Minbar Libya

تقرير د. محمد التومي

نظم مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية يوم السبت 15 فبراير 2020 ورشة عمل مختصّة لمناقشة الوضع السياسي في ليبيا تحت عنوان أفق الصراع الليبي بين إدارة التوافق الداخلي والرهانات الخارجية” .

افتتح الجلسة الدكتور رفيق عبد السلام رئيس المركز بحضور جمع من الخبراء والمهتمين بالشأن الليبي إضافة إلى باحثين وفاعلين سياسيين واجتماعيين من المعنيين بالشأن الليبي من تونس والجزائر وليبيا في محاولة لتشخيص الوضع الليبي الراهن ومختلف الرهانات الممكنة داخليا وخارجيا.

الورشة عقدت بهدف تبيّن بعض الحلول الممكنة باعتبار الأهمية الكبرى التي يوليها مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية للمسألة الليبية من خلال تخصيصه وحدة للشأن الليبي تُعنى بالمسائل الحينية في متعرّجات السياسة في ليبيا، وتنشر مقالات لمتخصصين في هذا الشأن في مجلة المركز.

حاضر في هذه الورشة كلّ من خليفة الحداد من تونس وعثمان اللحياني من الجزائر ومن ليبيا محمد عمران كشادة وطارق شعبان قرباج ومحمد درميش وأدارت الجلسة سلسبيل بنيس.

وقد أكّد الدكتور رفيق عبد السلام في مفتتح الجلسة أن تونس معنية بصورة مباشرة بما يجري في الساحة الليبية ورأى بوجوب مبادرة تونسية مغاربية لحلحلة الوضع في ليبيا ومن ثمة تعيد التوازن في هذا البلد الشقيق الذي أصبح ساحة خلفية لصراعات دولية متكاثرة تنزع إلى تثبيت مصالحها.

من شأن هذه المبادرة أن تدفع في اتجاه حل سياسي يضمن لليبيين الخروج من بوتقة الحرب ويزيل فتيلها الملتهب مادامت هذه الدول لم تتورط في صراعات مباشرة في ليبيا ولم تكن لها صفقات مشبوهة أو رهانات ذاتية تستبعد مصلحة الليبيين وأمنهم وسيادة دولتهم.

ويرى عبد السلام أن تونس متضررة من انخرام الأمن في ليبيا ومن تواصل الأزمة بين مختلف الفاعلين فيها، وإن معالجة هذه المسألة يجلب لتونس مصالح في الأمن والاقتصاد والسياسة خاصة وأن الروابط التي تجمع بين الشعبين التونسي والليبي هي روابط عميقة ومتينة على المستوى الاجتماعي والثقافي.

هذه الروابط بين الشعبين تفرض التقارب أكثر بين الفاعلين في رسم السياسات من البلدين وأن تكون لتونس مساهمة ديبلوماسية رسمية وأخرى شعبية لمعالجة الأزمة وآثارها نتيجة لتدخلات أطراف عربية في الشأن الليبي بالتمويل والسلاح لفريق على حساب آخر.

تدخلات الأطراف العربية السلبية هو ما يغذي الصراع المحتدم أصلا والفتن الداخلية وهو ما يتناقض مع الدور الذي تطمح له تونس والجزائر وكل دول المغرب العربي التي تطمح الى توحيد الكلمة وتجميع الشمل وإسكات لغة السلاح حتى تعود ليبيا إلى مسارها الطبيعي.

إن عودة الاستقرار إلى ليبيا حسب عبد السلام مرهون بعزيمة الفاعلين وإرادتهم، وإن كل الأمل معقود على عودة ليبيا إلى أن تلعب دورها في الفضاء المغاربي والإفريقي.

وقد تطرق كل من محمد درميش وطارق شعبان وخليفة الحداد إلى دور القوى الاجتماعية والمجتمع المدني في ليبيا ما بعد الثورة من خلال إشكالية الحديث عن أدوار للمجتمع المدني والقوى الاجتماعية في مشهد عسكري بامتياز وقد قدّم خليفة الحداد مقاربة تاريخية تنظر في الشروط التاريخية لنشوء المجتمع المدني قبل الثورة وبعدها معترفا بصعوبة الحديث عن مجتمع مدني في ظل نظام سياسي قائم على القبلية، بنية وتوظيفا.

وقد سعى خليفة الحداد إلى تأصيل ذلك من خلال العودة إلى العهد الملكي ومنع الجمعيات السياسية والاجتماعية والثقافية، أما في العهد الجماهيري فقد تمّ تجريم أي عمل أهلي خارج الأطر الرسمية (الأمنية تحديدا)، ومن ثمة توظيف القبيلة والأحزمة القبلية بديلا عن الحزام السياسي، وتوظيف آليات التصعيد بالمؤتمرات واللجان الشعبية وبعث آلية القيادات الاجتماعية لإعادة إنتاج القبلية.

