Minbar Libya

بقلم عمر الحاسي

لقد قادتنا تجربة الثورة في ليبيا إلى اكتشاف عدة متناقضات اجتماعية؛ في تفسير ظاهرة الثورة، وهو ما يشاركنا فيه الأحرار بكل بلدان ثورات الربيع، فمشروع الثورة محكوم عليه ألا يخطئ أحد الاتجاهين:

1إما تكون حالة (وعي مُنظم بأفكار ومبادئ) عند (نخبة شجاعة) لتزيح الخوف الذي زرعه (مستبد ظالم) في عقول وقلوب أبناء شعبه منذ سنين، ولتقود النخبة الشعب إلى إنهاء الطغيان واستلام السلطة، وتنقذ هذه النخبة شعبها من أن يقع في حروب أهلية انتقامية مدبرة من الداخل أو من الخارج.

فتسارع لتبث السلام وتشيع الاستقرار بالبلاد كافة، لتبدأ مرحلة بناء الدولة المدنية، ومرحلة الانتخابات، والتداول السلمي على السلطة، وإعادة الإعمار للعقل البشري والدولة.

2- أو أن تكون الثورة مجرد حالة (هيجان عاطفي بمشاعر زائفة؛ خالية من الوعي)، تؤدي إلى أن تلتهم الثورة نفسها فيسرقها الانتهازيون، وتنفجر الفوضى المسلحة، وتصبح القبائل والجماعات الدينية أقوى من الدولة، ويكثر الفساد المالي والإداري في المؤسسات.

وهكذا يندم بعض الشعب على مشاركته في الثورة وقتل الطاغية السابق، لتنتهز (الثورة المضادة) تلك (الفوضى الخلاقة) فتسارع بتقديم (طاغية جديد) أشد دموية من سلفه؛ وأعمق جهلا من سابقه، ومتى ما سيطرت قوة الطغيان على محيط جاهل، فإن الجريمة ستولد وسينطفئ ضوء العقل والتنوير في الأمة.

ليس ثمة شك أن قلب مشروع الثورة مازال يخفق مضطربا بين أمل تحقيقه وفجيعة الانقلاب عليه، بل إن أصعب ما في الثورة هو أنها مشروع ثقافي عنيف يُلغي ما قبله ويصطدم بما بعده، فالثورة تعاني حالة الصراع من أجل الوجود، وهي مازالت تبحث عن ذاتها المبعثرة فينا.

ونحن مازلنا نبحث (بمصباح ديوجين في وضح النهار)؛ عن (مؤشر معرفي) في كل الشوارع المتربة الغاضبة والحالمة بالدولة المدنية؛ وفي كل المتاريس الصامدة ضد (انقلاب العسكر)، من أجل أن تفهم المسافة الممتدة في رؤوسنا كشعوب اضطرب تاريخها وحتى مستقبلها بين: ثابت (الديكتاتورية) بسادته وعبيده، وبين متحول (الحرية) بأحراره ومناضليه.

هذا ليس بجديد، فالشعب يصبح حرا (بالوعي) حتى ولو كان فقيرا بموارده ولا يمتلك السلاح؛ ويبيت ذاك الشعب عبدا (بالجهل) حتى ولو كانت لدية أعظم الثروات وأنواع الأسلحة كافة، فالشعب (الجاهل) لا يفهم قيمة الحرية، ويعجز عن العيش إلا في ظل (جلاد دموي)، يلهب جلود الجميع بسوط طغيانه.

لقد بات واضحا أن هناك فرقا شاسعا بين (الإنسان الحر) الذي يتبع (الفكرة) العظيمة مهما كان قائلها؛ وبين (العبد) الذي يُطيع (صاحب الفكرة) دون أن يناقش ما الفكرة التي سيموت لأجلها.

إن (افتقار ثورات الربيع لنخب شجاعة وصالحة)، ضيع على الكثير من شعوبنا فرصة الاستفادة من الحرية التي تنفسوها في لحظات الثورة الأولى، قال الأديب الأمريكي الساخر (توم كوين) ذات مرة:

(ليست الأمور التي تجهلها هي ما يوقعك في المشاكل، بل الحقيقة أن ما تعرفه خير المعرفة هو ما يقودك إلى نتائج مرعبة!!).

