Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

شجاعة وسطوة سلامة والأطراف الدولية تظهر فقط في التعامل مع جبهة طرابلسن حيث حذر هؤلاء المجلس الأعلى للدولة بالإقصاء في حال رفض المشاركة في اجتماعات المسار السياسي بجنيف.

الارتباك والغموض هو سيد الموقف في أعقاب انطلاق مسارات التفاوض، إذ لم يكن حال المسار السياسي أفضل من المسارين العسكري والاقتصادي، بل كان الأكثر ارتباكا وغموضا.

أصرت البعثة الأممية على المضي في عقد الجولة الأولى من مفاوضات المسار السياسي، برغم مقاطعة أهم طرفين في العملية السياسية وهما ممثلو برلمان طبرق والمنتخبون عن المجلس الأعلى للدولة.

انطلقت الجولة الأولى بحضور عدد من أعضاء البرلمان، معظمهم ممن التحقوا بالبرلمان المنعقد في طرابلس، وكذلك جُل المشاركين الذين تم اختيارهم من قبل البعثة، والذين يطلق عليهم المستقلون.

وبرغم إصرار من شاركوا في مباحثات اليومين الأولين على أن النقاش كان تمهيديا ولم ينتقل إلى الملفات الرئيسية، إلا أن البعثة وزعت جدولا لأعمال المسار السياسي متضمنا كل ما ترى من الضروري بحثه في هذا المسار.

تدافع أطراف الصراع

جبهة الشرق تبدو أكثر تماسكا في الموقف، والسبب يعود إلى أنها تخضع لإرادة حفتر ومن يدعمه في مشروعه من أطراف إقليمية ودولية، فيما يبدو الارتباك على جبهة طرابلس والمظهر مشاركة أعضاء من برلمان طرابلس في التفاوض برغم تعليق المجلس الأعلى للدولة مشاركته إلى أن يتم النظر في مطالبه والتي في مقدمتها وقف عدوان حفتر وعودة النازحين ورجوع قواته من حيث أتت.

مقاربة ملغومة

جدول الأعمال الذي طرحته البعثة للنقاش في المسار السياسي يضع في مقدمة بنوده إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، واشترط غسان سلامة ضرورة أن يصادق البرلمان على الحكومة التي يتم الاتفاق على اختيار أعضائها.

وهنا يكمن أول مشاكل المسار السياسي، فإذا كان قصد سلامة البرلمان بمجموع أعضائه المنقسمين حول جسمين أحدهما في طبرق والآخر في طرابلس، فهذا يحتاج تقديم مناقشة وضع البرلمان وكيفية توحيده قبل مناقشة السلطة التنفيذية وإعادة تشكيلها، أما إذا كان القصد الجناح المنعقد في طبرق فهذه المصيبة التي لا خلاص منها.

وإذا نظرت إلى الضغوط التي يمارسها سلامة على المشاركين خاصة أعضاء البرلمان المنعقد بطرابلس والمجلس الأعلى للدولة مستعينا على ذلك بالأطراف الدولية، يتضح أن سلامة منحاز أو لا يتعامل بموضوعية وتوازن بين الطرفين.

سلامة ثبت مئات الخروقات لإطلاق النار كلها أو جلها تورط فيها الطرف المعتدي على العاصمة، وكان يوم أمس، الجمعة، مرعبا بشكل غير مسبوق لسكان طرابلس بعد أن أمطرت قوات حفتر أحياء العاصمة بنحو مائة صاروخ وقذيفة مدفعية، وظل سلامة على موقفه بل وانحيازه.

سلامة اعتبر قصف الجمعة بالأعمال التي ترتقي إلى جرائم الحرب، وبما أن من أمر بتنفيذ هذه الجرائم حفتر فالمنطق يقول ضرورة توجيه اتهام مباشر له أو تحذير صارم في حال استمر في عدوانه.

لم يقع أي من ذلك، والمفارقة أن سلامة طالب الأطراف الدولية بالضغط على حفتر للمشاركة في اجتماعات جنيف؟!

شجاعة وسطوة سلامة والأطراف الدولية تظهر فقط في التعامل مع جبهة طرابلسن حيث حذر هؤلاء المجلس الأعلى للدولة بالإقصاء في حال رفض المشاركة في اجتماعات المسار السياسي بجنيف، وهو في رأيي تهديد مبطن قد يأتي أكله.

التصعيد وخيارات الصمود

حفتر، والعقل الذي يفكر ويخطط له، يوظف أوراقه بشكل يحقق له بعض ما يريد، فهذا الهجوم المرعب وغير المسبوق يأتي في ظرف عسكري عصيب بالنسبة له بعد أن خسر كثير من قوته البشرية وعجز عن الدخول للعاصمة، فأراد بهذا القصف المروع كسر إرادة المقاومين في الجبهات من خلال إرهاب المجموع العام من سكان العاصمة.

أيضا يريد حفتر من تصعيده العسكري، الذي بالفعل يرتقي إلى جرائم الحرب، خلط الأوراق بعد انطلاق المسار السياسي وممارسة ضغط على البعثة وعلى المفاوض من جبهة الوفاق عله يرغمهم على الخضوع لمطالبه التي عجز عن تحقيقها في ميدان القتال.

جبهة الوفاق ما تزال متلقية وليست مبادرة، وأسيرة ردود الفعل على أعمال يناور بها حفتر، وهذا ما يدعو إلى القول بأنها تحتاج إلى:
ـ لملة شعثتها وتوحيد جبهتها الواسعة حول مقاربة واضحة لخوض التفاوض في كافة مساراته وعدم التساهل فيما يتعلق بالتشتت والخلاف المشاهد اليوم.
ـ توظيف الجبهة الواسعة الموحدة لفرض الحد الأدنى من مطالبها على المجتمع الدولي والصمود بقوة أمام الضغوط مهما عظمت.

