Minbar Libya

بقلم د. نورة الحفيان

تعيش ليبيا منذ تسع سنوات على وقع اضطراب سياسي وأمني خطير، تمددت رقعته مع توسع العمليات العسكرية وفشل كل التسويات السياسية لحل الأزمة، بفعل الانقسام السياسي والعسكري التي خلفه نظام القذافي.

.الجزء الأول

منذ بداية الأزمة، وبروز حالة الانقسام التي تزامن معها تصعيد عسكري تفاقمت حدته مع بدء خليفة حفتر عملياته العسكرية المستمرة والممتدة إلى حدود الفترة الآنية، برزت إلى السطح محاولات حل الأزمة سياسياً عبر تنظيم مجموعة من المؤتمرات واللقاءات كانت بدايتها من خلال جولات الصخيرات وصولاً إلى مؤتمر برلين.

هدفت تلك المؤتمرات واللقاءات جميعها إلى وضع أسس لإنهاء النزاع وحالة الانقسام وعدم الاستقرار التي تعيشها ليبيا. لكن كل هذه المبادرات لم تشهد أي نجاح نتيجة العقبات والتحديات التي عرقلت تنفيذ مقتضياتها على أرض الواقع نتيجة تضارب مصالح القوى الداخلية والخارجية.

ولمزيد من التوضيح حول الموضوع ارتأينا تقسيمه إلى المحاور التالية:

أولا: مفهوم التسوية السياسية

تعتبر التسوية السياسية إحدى الطرق السلمية والودية لحل النزاعات، و هي إحدى مراحل إدارة النزاع أو الصراع، بحيث تأتي كمرحلة قبْلية للتسوية النهائية، وتعتبر محاولة لإنهاء النزاع المسلح من خلال اتفاقات تفاوضية بحلول مؤقتة، إلى أن تتم معالجة جذور ذلك النزاع أو الصراع من أجل حله بصفة نهائية ومستدامة.

وتأخذ التسوية السياسية أشكالاً متعددة تشمل المفاوضات والوساطة والمساعي الحميدة والتوفيق والتحقيق.

ومن خلال ذلك، نصت المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة على فض النزاعات بالطرق الاختيارية العملية، كما نصت على أنه يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء عن طريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق … أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها.

وتعد التسوية بالطرق السياسية من أهم أنواع التسويات وأبرزها إلى جانب التسويات القضائية، والتي تهدف إلى حل الخلافات بطريقة مباشرة عبر المفاوضات أو غيرها من الوسائل الدبلوماسية السلمية الأخرى وهي كالتالي:

  1. المفاوضات:

تعتبر أهم وسيلة للتسوية السياسية للنزاعات، وهي عبارة عن تبادل وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة على موضوع النزاع من أجل التوصل إلى حلول توافقية، وتتم المفاوضات إما بشكل شفهي أو عن طريق اتفاق كتابي أو عن طريق مؤتمر يجمع ممثلي الأطراف المتنازعة، ويجب أن تقوم هذه المفاوضات على مبدأ حسن النية واستعداد الأطراف لتحقيق نتائج مرضية، كما يجب أن تكون مقدمة لحل النزاع بشكل دائم.

  1. الوساطة:

وهي أن يقوم طرف ثالث محايد بدور الوساطة، وذلك من أجل مساعدة أطراف النزاع وتقريب وجهات النظر التي هي موضع النزاع بينهم. والوسيط يمكن أن يكون شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً وتقتصر مهمته على اقتراح الحلول وعرضها على طرفي النزاع.

  1. المساعي الحميدة:

هو عمل ودي يقوم على إثره طرف أو مجموعة من الأطراف على تسهيل الاتصال وتقريب وجهات النظر والرؤى بين الأطراف المتنازعة وحثها على الذهاب للمرحلة التفاوضية أو استئنافها بعد انقطاعها للحيلولة دون تطور خلاف بين الطرفين إلى نزاع مسلح أو محاولة إيقافه إذا اندلع بين المتنازعين.

  1. التوفيق:

هي وسيلة لحل النزاع عن طريق إحالته للجنة التوفيق وهي هيئة محايدة تتجلى مهامها في دراسة أسباب النزاع وتحديد وتمحيص الوقائع من أجل التوصل إلى مكامن الخلل ومن تم اقتراح السبل الكفيلة لحل النزاع سلميا. وتعتبر قراراتها غير ملزمة لأطراف النزاع.

  1. التحقيق:

وهي طريقة يقوم من خلالها الطرفان المتنازعان بتعيين لجنة تتجلى مهمتها في تقصي الحقائق حول وقائع معينة لتوضيح حقيقة وأسباب النزاع من خلال تقرير يُسلم لطرفي النزاع يتضمن الحلول الممكنة لحل الأزمة، ويعد تقرير هذه اللجنة غير ملزم قانونياً.