وقد تواصل ذلك بعد الثورة وذلك بتوسع كبير في إنشاء الجمعيات والمنظمات (بلغ عدد مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا 5500 منظمة محلية، 42% منها تم تسجيلها عام 2012، و67 منظمة دولية) وتنظيم عدد كبير من المناشط في مختلف المجالات (ثقافية، حقوقية، تطوعية، رياضية)، وقد ظل دور المجتمع المدني في صياغة مشاريع للتوافق الداخلي ضعيفا ونسبيا لأسباب ذاتية وموضوعية.

ثم دخل الجميع مرحلة التشظي الاجتماعي والسياسي والمؤسساتي (منذ سقوط النظام وخاصة منذ 2014).

هل القوى الاجتماعية (القبيلة تحديدا) يمكن تصنيفها ضمن المجتمع المدني. الذي هو منتج من منتجات الحداثة السياسية والاجتماعية، في حين أن القبيلة والمنطقة والطائفة والاثنية مرجعيات وحواضن وروابط تعود إلى ما قبل الدولة الحديثة.

إنّ معظم الحراك المتعلق بالوساطات والتهدئات وفض الإشكاليات قامت به مكونات قبلية واثنية، كما لعبت القبيلة دورا كبيرا في تشظية الهيئة الاجتماعية بالمنطقة الشرقية من خلال عمليات التقتيل والتهجير وحرق الممتلكات والعقاب الجماعي (الصحوات، أولياء الدم، القوات المساندة)، كما لعبت دورا في تشظية الهيئة الاجتماعية بالمنطقة الغربية كما يمثل الجنوب حاضنة قبلية بامتياز (غياب كامل للدولة).

لعبت القبلية والاثنية الدور الأكبر في تشظية المجتمع ومراكمة التناقضات، وهو ما يضع علامات استفهام حول مدى تمثيلية الهياكل ذات المسميات القبلية وبروز الفاعل السلفي المدخلي واكتسابه أذرعا ثقافية ومالية وعسكرية وتحوله إلى أخطر عوامل التشظية والتفكيك بصفته يستهدف الوحدة العقائدية التي مثلت عامل سلم وتوازن في كامل تاريخ ليبيا.

كما لعب التحشيد القبلي في المنطقة الشرقية وتصوير المعركة على أنها صراع مع المنطقة الغربية وتوظيف الخواصر القبلية المتاخمة للعاصمة للوصول إلى قصر بن غشير وعين زارة والساعدية والزهراء وغيرها (حصار المدينة بالقبيلة) وتوظيف القبلية في استخدام ورقة النفط والصراع على الثروة في تعميق التشظي الاجتماعي.

وفي المحور الثاني المخصص للرهانات الخارجية تحدث الباحثان الجزائري عثمان اللحياني والليبي محمد عمران كشادة الذي اعتبر أن الصراع الدائر في ليبيا وصل إلى مرحلة خطيرة خاصة بعد فشل مؤتمر برلين الذي كان يمكن أن يحدث اختراقا في الوضع الليبي المرتهن للآلة العسكرية فلا يعلو صوت فوق صوت لعلعة المدافع .

ولكن مخرجات مؤتمر برلين هذا المؤتمر جوبهت بصدّ من قوى خارجية مثل روسيا والصين التين رفعتا الفيتو في مجلس الأمن ضدّ أي تسوية سياسية، وقد اعتبر كشادة أن تركيا تمثل الأمل الباقي لليبيين لإحداث توازن أمام تغول هذه القوى التي تحرك بيادقها الداخلية المتمثلة في مليشيا حفتر .

وأكد أن فشل الليبيين في التوافق الداخلي كان نتيجة لإصرار بعص القوى الخارجية على الحل العسكري إلى جانب أطماع دول مثل مصر والإمارات والسعودية وهو ما يعني تواصل معاناة الليبيين لفترة غير معلومة يدفعون فيها الثمن بأرواحهم.

ولذلك فإن الرأي الذي يقدمه الباحث كشادة يتناغم مع رأي الدكتور عبد السلام في أن الحل لا يكون إلا بتوافق الليبيين ومسكهم بزمام المبادرة ودعا دول المغرب العربي إضافة إلى تركيا وقطر أن تكون فاعلة في فرض الحل السياسي بخلق تحالفات لمجابهة كل الطوارئ.

***

الدكتور محمد التومي ـ باحث في السيراس

__________________