيف نطالب باستقلال القضاء، وإدارة التفتيش القضائي تتبع وزارة العدل !! لان استقلال القضاء يعني إن إدارته ينبغي إن تكون مستقلة عن أداء السلطة التنفيذية، ويمكن لقطاع العدل إن يصنع جهازاَ مختلفا عن إدارة التفتيش القضائي من حيث اختصاصات والوسائل.

فالتفتيش القضائي هو قلب العملية القضائية، وهو المكان الذي من خلاله تتأكد حقيقة العدالة، ومسار دولة القانون واستقلال القضاء فيها.

دور النيابة والسجون

وهذا تحدي آخر ينتظر قطاع القضاء والمحاكم والنيابة وهو كيفية إعادة التأسيس لهذا القطاع كاستحقاق من استحقاقات الهبة الربانية للسابع من فبراير لسنة 2011.

السجون ينبغي أن تتحول إلي مواقع منتجة ورافد من روافد الاقتصاد الوطني، وليس مستودعات لحشر البشر لآجال طويلة وقصيرة. والنيابات التخصصية وإلغاء كافة المحاكم الاستثنائية مطالب ينبغي تداولها من خلال وسائط المجتمع المدني.

إنها الدعوة إلي إعادة التأسيس، وخلق مؤسسات قضائية وعدلية يرجع إليها العالم الأخر، مؤسسات تحافظ وتسهر على حقوق وحريات المواطنة في ليبيا ومكاسب ينبغي تحقيقها.

دور المحاكم الوطنية

غياب المحاكم التخصصية مطلب حضاري وتخصصي ينبغي عدم تجاوزه، فالدول، ووفقا للنظرية الوظيفية، تلجأ إلي التخصص في كيفية قضاء شؤون المواطنة. فمحاكم الاسرة تتخصص فى شؤون الزواج والطلاق والنفقة وحقوق المتقاعدين وقضايا كبار السن وحقوقهم القانونية، والمعاقين والمراة والطفولة وحقوق العجزة والمشردين ، وحقوق المسجونين الانسانية، ومظاهر الظلم الاجتماعى، وحضانة الاطفال، والفرائض الشرعية للورثة، والاحداث… الخ، مكانها محاكم الاسرة ، من خلال تفعيل القوانين والشريعة السارية.

وقضايا حماية الاملاك العامة والخاصة من عقارات والاراضى الزراعية والمبانى وكل الخلافات العقارية، واملاك الوقف العقارية…..الخ، مكانها المحكمة العقارية المختصه.

قضايا الجرائم والجنح التى يرتكبها الاجانب ومخالفاتهم للقانون الوطنى والاقامة، والهجرة غير الشرعية واستباحة المجال البحرى والجوى والبرى من الاجانب، مكانها المحكمة المختصه بالاجانب، وفصل قضايا العنصر الوطنى عنهم.

هذه الامثلة وغيرها تسرى عليها القواعد القوانين الليبية الوطنية مثل قانون العقوبات والقوانين الاخرى.

العقوبات في قانون القضاء الليبي

هذا تحدي آخر ينتظر قطاع القضاء في ليبيا، بمعني هل يتمكن المشرعين في ليبيا إن يصنعوا قوانين عقابية باحكام وعقوبات بديلة، كظاهرة حضارية يحتاجها المجتمع، بعدما عاني ما عاني، عقوبات بديلة تمنح للمذنب كرامته، وللجاني كرامته.

إن العقوبات البديلة في قوانين العقاب والجريمة لها بُعد اقتصادي لما توفره مثل هذه العقوبات من مصاريف وإمكانيات وموازنات.

وأخيرا، هذه المطالعة حاولت إن تسهم برأي نحو تأسيس رؤية لاستقلال ونزاهة القضاء في ليبيا، وكيفية إعادة مأسسته، وهذا لن يتم استشعاره إلا من خلال ورش عمل فنية تخصصية ،وندوات وحلقات دراسية، لان الأمر يتعلق بمستقبل الحريات والحقوق، وإرساء دولة القانون ونزاهة القضاء فيه.

***

عبدالسلام محمد مخلوف باحث ليبي بجامعة السلطان زين العابدين ـ ماليزيا

____________

المركز الديمقراطي العربي