ثانيا: تطورات الأزمة الليبية

منذ انطلاق الحراك الليبي في 17 فبراير 2011، متأثرا بالموجة الثورية في تونس ومصر، وليبيا تعيش على صفيح ساخن جراء تحول الاحتجاجات الشعبية إلى نزاع مسلح سقط على إثره آلاف الضحايا من قتلى ومصابين بسبب الهجمات العشوائية التي قادتها الكتائب الأمنية التابعة لنظام القذافي، لكن في نهاية المطاف تمت الإطاحة بهذا النظام على إثر مقتل القذافي في أكتوبر من العام 2011.

وقد شهدت الحالة الليبية تدخل أطراف دولية في ظل غياب دور لبعض التكتلات الإقليمية وعلى رأسها جامعة الدول العربية التي تعتبر من أضعف التنظيمات الإقليمية على مستوى العالم، نظراً لغياب الإرادة السياسية بين أعضائها وسيادة منطق سياسة الإملاء من طرف قوى إقليمية مسيطرة على دواليب القرار داخلها.

وفي ظل هذا الضعف فوضت الجامعة اتخاذ القرارات حول الأزمة الليبية إلى مجلس الأمن وذلك ما تم من خلال فرض الأخير منطقة حظر جوي على ليبيا، بحيث أصدر قرارين أمميين حول الوضع الليبي رقم 1970-1973-، تحت ذريعة حماية المدنيين، بصبغة عسكرية من خلال تفويض حلف الناتو حق التدخل العسكري في ليبيا.

هذا التدخل التي تجاوز حدوده في ظل اتهامات منظمات دولية للحلف بارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، وذلك في ظل وجود أدلة تؤكد تورطه من خلال استهداف المدنيين عن طريق هجمات عشوائية.

وبالرجوع إلى حيثيات القرارين فإنهما لم يتضمنا صراحة وجوب التدخل العسكري على الرغم من أنهما جاءا استنادا إلى مقتضيات الفصل السابع من الميثاق الأممي.

بل تم التنصيص من خلالهما على وقف إطلاق النار وإحالة الملف الليبي إلى المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى تيسير مهمات المنظمات الإنسانية، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين وفرض حظر جوي فوق الأراضي الليبية.

إذن، فقد شهدت ليبيا بعد سقوط نظام القذافي، انقساماً داخلياً وصل إلى حد وصفه بالحرب الأهلية نتيجة وجود هوة واسعة وكبيرة بين القبائل الليبية ومجموعة من التيارات السياسية والعسكرية، بحيث يسعى كل طرف من هؤلاء إلى السيطرة على حيثيات الحياة السياسية في ليبيا.

كل هذه التجاذبات، أفرزت في نهاية المطاف صراعاً عسكرياً، برزت ملامحه سنة 2014، مع انطلاق العمليات العسكرية التي أطلقها خليفة حفتر في إطار ما سمي بــ”عملية الكرامة”، هذه العملية التي كانت سبباً في تقسيم ليبيا إلى معسكرين، معسكر خليفة حفتر والمليشيات الداعمة له، وفريق حكومة الوفاق والقوات التابعة لها.

وقد ساهم هذا الانقسام في زعزعة الأمن والاستقرار في ليبيا، وبالتالي ارتفاع وتيرة الصراعات المسلحة، التي ساهمت بشكل كبير في تسلل تنظيمات إرهابية وعلى رأسها تنظيم داعش إلى الأراضي الليبية التي وجدت فيها بيئة خصبة لممارسة نشاطاتها التخريبية.

وعلى الرغم من التسويات السياسية التي طُرحت من أجل حل الأزمة والتي أفضت في نهاية المطاف إلى التوقيع على اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015، وما تلاها من مبادرات، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل نتيجة خرق الأطراف المتصارعة لبنود التسويات خصوصاً من جانب فريق خليفة حفتر المدعوم من طرف قوى إقليمية ودولية.

كان حفتر قد رسم أهدافاً من أجل السيطرة على مجموعة من المناطق الحيوية في ليبيا وعلى رأسها طرابلس في محاولة لإسقاط حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، المعترف بها دولياً، وهذا ما تبلور من خلال العملية العسكرية الأخيرة التي أطلقها في أبريل 2019، محاولاً من خلالها الاستيلاء على دواليب السلطة في إطار خطة تم الإعداد لها من الخارج، وذلك باعتبار ليبيا محط أطماع قوى خارجية نظراً لأهميتها الاستراتيجية على حوض الأبيض المتوسط وبما تتمتع به من ثروة نفطية هائلة.

يتبع في الجزء الثاني

***

د. نورة الحفيان ـ باحثة مغربية، حصلت على درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام، والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، المغرب، نوفمبر 2015.

___________