يبدو أننا (بالذات في ليبيا) وبلحظة انصهارنا داخل لهيب التجربة الدامي، وفي قسوة الصراع ضد مشروع (الثورة المضادة) التي تحاول الإبقاء على الطغيان، ها نحن نؤكد الآتي:-

1أن قيمة الحرية كانت (غير محددة) للبعض حينما ثار لأجلها، وهذا جعلهم في اختلاف مع البقية الثوار، الذين يعرفون أن قيمتها لن تكن إلا بمسؤوليات وعواقب.

2أن الثورة الحقيقية ليست تغيير (نظام) الحكم فقط؛ بل هي تغيير (نظرية) الحكم، إن أصعب ما في الثورة ليس (تغيير حكم الطاغية) بل (تغيير ثقافة الناس)، التي قد تقبل (بعودة الطغيان مرة أخرى) إذا لم تكن لهم ثورة ثقافية متنورة.

3الثورة الحقيقية ليست القضاء على (الحكم الفاسد) فقط؛ بل التحرر من (الأفكار الفاسدة)، إن تغيير الحكم في بلد ما (بشكل عسكري فقط)، لن يكون مفتاحا للتحول نحو الديمقراطية أو لتحقيق (الدولة المدنية).

4أن النجاح في تنفيذ مشروع الثورة لا يعني عدم ارتكاب الأخطاء، بقدر ما يعني عدم تكرارها.

5- أن أي طاغية يحتاج ليستمر طغيانه إلى ثلاثة أشخاص: (فقيه مزيف) يمنح الطغيان شرعية الظلم،(تاجر ملوث) يشتري الذمم ليفسد الاقتصاد والضمائر، (إعلامي كاذب) يقلب الحقائق ليزيف التاريخ ويشوه الأحرار.

6أن كارثة عودة الطغيان بعد الثورة، ستكون في فداحة (التفجيرات النووية) في فتكها بالعقول، وفي تشويهها لكل ما هو جميل وحي، ولن تنجو من هذه الكارثة إلا تلك المخلوقات (الدنيئة) التي تكون قد كيّفت عقلها (المنحط) مع الخراب، وهذا ما يحدث للبعض حينما يطفئ نور عقله ليتكيف مع الاستبداد الجديد.

7وجب على الثورة متى ما ولدت بلا رأس (بلا مشروع)؛ أن تسارع بخلق (مشروع فكري معاصر)، وأن تأخذ من الحضارات الأخرى والبعيدة ما ينفعها؛ وأن تتعلم نقد الذات وإبعاد سارقي الثورات والمزورين كي تنجو من إعادة استنبات الطغيان.

الثورة في عقل الكثير (من الليبيين) كانت ومازالت عملية تطور في الوعي، فهي رفض (لمرحلة الكائن المُهان) وقفز عنيف إلى (مرحلة الإنسان المتحرر) بضوابط أخلاقية، الثورة ليست فقط تحررا من قهر سياسي؛ أو إيقافا لفساد اقتصادي ممنهج؛ أو محاولة الإفلات من سجن فكري ضيق ومميت، ولكنها هي (خلق جديد لنظرية إسلامية للحرية، تستفيد من التقدم التقني والإنساني الغربي).

نحن إذا استطعنا التوفيق بين (المنهج الأخلاقي) النبيل لقيمة الإنسان العظيمة بالدين الإسلامي (غير الملوث بتفسيرات الفقهاء المتضاربة)؛ وبين الأدوات المعاصرة بالإدارة السياسية بالغرب (غير المشوهة بالسياسيين المفسدين)، نعني أنه بالإمكان خلق ارتباط عظيم بين القيم المقدسة الراسخة للفرد ومجتمعه في الإسلام؛ وبين السياسة المعاصرة الغربية المتطورة، وهذا سيجعل هدف الثورة بتأسيس (دولة مدنية معاصرة) طرحا قابلا للتنفيذ بشكل دقيق ومتحضر.

يشير المفكر المعاصر (د. سمير أبو زيد) إلى أنه (لكي تقطف ثورات الربيع ثمار ثوراتها؛ فنحن في حاجة إلى نظرية إسلامية تستفيد من التقدم الإنساني الغربي؛ ومن النظرة الحضارية الإسلامية، وبهذا يمكن قيام الدولة الجديدة التي تضمن الحرية الفردية المتوافقة تماما مع القيم المجتمعية، وهذا أمر ليس سهلا على الإطلاق، ويتطلب تركيز الجهود نحوه).

