Minbar Libya

د. نورة الحفيان

تعيش ليبيا منذ تسع سنوات على وقع اضطراب سياسي وأمني خطير، تمددت رقعته مع توسع العمليات العسكرية وفشل كل التسويات السياسية لحل الأزمة، بفعل الانقسام السياسي والعسكري التي خلفه نظام القذافي.

.

الجزء الثاني

ثالثا: الحل السياسي للأزمة الليبية من الصخيرات إلى برلين

سلكت المبادرات الهادفة إلى إيجاد تسوية سياسية للأزمة الليبية مسارات متعددة، وذلك من أجل إرساء أسس عملية سياسية تنهي الصراع الدائر هناك منذ 2014، وقد انطلقت أولى جولات المبادرات السياسية من مفاوضات الصخيرات وصولاً إلى مؤتمر برلين، وقد جاء أهمها على النحو التالي:

1.محطة الصخيرات …أولى المبادرات

في مدينة الصخيرات المغربية، تم تنظيم أول لقاء بين الفرقاء الليبيين، وقد تم ذلك برعاية المملكة المغربية وتحت إشراف الأمم المتحدة، وقد امتدت مفاوضات الصخيرات لخمس جولات بين الأطراف المتنازعة، وقد أفرزت هذه الجولات اتفاقاً شُكلت على إثره حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، والتي حظيت بتأييد المجتمع الدولي، واعتبرتها الأمم المتحدة الحكومة الشرعية الممثلة للدولة الليبية.

وتدور أهم نقاط محور الاتفاق حول الآتي:

  1. تشكيل حكومة الوفاق الوطني

التي توكل لها مهام السلطة التنفيذية والتي تتكون من مجلس للوزراء يرأسه رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء ويكون مقرها العاصمة طرابلس.

  1. مجلس النواب

التي توكل له مهام السلطة التشريعية للدولة (برلمان طبرق).

  1. المجلس الأعلى للدولة

الذي توكل له المهام الاستشارية، ويقوم بأدواره بكل استقلالية ودون تأثير من الجهازين التنفيذي والتشريعي.

لكن الاتفاق لم يدم طويلا، حيث أعلن مجلس النواب في طبرق شرق ليبياانسحابه من الاتفاق، وذلك بسبب انقلاب خليفة حفتر على الاتفاق، وبالتالي تعطيل عمل حكومة الوفاق، وعرقلة مسار الاتفاق السياسي الذي شكل عند توقيعه نجاحاً مهماً في طريق حل الأزمة الليبية.

2. اجتماعات باريس….. لقاءات بدون فائدة

في يوليو 2017 عُقد في العاصمة الفرنسية باريس لقاء جمع بين أطراف النزاع برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وفي إطار هذا الاجتماع حاولت الدبلوماسية الفرنسية تقريب الرؤى بين طرفي النزاع

وبالفعل فقد تم الاتفاق من خلاله على ضرورة وقف إطلاق النار من أجل تأمين الحل السياسي عبر مصالحة وطنية بين الليبيين باعتبارها بوابة العبور نحو إنهاء الأزمة.

وتسهيلاً لمسار بناء دولة القانون ذات سيادة، قائمة على أسس الديمقراطية تنطلق بصياغة دستور مروراً بالعملية الانتخابية وصولاً إلى إرساء مقومات مؤسساتية في جميع المجالات كضمانة لاستقرار ليبيا

لكن في نهاية المطاف فقد كان الفشل مصير هذا الاتفاق وذلك لعدم موافقة حفتر على مخرجاته.

باريس لم تتوقف عند هذا الحد، بل عاودت المحاولة من خلال إثبات وجودها كطرف فاعل في الأزمة  الليبية نتيجة تضارب مصالحها في المستنقع الليبي مع أطراف إقليمية ودولية معنية بالملف الليبي.

