Minbar Libya

بقلم د. نورة الحفيان

تعيش ليبيا منذ تسع سنوات على وقع اضطراب سياسي وأمني خطير، تمددت رقعته مع توسع العمليات العسكرية وفشل كل التسويات السياسية لحل الأزمة، بفعل الانقسام السياسي والعسكري التي خلفه نظام القذافي.

.الجزء الثالث

5.مؤتمر برلين …. أي فعالية لمخرجاته

عُقد في 19 من يناير 2020 مؤتمر دولي حول الأزمة الليبية والتي استضافته العاصمة الألمانية برلين.

وقد عرف المؤتمر مشاركة 12 دولة هي دول (5+1) (الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، بالإضافة إلى تركيا، إيطاليا، الجزائر، الكونغو، الإمارات، مصر، إلى جانب مشاركة منظمات دولية وإقليمية وهي الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول العربية، الاتحاد الإفريقي، في غياب لأطراف النزاع الليبي.

وقد توصل المشاركون في نهاية المؤتمر إلى صياغة اتفاق حول خطة شاملة خاصة لتسوية الأزمة من خلال تثبيت الهدنة عن طريق وقف إطلاق النار وحظر دخول الأسلحة إلى الأراضي الليبية، وقد تمحورت مخرجات المؤتمر في النقاط التالية

  • على المستوى السياسي:

اتفق المشاركون على دعم المسار السياسي الشامل برعاية الأمم المتحدة من أجل تحقيق مصالحة ليبيةليبية، مع التأكيد على دور الدول المجاورة في عملية تحقيق الاستقرار في ليبيا، والتزام الأطراف المشاركة عدم التدخل في الشؤون الداخلية الليبية.

  • على المستوى الاقتصادي:

التأكيد على ضرورة استعادة المؤسسات السيادية الليبية لدورها ومكانتها وعلى رأسها البنك المركزي الليبي وهيئة الاستثمار الليبية وشركة النفط الوطنية، مع ضرورة الالتزام بحماية أمن المنشآت النفطية والامتناع عن أيه أعمال عدائية ضدها أو أي استغلال غير مشروع لموارد ليبيا الطاقية التي هي من حق الشعب الليبي.

  • على المستوى الأمني والعسكري:

دعوة كل الأطراف المعنية إلى مضاعفة جهودها من أجل وقف كافة العمليات العدائية وإطلاق النار بشكل دائم ومستمر. كما دعا البيان إلى ضرورة الامتناع عن كل عمل يمكن له أن يقوض العملية السياسية، بما في ذلك تقديم الدعم اللوجستي العسكري وتجنيد أفراد ومرتزقة لصالح أحد الأطراف، مع التأكيد على ضرورة فرض عقوبات من طرف مجلس الأمن لكل من ينتهك أو يخرق بنود الاتفاق.

  • الجانب الإنساني:

حَثَّ الاتفاق الأطراف الليبية على ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وذلك في سبيل حماية المدنيين والمنشآت المدنية العامة والخاصة وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والطبية.

رابعا: تحديات فشل التسويات السياسية في الأزمة الليبية

شهدت الحالة الليبية محاولات كثيرة من أجل التوصل إلى تسوية سياسية بين أطراف النزاع في ليبيا والتي كانت بداية مساعيها من الصخيرات وصولاً إلى مؤتمر برلين، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، نتيجة تفاقم الأوضاع الميدانية، وتصاعد التدخلات الخارجية بسبب صراع المصالح بين مجموعة من الفواعل الإقليمية والدولية.

ويمكن إجمال أهم هذه التحديات في التالي:

  1. تعقيدات الوضع الميداني:

تشهد ليبيا على أرض الواقع تدهوراً أمنياً خطيراً نتيجة التصعيد العسكري واستمرار المعارك بين أطراف النزاع الليبي، وبالأخص العملية العسكرية التي يقودها خليفة حفتر من أجل الدخول إلى طرابلس والسيطرة عليها بهدف إسقاط حكومة الوفاق المعترف بها دولياً برئاسة فايز السراج.

محاولات حفتر العسكرية المتكررة، التي باءت جميعها بالفشل، كانت لها تداعيات خطيرة على المستوى الإنساني بحيث خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة وصلت إلى حد توصيفها بجرائم حرب.

ومما يزيد الوضع الميداني تعقيداً هو محاولة قوات خليفة حفتر إحكام السيطرة الكاملة على المنابع الرئيسية لحقول النفظ الليبية، هذا الدافع الذي يجعل من فرضية التراجع عن الحل العسكري أمر في غاية الصعوبة.

  • التدخلات الخارجية وحرب المصالح الاستراتيجية:

يعد التدخل الأجنبي وتقاطع المصالح الدولية والإقليمية من أبرز التحديات التي تواجه الأزمة الليبية، فهناك من له مصالح اقتصادية وهناك من له مصالح استراتيجية وجودية في الأرض الليبية.

فقد شهدت ليبيا منذ سنوات تدخلاً خارجياً، بحيث ظهر ذلك على الواقع الميداني، خصوصاً من طرف التكتل الذي يضم الإمارات، مصر، السعودية وفرنسا بالإضافة إلى الدور الخفي لروسيا.