ثورات الربيع باحترامها للعقائد الدينية المختلفة (كما هو في دول غير ليبيا)؛ وتقبلها للأدوات الحديثة والأفكار المعاصرة؛ ومحاولتها تطوير عقل مواطنيها على فعل (النقد والبناء) معا، تكون قد ساهمت في تحرير العقل وانتصرت حتى على ضغط الثقافات الغربية، التي ظلت زمنا طويلا ومازالت تخالف وتصطدم مع فكرة الدين؛ وتفتت الهوية؛ وتسخر من التراث.

ليس ثمة شك أن المواطنين الذي صنعوا إحدى ثورات الربيع، ومازالوا يناضلون كي تكون مشروعهم الحضاري للمستقبل، هم بلا شك (ودون استثناء بعفويتهم) نعدّهم (قادة عصر التنوير في العالم الثالث)، ولا يشكك أحد أن هؤلاء المواطنين البسطاء قد أسقطوا عبر ثورات الربيع الكثير من ثوابت العلوم السياسية في العالم.

وذلك بعد أن قفزوا بثوراتهم فوق الحدود؛ ووحدوا الاختلافات العرقية؛ وهزموا جبروت العسكر، وقد كان هذا صعبا ليفهمه حتى صناع السياسة الغربية، لدرجة أن كثيرا من الدول الكبيرة تحرص الآن على عودة الطغيان القديم برموزه البائسة من المؤسسة العسكرية، وترفض الأفكار المتطورة التي يعرضها المواطنون المتنورون، ممن يقدمون الفكر الواعي والمشروع الحضاري لثورات الربيع.

ليس خافيا أن (ثورات الربيع) قد فقدت بعض عواصمها التي انقلب عليها العسكر مرة أخرى؛ ليعود استبدادهم إليها بأسوأ مما كان سابقا، فأصبحت السلطة بيد الخونة؛ والسلاح بيد القتلة؛ والمال بيد اللصوص.

لم يعد هناك من مخرج لثنائية: أن (الثورة) هي مشروع ثقافي حقيقي يتم بها إسقاط حكم الطغاة؛ وأن (الانقلاب العسكري) مشروع مزيف يتم به إسقاط حرية الشعب.

وهذا يقودنا لفهم أن (ثورات الربيع) هي (سعي عاقل) بعد أكثر من 100 سنة من أجل الحرية؛ بينما (الثورات المضادة) هي (فعل جاهل قديم جدا) لتجديد مواثيق العبودية.

إننا إذا أردنا أن نعيد وهج ثورات الربيع ومشروعها الحضاري، وجب معرفة السلاح الذي يستخدمه الانقلابيون عبر (الثورة المضادة)؛ وهذا السلاح هو: إشعال الحروب الأهلية وعدم إطفائها؛ وقتل كل من شارك في ثورات الربيع؛ وعدم قبوله شريكا في الوطن.

بينما ثورات الربيع لديها أكثر من سلاح؛ وهي أسلحة لا يجيد الانقلابيون العسكريون استخدامها، ومنها (ثقافة السلام) وأدواتها من المصالحة؛ وقبول الآخر؛ وعدم الإقصاء؛ والمشاركة السياسية العادلة، ونحن نتفهم جيدا أن (المصالحة) ليست غاية لذاتها؛ لكنها وسيلة لنشر (السلام)، مثلما (الديمقراطية) ليست غاية؛ بل وسيلة لتحقيق (الدولة المدنية).

كم هو مؤسف أن البعض بمناطق ثورات الربيع عادوا يعانون القمع تحت حكم الطغاة الجدد من الانقلابيين العسكر، وها هم يعانون مع محنة المشروع المزيف لثقافة الطغيان، التي لا تملك رغم إرثها التاريخي المؤلم والطويل، إلا القمع والاضطهاد؛ بل إنها من شدة إفلاسها الثقافي والحضاري؛ تُفاخر بقتل الأبرياء وتُعظم جرائمها التي يُدينها المجتمع الدولي.