لذلك عقدت اجتماع دولي في مايو 2018، شارك فيه كل الفرقاء الليبيين، بالإضافة إلى ممثلي أكثر من 20 دولة، ومجموعة من المنظمات الدولية والإقليمية، وقد تمخض عن هذا الاجتماع اتفاق ينص على ضرورة إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، مع وضع أسس دستورية للانتخابات ومساءلة كل من يعيق العملية الانتخابية.

بالإضافة إلى دعم جهود المبعوث الأممي غسان سلامة بشأن اقتراح زمني لاعتماد الدستور والعمل على توحيد البنك المركزي وباقي المؤسسات المالية، وتعزيز بناء المؤسسات العسكرية والأمنية تحت إشراف أممي.

لكن في الأخير واجهت الاتفاق مجموعة الصعوبات لتطبيقه فعلياً وذلك حسب ما أعلن عنه غسان سلامة حينما قال خلال إحاطته التي قدمها إلى مجلس الأمن على أن اتفاق باريس يحتضر نتيجة فشله في الوصول إلى حل سياسي للأزمة الليبية.

3. مؤتمر باليرمو…. فشل جديد

بعد فرنسا، دخلت إيطاليا على محور خط الأزمة الليبية، باعتبارها إحدى أبرز المعنيين بالحالة الليبية نتيجة ارتباطها التاريخي والجغرافي بهذا البلد، وفي محاولة منها لإحياء مصالحها هناك جراء تراجع دورها لصالح قوى دولية وإقليمية.

وعلى إثر هذه الدوافع استضافت صقلية في نوفمبر 2018، مؤتمر باليرمو حول الأزمة الليبية، وقد شارك في هذا اللقاء إلى جانب الحكومة الإيطالية، أطراف النزاع الليبي بدون خليفة حفتر، هذا الأخير الذي التقى بفايز السراح على هامش المؤتمر، وحكومات كل من روسيا، فرنسا، تونس، الجزائر، مصر، والاتحاد الأوروبي.

وقد اختلف مؤتمر باليرمو عن اجتماعات باريس، من خلال إعطائه الأولوية لعودة الاستقرار والأمن إلى ليبيا وفق الترتيبات الأمنية التي وضعتها الأمم المتحدة وذلك كضرورة لتسهيل العملية السياسية والمتمثلة في الإجراءات الدستورية الخاصة بانعقاد الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

وكسابقيه فقد فشل مؤتمر باليرمو في تحقيق مخرجاته، نتيجة افتقاده لآليات واضحة لتنفيذه على أرض الواقع، بحيث كان الهدف الرئيسي للمؤتمر هو منافسة إيطاليا لفرنسا في الملف الليبي، وذلك في محاولة منها للحد من تمدد النفوذ الفرنسي على الآبار النفطية الكبيرة في ليبيا.

4. لقاء موسكو…اتفاق ناقص

احتضنت العاصمة الروسية في 13 من يناير 2020 مباحثات غير مباشرة بين وفد حكومة الوفاق ووفد خليفة حفتر وذلك برعاية تركيةروسية، وقد نصت مسودة الاتفاق على وقف جميع الأعمال العسكرية وضمان وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين مع تفعيل مسار الحوار عبر تشكيل لجنة من أجل وضع تصور حول شكل التسوية السياسية والحلول الممكنة للمشاكل الإنسانية، واستراتيجية إعادة الانتعاش للاقتصاد الليبي.

وعلى إثر هذا اللقاء أعلنت موسكو عن توقيع وفد حكومة الوفاق على نص مسودة وقف إطلاق النار، بينما طلب الطرف الآخر، أي وفد حفتر، مهلة لدراسة محتوى الاتفاق والنظر في إمكانية التوقيع من عدمه.

لكن في النهاية فشلت محادثات موسكو حول الملف الليبي في تحقيق نتائج ملموسة لتثبيت وقف إطلاق النار، نتيجة اتخاذ خليفة حفتر قرار مواصلة عملياته العسكرية وتوسيع رقعتها في الميدان.

يتبع في الجزء الثالث

***

د. نورة الحفيان ـ باحثة مغربية، حصلت على درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام، والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، المغرب، نوفمبر 2015.

___________