بحيث بسطت هذه الفواعل يدها على الأراضي الليبية من خلال المساهمة المباشرة في العمليات العسكرية التي قادها حفتر منذ 2014 إلى حدود الساعة، هذا الأخير الذي حظي بدعم عسكري وتمويلي كبير وتنسيق استخباري متطور من طرف هذه الدول.

وتتجلى أسباب هذا التدخل والدعم المباشر الذي يقدمه هذا المحور لخليفة حفتر إلى اعتبارين:

الاعتبار الأول هو عداء بعض هذه الدول لتيار الإسلام السياسي ومحاربته عن طريق أسلوب الثورة المضادة، من خلال تقديم كل سبل ووسائل الدعم المتاحة من أجل القضاء عليه.

الاعتبار الثاني يتمثل في وجود مصالح استراتيجية تسعى هذه الدول لاستغلالها داخل المستنقع الليبي، بحيث تسعى هذه الأطراف إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية من خلال السيطرة على حقول النفط الليبية. إذ تعد ليبيا من أغنى الدول من حيث إنتاج النفط، بالإضافة إلى توفرها على أجود أنواع الذهب الأسود على مستوى العالم.

  • غياب دور التكتلات الإقليمية:

يعتبر غياب جهود فعالة لبعض التكتلات الإقليمية وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي إحدى أهم المسببات التي ساهمت في فشل مبادرات التسوية السياسية، بحيث أنه ومنذ بداية الأزمة حاول الاتحاد الإفريقي لعب دور أساسي ومحوري من أجل تعزيز الحلول الممكنة لإنجاح التسوية السياسية للأزمة الليبية.

لكن هذه الجهود واجهتها العديد من الصعوبات من أبرزها عرقلة مجموعة من القوى الدولية مساعي الاتحاد في هذه القضية، والتي كانت من أهمها دعوته لمصالحة وطنية ليبيةليبية. وذلك في سبيل إعادة الأمن والاستقرار لهذا البلد الإفريقي.

وفي هذا الإطار اشتكى الاتحاد الإفريقي من تهميش دوره وتغييبه عن مجموعة اللقاءات والمبادرات التي تسعى إلى حلحلة المسيرة التفاوضية بين أطراف النزاع الليبي للوصول إلى تحقيق حل دائم ومستدام للأزمة.

لكن على الرغم من كل ذلك، فلا يمكن للاتحاد الإفريقي لعب دور فعال في الأزمة وذلك راجع لعدة اعتبارات أبرزها الانقسام الداخلي التي يشهده الاتحاد، وتفاقم الأزمات الأمنية في القارة السمراء، بالإضافة إلى افتقاره لرؤية واضحة ومحددة حول معالم التسوية السياسية الممكنة للأزمة الليبية.

خامسا: سيناريوهات الحل السياسي في ليبيا: بين النجاح والإخفاق

نتيجة للواقع الميداني الذي وسم التوتر الحاصل في النزاع الليبي، فإن واقع هذه الأزمة يرسم سيناريوهين محتملين لمستقبل الأزمة الليبية وهما:

  1. سيناريو نجاح التسوية السياسية:

بحيث يعتبر هذا السيناريو صعب التحقق في ظل الواقع الميداني والسياسي القائم، لكن يبقى ممكناً، ورهيناً بمجموعة من الشروط لإنجاحه وهي:

على المستوى العسكري: وقف جميع العمليات العسكرية بين أطراف النزاع، ونزع السلاح وتفكيك جميع الميليشيات التي ساهمت في تنامي ظاهرة العنف وتوسيع دائرة القتال داخل الأراضي الليبية.

على المستوى السياسي: تحقيق توافق سياسي عن طريق مصالحة وطنية شاملة وحقيقية بين مختلف الفرقاء الليبيين يتم التفاهم من خلالها على تقسيم الأدوار، وذلك في سبيل إعادة بناء ليبيا موحدة سياسياً ومؤسساتياً.

على المستوى الخارجي: التزام الأطراف الإقليمية والدولية بعدم التدخل في الشوؤن الداخلية الليبية واحترام سيادتها واستقلال أراضيها.

  1. سيناريو فشل التسوية السياسية:

يعتبر هذا السيناريو هو المسيطر حالياً والذي يمكن أن يستمر لفترة ليست بالقصيرة في ظل استمرارية العمليات العسكرية التي أطلقها خليفة حفتر منذ أبريل 2019

والتي ساهمت بالإطاحة بكل محاولات التسوية السياسية الودية، بمساعدة وتحريض مجموعة من القوى الخارجية وعلى رأسها الإمارات ومصر اللتان تشاركان بصفة مباشرة إلى جانب قوات خليفة حفتر سواء عبر سلاح الطيران الجوي أو عن طريق تقديم الدعم الميداني.

بهدف تمديد أمد الصراع وبالتالي إيصال المسار السياسي للأزمة الليبية إلى طريق مسدود، هذا الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من الاضطراب السياسي والأمني التي ستتجاوز انعكاساته وتهديداته الحدود الليبية.

***

د. نورة الحفيان ـ باحثة مغربية، حصلت على درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام، والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، المغرب، نوفمبر 2015.

___________