يجب ألا ننسى أن الثورة إذا لم تقدم مشروعا حضاريا متنورا يصونها ويحميها؛ فإنها تصبح (ثورة مغدورة) يسرقها الانتهازيون؛ وتمتلئ حتى حافتها بالمتلونين؛ وحينئذ تتشوه بثقافة مزورة؛ وسرعان ما تتحول (الثورة) إلى (ثورة مضادة) على يد من صنعوها وقاتلوا لأجلها، وهذا أمرٌ عانته بصورة خاصة (ثورة الربيع 17 فبراير في ليبيا)، فقد أصبح واضحا بعد غياب مشروعها الحضاري، أن سيطرت (رموز الثقافة المزورة) فامتلاء المشهد من:

* بعض (الدينيين) الذين بدل أن يقدموا (الدين) بوجهه الأخلاقي والمتسامح والرحيم، إذ بهم ينتجون أفكارا متطرفة وإرهابية، وأصبحوا خطرا على كل مُقدس ومُحرم.

* بعض (المقاتلين) الذين بعد أن غاب عنهم المشروع الحقيقي، اختلط عليهم الأمر فاصطدموا بالمتشددين، وحينها قبلوا بعودة حكم الطغيان وعودة الاستبداد.

* بعض (التائهين) الذين حينما لم تمنحهم الثورة مبادئ راسخة وقوية، تحولوا إلى لصوص للنهب والاستيلاء على المال العام.

ليس ثمة شك أن الثورة إذا لم تعالج نفسها وتبين لنفسها مواطن الضعف والفساد؛ فإنها حتما ستتحول إلى مسخ دموي هو الطغيان، والجهود المبذولة لإعادة الطغيان في ليبيا ليست حكرا على الجهلة من أتباع (الثورة المضادة)، بل باتت جهودا تبذل حتى من الموظفين الأممين وبمسؤولين كبار بدول وهيئات في المجتمع الدولي، وهو ما يزيد من حجم مواجهة الطغيان ببلدان الثورات المغدورة، وهذا يعود لصعود (اليمين المتطرف) في العالم (المتقدم) وتآكل الديمقراطية هناك في بلدانهم.

كانت الثورة في ليبيا إحدى حالات التغيير التي ارتبطت مع حركة التاريخ، بدأت فجأة من نقطة جديدة، وأن مستقبلا لم نعرفه ولم يحك لنا عنه أحد سيتم كشفه أمامنا، وبما أن الثورة إبدال للقيم؛ فما كان في زمن الطغيان سوف يكتسب محتوى جديدا في زمن الثورة، لكن إبدال القيم يتطلب عادة زمنا قد يطول.

والبعض قد لا يتقبل هذا الإبدال، بل أحيانا يواجهه بمقاومة مسلحة؛ لكننا مازلنا نعد الثورة حالة تطور لكل الليبيين، كما أنها تلك العملية العميقة التي تجمعنا معا في مسار واحد هو قبول الآخر، من أجل تحديثه وتطوير المستقبل بيننا.

لفهم متطلبات الثورة نحتاج أن نكون أكثر وعيا وسرعة، ولا بد أن نضع في اعتباراتنا وجهات النظر المختلفة بيننا بسبب إما الانتماء لنظام سابق؛ أو لرفض التغيير؛ أو عند مواجهة الثورة المضادة.

لكننا ومع كل هذا يجب أن نكون شغوفين بجعلها في مساحة تسهل إدارتها، إننا نعدّ ذلك بصيرة عظيمة للسلام والتطور، رغم أن الثورة (كعادتها التاريخية) ولدت (بعفوية البسطاء) وكانت دون مشروع سياسي متفق عليه مع الجميع، إذا استثنينا مطالبتهم بإسقاط النظام، فإن السؤال الذي يهمنا في الوقت الحاضر هو: هل بالإمكان خلق روابط جديدة لمستقبلنا مع أتباع (الثورة المضادة) أفضل من التي كانت في الماضي؟

لقد حلمنا أن تكون ليبيا دولة آمنة يسودها السلام وينتشر فيها الإعمار، (وهذا حلمٌ ليس له تاريخ انتهاء)، نحن مازلنا نحلم ونحاول المرة تلو المرة، ولم ولن نيأس، يقول شاعر الثورة الكبير (محمد الشلطامي):

حينما يحلم ثائر تورق الأحجار في أقسى جبل!!.

***

عمر الحاسي ـ سياسي ليبي شغل منصب رئيس الوزراء في حكومة الإنقاذ السابقة

_____________