***

خلفية حول التسوية السياسية بين الحراكين المحلي والخارجي

نجحت بريطانيا في جمع أعضاء مجلس الأمن للموافقة على قرار يؤكد على وقف إطلاق النار الذي فرضته المبادرة الروسية التركية، ويدعم مخرجات ملتقى برلين. وتكمن أهمية القرار في أنه يمثل الإرادة الدولية في أهم مؤسساتها، وهو مجلس الأمن، مع التنبيه إلى أنه لا ضمانات لاحترام هذا القرار.

أيضا يعكس القرار الأممي أن الإرادة الدولية تتجه إلى تعزيز حالة السلم والولوج إلى مرحلة التفاوض، وهو ما تحاول البعثة عمله من خلال إطلاقها مسارات الحوار الثلاثة: العسكرية والاقتصادية والسياسية.

حراك دولي له دلالته

وبالنظر إلى الحراك الدولي المرادف، هناك ما يشير إلى أن بعض الأطراف الدولية الفاعلة ترغب في أن تنجح مبادرة وقف إطلاق النار وتريد لمخرجات برلين أن تصبح واقعا في ليبيا، وهو ما يمكن استنباطه من التصريحات التي تدين حفتر لو بشكل غير مباشر، أهمها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، وتصريحات بعض الساسة الأوروبيين الذين حملوا حفتر مسؤولية خروقات وقف إطلاق النار، أيضا حراك بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي الذين عبروا عن قلقهم تجاه الموقف المرتبك للبيت الأبيض حيال الأزمة الليبية.

مسار تفاوضي مرتبك

لكن الانتقال من الحرب إلى السلم يتطلب من المجتمع الدولي، ممثلا في البعثة الأممية والأطراف الدولية المهتمة بالشأن الليبي، درجة من التوازن والتعامل مع الحالة الليبية بموضوعية، وهو ما يزال غائبا حتى اليوم أو أنه يجري على استحياء.

المسارات الثلاث التي تبناها المبعوث الأممي ودعمه فيها المجتمع الدولي تبدو مرتبكة، وإدارتها يظهر فيها بعض الانحياز، والدليل تقديم المسار الاقتصادي على المسار السياسي وجعل القاهرة مقره. ومعلوم أن القاهرة منحازة لحفتر، وتحركها في ذلك المصالح الاقتصادية.

السلم ليس خيارا لحفتر

على صعيد الحراك المحلي، فإن استجابة الأطراف المتنازعة لدعوة البعثة الاممية للتفاوض، خاصة معسكر حفتر، لا تعكس إرادة حقيقة للانتقال من حالة الحرب إلى السلم والتعويل على التفاوض والحوار لتحقيق الاستقرار.

حفتر ما يزال يستقدم العتاد والذخيرة والمقاتلين الأجانب، وليس سرا أن ما حصل عليه من دعم عسكري خلال الأسابيع القليلة الماضية يعدل ما حصل عليه خلال عشرة أشهر، أي منذ أن بدأ عدوانه على طرابلس.

في المقابل، فإن حكومة الوفاق لم تتأخر في تنفيذ الاتفاق العسكري والأمني الذي وقعته مع تركيا، إذ ما تزال العناصر المقاتلة تتوافد وكذلك السلاح والذخيرة.

التعبئة التي يقوم بها حفتر، باعتباره المعتدي ابتداءً، والرافض للانصياع لمبادرة وقف إطلاق النار، تؤكد أن التفاوض الذي أطلقه المبعوث الأممي لا يمثل الخيار الاستراتيجي لحفتر وداعميه، وأنه ربما يخطط لجولة ثانية من الحرب عساه يحقق فيها ما فشل في تحقيقه خلال عدوانه في الأشهر العشرة المنصرمة.

وللحرب أغراض أخرى

دعم حلفائه الإقليمين والدوليين، وفي مقدمتهم فرنسا، ربما يشي بتطلع حلفاء حفتر إلى مقارعة تركيا في ليبيا وتوجيه ضربة قوية لها في محاور القتال، طمعا في هزيمتها على الأرض وإسقاط مشروعها الإقليمي الذي يشكل اتفاقها مع حكومة الوفاق عموده الفقري.

في المقابل، فإن تحشيد حكومة الوفاق بدعم كبير من تركيا يكشف أن أنقرة تدرك التحدي واستعدادها لإفشال خطة المشروع المضاد، وما يجري على الأرض من فعل عسكري فاعل لقوات الوفاق يدلل على مدى فاعلية الدعم التركي والجاهزية لمواجهة أي هجوم كاسح.

أعتقد أن حفتر وداعميه الإقليمين والدوليين يدركون أن مرحلة الحرب تقترب من نهايتها، وأن الباب فتح للمسار السياسي، وبالتالي فإن المواجهة القادمة بالنسبة لهم ينبغي أن تكون قوية وسريعة وذات نتائج مهمة لأجل تعزيز موقعها التفاوضي، وهو ما تدركه حكومة الوفاق ومن خلفها تركيا وتستعد له.

وعليه، فمن المتوقع أن تقع مواجهات واسعة وشرسة، دون أن يترتب عليها نتائج تغير الواقع على الأرض.

***

السنوسي بسيكري ـ مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية

___________